اجتماعات فيينا

الأسد والمرحلة الانتقالية في نظر الأمريكان والروس

على الرغم من نفي الجانب الروسي أن تكون محادثات كيري في موسكو قد تطرقت إلى مصير الأسد أو إلى ترتيبات المرحلة الانتقالية، مع اقتراب موعد استئناف مفاوضات جنيف، فقد بدا واضحًا أنّ التركيز بعد الاتفاق في تثبيت الهدنة والاستمرار على تسديد الضربات لتنظيم الدولة كان منصبًّا على مصير الأسد الذي تذرّع الروس بأنّ إزاحته ستكون صعبةً بسبب معارضة إيران واحتمال تفكك النظام برحيله.

القضية السورية وأزمة المسارات السياسية الإقليمية والدولية

لم يعد ثمة شك في أن سورية أصبحت لدول مثل تركيا والسعودية إحدى أهم ساحات تجلي التوازن الإقليمي، وواحدة من أبرز معايير قياس الموقف الأميركي في المشرق. وتبدو مراوحات واشنطن بين عدم الوضوح في الموقف من سورية، تارة، والتراجع عن مواقف مسبقة، تارة أخرى، سببًا إضافيًّا في عدم الاطمئنان للحليف الأميركي. وربما يمكن القول: إن حلفاء واشنطن في المشرق ارتكبوا خطأً كبيرًا عندما وافقوا على التورط في الحرب ضد تنظيم الدولة، بدون أن يحصلوا على موقف أميركي أكثر وضوحًا والتزامًا في سورية. وإلى أن تُسلَّم مقاليد البيت الأبيض لإدارة جديدة، واتضاح ما إن كانت مقاربة إدارة أوباما لشؤون الشرق الأوسط مرحلية أو استراتيجية، فالأرجح أن عدم الاطمئنان هذا سيتعمق. السؤال الأهم في هذا السياق هو ما إن كانت دول مثل تركيا والسعودية، والدول الأخرى الصديقة لهما في الإقليم، ستستطيع إقامة تحالف إقليمي يحمي مصالحهما، بغضِّ النظر عن الموقف الأميركي؟

 

أبرز ما تداولته مراكز الأبحاث حول سورية لشهر يناير 2016 (على السورية نت)

في مطلع سنة 2016، شغلت مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية ومسألة تفعيل المسار السياسي في القضية السورية نحو نوع من تسوية ما، من خلال توافق دولي ظهر في مؤتمر فيينا، ومن ثم بعد إصدار مشروع القرار رقم 2254 الذي كان نتاجاً للتسوية بين أميركا وروسيا؛ أي بين طرفين خارجيين عن الأطراف السورية، لذلك ظهر وكأنه قرار يبحث عن مخارج فقط، لا حلول، وتجلى ذلك في ضبابية المبادئ التي صيغت منها القرار. وبينما اقتصرت مخرجات القرار على تشكيل ما عُرف بـ"الهيئة العليا للمفاوضات"، والتي ستواجه بدورها تحديات ومخاطر جمة؛ أبرزها أنه قد تكون مجرد إلهاء السوريين عدة أشهر أخرى، بينما نظام الأسد يسعى لفرض وقائع ميدانية قبل البدء بأية عملية تفاوضية، بالتعاون مع الاحتلال الروسي وعملياته العسكرية، وقد يصل الأمر  إلى أن تسعى موسكو وحليفتها إيران إلى الضغط من أجل تغيير خط الهيئة السياسي، عدا عن استغلال النظام لتغير المزاج الدولي حول القضية السورية؛ إذ أخذت تطغى شعارات محاربة "الإرهاب" على ما عداها، بالإضافة إلى سحب مصطلح "الإرهاب" على بعض فصائل المعارضة السورية المسلحة.

القرار 2254 وفرص التسوية في المسألة السورية

أخذت القوى الدولية بعد خمس سنوات من بداية الثورة السورية تشعر بجملة من التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية، دعت إلى إحياء جهد تسويتها، عبر مسار سياسي جرى إطلاقه في فيينا باجتماع رباعي ضمّ الولايات المتحدة الأميركية، وروسيا، والمملكة العربية السعودية، وتركيا في 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2015، لم يلبث أن توسّع ليشمل جميع الأطراف الإقليمية والدولية ذات العلاقة بالشأن السوري، بما فيها إيران.

تحديات أمام المعارضة السورية بعد مؤتمر الرياض وقرار مجلس الأمن (2254)

حقّق مؤتمر الرياض الموسّع للمعارضة السورية ما يمكن عدّه "نجاحات نسبية" لها، فقد استطاع إصدار رؤية مشتركة توافقية عن الانتقال السياسي في سورية، ونجح في تأليف "هيئة عليا للمفاوضات"، يمكن لها أن تؤلف وفد المعارضة المُفاوض، على أن تكون هذه الهيئة مرجعية له. ولا شك أنّ تأليف هذه الهيئة معناه التقليل من دور جميع قوى المعارضة السورية وتأثيرها لمصلحة الهيئة التي ستصبح، بالضرورة، "الجسم السياسي" المعتمد دوليًا، والجهة المخوّلة بكل ما يتعلق بالعملية التفاوضية والمرحلة الانتقالية.

الحل السياسي في سورية وتحدياته

يحاول إطار فيينا إدخال القضية السورية قسراً في مسارٍ سياسيٍّ يرتجي مجدداً "أمل الحل عبر بوابات السياسة والتفاوض"، انتظرت عملية الإدخال هذه عدة تغييرات بأطر وتفاعلات ثنائية (السياسة والعسكرة) في المشهد السوري وتحولاته، لعل أهمها ثلاثة متغيرات، أولها: تبلور مشروع "الخلافة الإسلامية" وتمددها جغرافياً وفكرياً لتبرز عدواً مشتركاً لكل الفرق المتفاعلة في المسرح السوري، وثانيها تنامي نهج غرف العمليات المشتركة في صف قوى المعارضة السورية إبان وضوح المشروع الإيراني في سورية واتساع رغباته العقدية والسياسية، إذ بدأت هذه الغرف بإخلال التوازن العسكري  لصالحها، وثالثها: تدخل روسي عسكري مباشر لإنقاذ نظام الأسد من جهة ولإعادة ترتيب المشرق العربي وفق الشروط الجيوسياسية والأمنية الروسية، أحدث هذا التدخل تغييرات جمة في شروط اللعبة السياسية وإلى حد ما العسكرية التي سادت بعد تعثر العملية السياسية في جنيف.

خطة بوتين في سورية واستراتيجية الجيدو

 يُشبِّه خبراء استراتيجيون مهارات بوتين الاستراتيجية بمهارته في الجيدو؛ حيث يعتمد في كلتيهما على استعمال قوة الخصم لإلحاق الهزيمة به، لكنه اختار في سورية الرهان على قوته بدلًا من قوة خصمه. ومن الممكن تصنيف أهداف الاحتلال الروسي لسورية إلى أهداف تكتيكية وأهداف استراتيجية، وذلك من خلال خطاب الرئيس الروسي، بوتين، أمام الأمم المتحدة، في 28 سبتمبر/أيلول، ومن خلال لقاءت إعلامية مختلفة.

أبرز ما تداولته مراكز الأبحاث حول سورية لشهر نوفمبر 2015 (على السورية نت)

بعد ثلاثة أسابيع على التدخل العسكري الروسي في 30 سبتمبر، تحرّك المسار السياسي المجمّد في القضية السوريّة؛ حيث شهدت فيينا اجتماعات متتالية، كانت أبرز نتائجها، فشل أطرافه في التوصل إلى اتفاق حول مصير بشار الأسد. ومن الواضح أن روسيا تسعى لتحقيق عدة أهداف استراتيجية في سورية في ظل مسار اجتماعات فيينا، منها الحفاظ على منفذها الأخير على البحر الأبيض المتوسط، ومُزاحمة الولايات المتحدة في إدارة شؤون المشرق العربي، والتحكم في مستقبل خطوط الطاقة من غاز ونفط في المنطقة التي يمكن أن تعبر من الأراضي السورية. 

فيينا وتحديات حل المسألة السورية

أكد بيان فيينا على ضرورة أن تتفق الدول المجتمعة على تحديد الفصائل والجماعات العاملة في سورية التي ستدرج على قوائم "الإرهاب". وأوكل إلى الأردن مهمة العمل على إعداد هذه القائمة بمساعدة عدد من ممثلي مخابرات الدول المشاركة وذلك قبل انطلاق العملية السياسية. وقد استفاد الجانب الروسي من تفجيرات باريس التي وقعت عشية اجتماع فيينا الأخير، وإعلان تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" مسؤوليته عنها، للدفع باتجاه فرض رؤيته على المؤتمرين وجعل محاربة "الإرهاب" العنوان الرئيس للحرب في سورية، وعنوان التوافق على حله كذلك.

اجتماعات فيينا: السياق والمخرجات والمآلات

لطالما وقفت تفسيرات بيان جنيف المتضاربة عائقاً موضوعياً أمام تحقيق تغيير سياسي حقيقي في سورية، وعلى الرغم من خلو هذا البيان من أي بند يُحتم بشكل صريح خروج رأس النظام من السلطة، إلّا أنه تضمن بنوداً أخرى مردُّ تطبيقاتها سيؤدي بالإطاحة بنظام الاستبداد الذي ثار ضده الجمع السوري على الأقل، إلا أن سير العملية السياسية التي تفترض إيجاد مناخات تلجُ في عمليات التفكير لبناء الأطر التنفيذية لهذا البيان، اعترضه الكثير من العقبات  والتحديات، منها ما يتعلق بمنطق إدارة الصراع التي مارست ضغطاً واضحاً على قوى المعارضة عبر الالتفاف على جوهر المسألة في سورية، سواء على صعيد تكريس نموذج الهدن المحلية، أو من خلال تعويم برامج ومسارات موازية تركز جميعها على المشترك مع النظام عوض إيجاد حلول حقيقية ومديدة للمشكلة السياسية التي سببها استمراره في الحكم طيلة العقود الخمسة الماضية، كما أن جزءاً أساسياً من هذه العقبات فرضته مفرزات الصراع والعنف الممنهج للنظام الذي أضاف على معادلة المشهد إرهاب الجماعات العابرة للحدود، الأمر الذي ساهم في ظهور التململ الدولي مع تعزز حالة المراوحة في المكان دون تحقيق أي تقدم يذكر على المشهد السياسي.

الصفحات

Subscribe to RSS - اجتماعات فيينا