الثورات العربية

في نقد الاعتراضات "الثقافوية" على الثورة السورية

انقسم المثقفون العرب حولالثورة السورية خصوصا، والثورات العربية عموما، وهذا أمر طبيعي، إذ لا يمكن التعاطي مع المثقفين باعتبارهم طبقة خاصة متمحورة حول ذاتها، أو كأنهم يشكلون حزبا يسير على نهج بعينه.

المعنى أن الصورة السائدة أو المتخيلة عن المثقفين، التي تنظر إليهم ككتلة واحدة ومتجانسة غير صحيحة إطلاقا، لا عندنا ولا عند غيرنا. والقصد أن المثقفين جزء من مجتمعاتهم، وبالتالي فهم يعكسون الانقسامات أو التباينات الثقافية والسياسية، على الرؤى والمصالح، وبخصوص التعاطي مع السلطة وعلاقات القوة في الدولة والمجتمع.

يا أصحاب الثورات المضادة: طابخ السم آكله

لنفترض جدلا أن الذين أرادوا أن يعكسوا حركة الدومينو، ويقلبوا الثورات في الاتجاه المعاكس، كما توعد بشار الأسد في بداية الثورة، لنفترض أنهم نجحوا في إفشال الثورات وتحويلها وبالا على الشعوب. لكن هل هؤلاء المتآمرون من الطواغيت والانقلابيين والعرب والغرب والدول الإقليمية: هل هم في وضع أفضل الآن بعد نجاحهم المزعوم في إحباط الثورات؟ بالطبع لا. إنهم في وضع أسوأ بكثير. 

تعثر الربيع العربي.. وقفة مع العوامل الداخلية

لقد شكل الربيع العربي زلزالا في تاريخ المنطقة، وأزاح حكاما ديكتاتوريين مستبدين متجبرين من أمثال زين العابدين بن علي، وحسني مبارك، ومعمر القذافي، وعلي عبد الله صالح.. إلخ.

لكن سرعان ما تعثر هذا الربيع العربي، فاستأثر عبد الفتاح السيسي بحكم مصر، وأعاد سيرة الحكام السابقين، كما اضطرب الوضع في ليبيا وسوريا واليمن، وحدث الاقتتال بين أطراف متعددة وأدى إلى دمار كبير في البلدان الثلاثة، ومازالت الأمور تسير إلى مزيد من الدمار.

لقد جاء الربيع العربي مؤذنا بنهضة ثانية، لكن هذا الربيع الذي رفع راية النهضة الثانية انتكس بكل أسف، وتراوحت انتكاسته بين التعثر والردة.

حُداء الثورة وصخب الثورة المضادة

الحُداء فن عربي عريق، استعمله العرب رعاة وغزاة، فكشفوا من خلاله عن روحهم المتوثبة، وعن شجاعتهم التي رمت بهم في قلب الملحمة العالمية، فكانوا من الشعوب القليلة التي اتسم تاريخها بالقيادة والريادة في المسيرة الإنسانية.

ولم تكن تستغني أي قافلة عربية عن حادٍ يُطرب الأسماع بنغماته، ويستحث السائرين بأهازيجه، فيلهب حماس الأصحاب، ويُحِيل السفر متعة وهو قطعة من العذاب. كما لم تكن تستغني أي قافلة عربية عن دليل يأخذ بخطامها في مجاهل الصحراء، فيقودها بحِذْقه وتمرسِّه إلى أخصر سبيل، وينأى بها عن مزالق الخطر وقُطَّاع الطريق. 

السنوات الخمس.. خصم أم إضافة؟

على مدى التاريخ، فإن الثورات الحقيقية استغرقت عقودا (الثورة الفرنسية لم يستقم لها الأمر إلا بعد 80 عاما)، حتى صار طول الأجل من سماتها وأعرافها. الأهم من ذلك أنه ما من ثورة وقعت إلا تعرضت للانتكاس، وحين يحدث ذلك فإن عناصر الثورة المضادة تعود إلى سابق عهدها بصورة أكثر عنفا وشراسة، لأن أداءها كان مشوبا بالرغبة في الانتقام واستئصال قوى الثورة التي أزاحتها.

الحلم يتحوّل كابوساً... سورية نموذجاً

ولد الربيع العربي، في بدايتيه التونسية والمصرية، واعداً بتغير سلس، وأظهر أن المنطقة تنتمي إلى زمن العالم الحقيقي بالمطالبة المشروعة بالحرية والديمقراطية. وكانت إطاحة رأسي النظامين في تونس ومصر السهلة، إضافة إلى العوامل الموضوعية الكثيرة التي تستدعي أكثر من ثورة في البلدان العربية، قد أصابت بالعدوى بلداناً أخرى في انطلاق ثوراتها، وبدأت المنطقة كأنها تعيش حالة انهيار أحجار الدومينو، وأن عجلة التغيير ستنتقل إلى دولٍ كثيرة، بما يتجاوز الدول العربية إلى الدول المحيطة. 
 

مستقبل لا نراه ويأس نحذر منه

من المفارقات أنه بعد مضي خمس سنوات على ثورة 25 يناير 2011، فإننا لم نعرف بعد إلى أين نحن ذاهبون، ولا ما هي أولويات التحديات التي نحن مقبلون عليها في العام الجديد.

في خصوصيات الدولة ومصائر حركة الثورة العربية

كان فعل الاحتجاج المميت لبائع تونسي في بلدة هامشية جنوب الداخل، عندما أحرق البوعزيزي نفسه يوم 17 ديسمبر/ كانون أول 2010، هو الشرارة التي أطلقت حركة الثورة العربية. في الرابع عشر من يناير/ كانون ثاني 2011، حققت حركة المقاومة المدنية انتصارها الأول والأكبر بإطاحة الرئيس بن علي وهروبه من البلاد. ولكن حتى ذلك الوقت لم يكن قد اتضح بعد حجم ما يعنيه الحدث التونسي للعرب كأمة ودول. وليس إلى أن اندلعت التظاهرات في قلب العاصمة المصرية يوم 25 يناير/ كانون ثاني أن أصبح واضحاً أن ثمة حراكاً شعبياً ثورياً في طريقه لاجتياح المجال العربي.

مضايا وكلّ هذا الحقد!

لم تعد مأساة مضايا تستدرج المزيد من الأوصاف والتعريفات، ولم يعد تجويعها والعمل على ردّ المقيمين فيها إلى سويّة التوحّش سرّاً يُلحّ على الفضح والإشهار.

لقد أُشبع الوصف وأُشبع التعريف وكلّ شيء صار مكشوفاً. لكنّ بيئة سوريّة – لبنانيّة لا تني تستخفّ بتلك المأساة، أو تنكرها أصلاً، أو، وهذا أسوأ الأسوأ، تسخر ممّن يعانونها وتشمت بهم.

لوم الضحية استراتيجية بدائية ..

من الطبيعي أن يشدد المستبد على استقرار نظامه، فمآل عدم الاستقرار تقويض النظام في النهاية، وحفظ الأمن وظيفته الأولى، فالناس، من منظوره، تعيش بأمن وأمان في ظله، والثمن هو تحملها الظلم والقهر لتجنب الفوضى والفتن.

وينطلق التفكير بالعدالة عملياً من البحث في هذه الموازنة بين نوعية حياة الناس في ظل الاستقرار، المتجسدة بشكل رئيسي في درجة سد الحاجات المادية والمعنوية (والحاجات متغيرة طبعاً) وطبيعة تعامل الحكام مع المحكومين، لتأمين هذا الاستقرار. إن هذا التفكير بالعدالة، خارج الطاعة المطلوبة لضمان الاستقرار، هو الفكر الهدّام بعينه في نظر الحكام.

الصفحات

Subscribe to RSS - الثورات العربية