جنيف

هل تلتزم أميركا بمبادراتها عن سورية؟

ليست المرة الأولى التي تعلن فيها الولايات المتحدة عن مبادرة أو خطوة لحل الصراع في سورية، على مستوى كامل الأراضي السورية، أو جزئية مناطقية، كاتفاق خفض التصعيد في الجنوب، والذي أنهى النظام مفاعيله، من دون أي عقبات أو عواقب تذكر من صانع الاتفاق الأميركي، ما فتح المجال لروسيا أن تأخذ طريقها إلى صناعة ما تسمى عملية تسوية الجنوب، انتهت بتسليم الجنوب لقوى النظام السوري الخدمية، ولاحقاً الأمنية، وتحجيم دور الفصائل وتدويره بما يخدم السياسات الروسية في سورية. ومن ضمن المساعي الأميركية، يمكن الحديث اليوم عن اتفاق "ممر أو حزام أمان" حسب التسمية الأميركية، أو "المنطقة الآمنة" حسب الترويج التركي للاتفاق الذي أعلنت عن البدء بتنفيذ استحقاقاته منذ نحو أسبوع مضى مع الجانب الأميركي، بتشكيل غرفة عمليات مشتركة على الحدود التركية السورية، على الرغم من أن سرد الوقائع من الطرفين لا يزال يعبر عن هوةٍ في الوصول إلى توافق كلي حول أهداف المنطقة وعمقها، وحتى تسميتها.

«ديبلوماسية الأزعر»

لم تكن موسكو في حاجة فعلية إلى إعلان حلب خطاً أحمر، لن تسمح لأنقرة ولا للفصائل السورية المعارِضة بإسقاطه. فغارات الطيران الحربي الروسي خلال الأيام الأخيرة رسالة صارخة عنوانها أن لا عودة عن دعم نظام الرئيس بشار الأسد. وإذ بدا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف واثقاً من هامش التحرك العسكري الأميركي في سورية بحيث لا يتجاوز قصف أهداف «داعش»، لم يرَ ما يحرج الأميركيين في إطلاقه وعداً بعدم السماح بانهيار ما بقي من سلطة للنظام وجيشه في حلب ومحيطها.

استحقاقات أمام المعارضة السورية

لا تبدو المعارضة السورية، السياسية والعسكرية والمدنية، في أفضل أوقاتها أو أحوالها، لأسباب عديدة، ذاتية وموضوعية، داخلية وخارجية، وهذا لا يتعلق بها فحسب، فالنظام لم يعد يملك القوة ولا القدرة على السيطرة من دون الإسناد العسكري الخارجي، لاسيما من روسيا.

وإذا كان نظام الأسد لا يهمه، أو لا يبالي، سوى باستمرار سلطته على سورية والسوريين، ولو كانت شكلية، أي من دون سيادة فعلية، فإن المعارضة تبدو هي المعنية بتعزيز وجودها وشرعيتها، إزاء السوريين، وإزاء العالم.

معنى جنيف: حرمان السوريين من حِداد

للصراع السوري طوال خمس سنوات خاصية نادرة، قد لا يكون ثمة ما يشابهها في ثورات وحروب دول وحروب أهلية أخرى. ولا شبه لها حتى في الأقرب إلينا من صراعات كالحرب اللبنانية والحرب العراقية والحرب الإسرائيلية المستمرة على الفلسطينيين، مجتمعاً وأرضاً: لم تتح للسوريين خلال خمس سنوات طويلة فرصة يوم واحد لالتقاط الأنفاس، للنظر في ما حولهم وتفقد أنفسهم وجيرانهم، لتقييم وضعهم، وجوهرياً للقيام بحداد وفتح صفحة جديدة.

حضور وطني مستقل

في واحدةٍ من جلسات هيئته العامة التي انعقدت، أخيراً، في إسطنبول، وسط ملابسات وتجاذبات متنوعة، بعضها سوري وبعضها الآخر إقليمي، قال أحد من درجوا على المطالبة باحترام ما يسمى "القرار الوطني المستقل"، إن هذا القرار ليس أكثر من شعار يجب التخلي عنه. وأثار القول استغراب من عرفوا في صاحبه أحد المدافعين الدائمين عن هذا القرار، والمتمسكّين به، الذين خاضوا معارك حقيقية من أجل امتلاكه وممارسته.

روسيا في ملعب الفوضى

تدرّج التدخل الروسي المباشر في سورية من استخدام حق النقض في مجلس الأمن، إلى إرسال القوات الجوية والبرية لاستخدام حق النقض على الأرض السورية. لم تبتعد من جادة الصواب القراءة التي رأت أن انتقال الطرف الروسي من وضعية التدخل البعيد إلى وضعية المهاجم القريب، قد تمَّ بعلم أميركي لم يتّخذ شكل الجلوس إلى الطاولة وتوزيع المهام التدخلية بين المتحلّقين حولها، لكنه اتخذ شكل الإجازة الصامتة التي تتلاءم وخطة الانسحاب المتدرج من أرض الميدان، أي الخطة التي لازمت عهدي الرئيس الأميركي باراك أوباما، وانطوت على سياسة لملمة ثوب الولايات المتحدة الأميركية، من حلقات النار التي أشعلها تدخّلها في البلدان الآسيوية والعربية.

القيامة السورية أمام بوّابة جنيف

هناك حكاية كردية تتحدّث عن رجل رأى بأم عينيه كيف أكلت الذئاب حماره، وكان هو الشاهد الوحيد. وحينما عاد إلى القرية، بدأ يسأل من صادفهم عمّا إذا سمعوا بالحادثة، فكان جوابهم بالنفي، ما عزّز التفاؤل لدى المسكين، ودفع به إلى القول: إن شاء الله الخبر ليس صحيحاً.

جنيف السوريّة وحدود المقاومة

قد تفضي جنيف الحاليّة إلى تسوية سوريّة وقد لا تفضي. إلاّ أنّها، في أغلب الظنّ، بداية مسار سوف ينتهي إلى حلّ ما، حلٍّ يتدرّج فصولاً قد تتدخّل فيها عناصر عدّة، وقد تساهم في تشكيل صورتها النهائيّة سلوكات كثيرة، ومعها قد يُستأنف الصراع بأشكال أخرى.

لكنْ، كائناً ما كان الحال، يبقى أنّ النتائج ستبقى أقلّ من تطلّعات الحقبة الأولى للثورة السوريّة، ولسوف يدور الاختلاف بعد الآن حول درجة السوء الذي تتّصف به النتائج، ومدى القدرة على التحكّم بها أو ضبطها والتخفيف منها. وهذا ما يجعل موافقة الوطنيّ والديموقراطيّ السوريّ على تسوية كهذه، ناهيك عن مشاركته فيها، أمراً في غاية الصعوبة، يلزمه الكثير من العضّ على الجرح ومن كظم الغيظ. ويبدو، في هذا السياق، ذمّ الدنيا والاعتصام بحبل المظلوميّة إغراء قويّاً.

الانقلاب وغطاء جنيف

المأساة السورية غير مسبوقة. بضحاياها. وأشكال القتل فيها. وأمواج اللاجئين والمهجرين. وعدد المنخرطين فيها على جانبي الصراع. وتباين حساباتهم ولغاتهم. ومن يدري فقد تكشف الأيام أن المأساة السورية أشد هولاً وأهمية من المأساة التي عاشها العراق بدءاً من الغزو ووصولاً إلى اليوم. أشد أهمية في نتائجها الإقليمية والدولية معاً.

الصفحات

Subscribe to RSS - جنيف