أنقرة – موسكو .. قُرعة القشّة القصيرة

هل دقّت ساعة الحقيقة في حتمية المواجهة التركية الروسية في سورية، بعدما انتهت فترة ترحيل التباين في المواقف بانتظار حلها لاحقا، وعلى مراحل، كما أقرّ في أستانة وسوتشي؟

لم تعد موسكو ترضى بالمماطلة والتأجيل التركي في قضايا الطرق الدولية والجماعات الإرهابية وضرورة عودة قوات النظام السوري إلى المناطق التي خرجت منها في إدلب. وباتت أنقرة أكثر تشدّدا بسبب عدم الإصغاء لما تقوله عن علاقتها بالفصائل السورية المعتدلة، الواجب قبولها، ورفضها محاصرتها في مواجهة عسكرية مع مجموعات جبهة النصرة، إرضاء لبعضهم، وتجاهل موضوع مئات آلاف من النازحين الذين يريدون التحول إلى لاجئين جدد داخل أراضيها، فلماذا تواصل تركيا إرسال الحشود العسكرية والأسلحة الثقيلة إلى شمال غرب سورية؟ هل لأن الرئيس التركي قال إن بلاده لن تتردّد في القيام بما هو ضروري، بما في ذلك استخدام القوة العسكرية، في محافظة إدلب السورية، إذا لم يستقر الوضع هناك؟
لم يعد أحدٌ يعرف هل الهدف هو حماية التفاهمات التركية الروسية أم نقاط المراقبة التركية أم فرض “اتفاق سوتشي” جديد، يأخذ بعين الاعتبارات تحولات المشهد القائم؟ لماذا أعطت أنقرة النظام مهلة نهاية فبراير/ شباط الحالي، كي يتراجع النظام عن محاصرته أبراج المراقبة التركية؟ هل تدعم واشنطن أنقرة في مطلب إنشاء منطقة حظر طيران في إدلب وجوارها، لقطع الطريق على هجمات روسيا والنظام، وضمانة أمن المنطقة الآمنة التركية أم أن التفاهم التركي الروسي سيحدث، شئنا أم أبينا، من دون الحاجة إلى تدخل ودور أميركي في ما يجري؟
تحرّك قوات النظام السوري بتنسيق ودعم روسيا والمليشيات الإيرانية لإشعال جبهات إدلب، وخرق التفاهمات التركية الروسية الإيرانية هناك، قلب الحسابات والمعادلات رأسا على عقب. مئات آلاف من المدنيين السوريين المتنقلين من مكان إلى آخر، بحثا عن الأمان والدفء، هم أول ضحايا ما يجري. وكان التشخيص الأول لوزير الخارجية التركي، مولود جاووش أوغلو، أن “روسيا باتت تفتقد السيطرة على النظام”. في المقابل، هناك من يرى عربيا وغربيا أنها معركة مؤجلة، حان وقتها، وأن الطرفين، الروسي والتركي، على علم بكل التفاصيل، وسيتدخلان لاحتواء المشهد، ما إن تحقق المرحلة الأولى من العمليات أهدافها: تقدم النظام نحو الطريقين الدوليين أم 4 وأم 5 في إدلب، وتضييق الخناق على خيارات موضوع مجموعات جبهة النصرة في المدينة، خدمة يقدّمها لأطراف “أستانة” التي عجزت عن القيام بالمهمة .
تقول الأرقام إن الرئيسين، التركي رجب طيب أردوغان، والروسي فلاديمير بوتين، التقيا 17 مرة بين عام 2016 ومطلع العام 2020، بحثا ملفات ثنائية وإقليمية كثيرة، انتهت إلى تفاهمات ووعود ترجمت عمليا، بينها الابتعاد التركي عن أميركا والتنسيق المشترك في ليبيا وشرق المتوسط وخطوط الطاقة الاستراتيجية. وفي الملف السوري، أعلنت موسكو أنها تأخذ الهواجس والتحفظات التركية بالاعتبار، لكنها تقول إن المصالح الروسية وضرورات حماية موسكو النظام في دمشق بين الأولويات أيضا.
معركة إدلب ومسارها ونتائجها ستتحول، شئنا أم أبينا، إلى اختبار حقيقي لمسار العلاقات التركية الروسية، وعلاقات تركيا بقوى المعارضة السورية، وموقف كل طرف من الآخر. ولكن أغلب المؤشّرات تذهب في منحى وقوع المواجهة العسكرية المباشرة بين القوات التركية وقوات النظام السوري المدعوم روسياً وإيرانياً، خصوصاً أن الرئيس التركي دعا الفصائل إلى الاستعداد للمعركة الكبرى. وقد لا تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل أربعة أعوام، لكن العلاقات التركية الروسية التي بنيت بصعوبة في الأعوام الأخيرة أمام احتمال التفكك والتراجع السريع. وهذا ما تريده موسكو، بعدما أخذت الكثير مما تريده من التفاهمات السياسية والعسكرية مع أنقرة في الملف السوري.
كيف أقنع الأتراك قوى المعارضة السورية بقدرتهم على الجمع بين التفاهم مع روسيا وإيران الوثوق بموسكو، على الرغم من تمسّكها بالرهان على النظام وإبقائه في السلطة؟ هل من المعقول أن تنتهي التفاهمات التركية الروسية عند نقطة “لم تبلغونا بأماكن وجود الجنود الأتراك، لذلك استهدفوا”، ثم نعود لنجلس ونتحاور مع موسكو، بناء على المشهد الميداني والسياسي الجديد؟ المؤسف أكثر أن أقلاما تركية محسوبة على حزب العدالة والتنمية تقول إن هدف روسيا والنظام هو السيطرة على كامل منطقة إدلب، والقضاء على ما تبقى من المعارضة والثوار، ويتناسون أن الفصائل والمعارضة منحت تركيا شيكا على بياض، لتناور وتتحرّك نيابة عنها؟ وقال محللون روس إن كل ما يجري هو في إطار تفاهمات تركية روسية مسبقة. من نصدّق إذا؟
المعادلة، في غاية البساطة، تمكّن قوات النظام السوري من السيطرة على أراض جديدة في مناطق خفض التوتر في إدلب يعني فشل تركيا والفصائل في حماية مناطق سيطرتهم ونفوذهم هناك. كل هذا يجري وقيادات قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وعواصم عربية وأوروبية عديدة تتابع ما يجري بشغف وإثارة.
دخول حوالي خمسة آلاف جندي تركي إلى شمال غرب سورية، بينهم وحدات من القوات الخاصة، ووصول أكثر من 1240 شاحنة وآلية عسكرية تركية إلى الأراضي السورية، مصحوبة برادارات متنقلة وأجهزة تشويش، يعني أن أنقرة تستعد لعملية تمدّد وانتشار عسكري جديد، بهدف قطع الطريق على تقدّم قوات النظام، وتشكيل منطقة آمنة لحماية المدنيين، وإبقائهم في هذه المنطقة، تمهيدا للتعامل مع الإنذار الموجّه إلى دمشق، بسحب قواتها من المناطق المجاورة لأبراج المراقبة التركية قبل نهاية شهر فبراير/ شباط الحالي. التفسير الآخر في الإعلام العربي أن ما يجري لن يقدّم ويؤخر، فالخطة الروسية الجديدة تتقدّم على الأرض، وسط تفهم تركي لإنهاء عقدة جبهة النصرة، وفتح الطرق الدولية، وبالتالي الطريق أمام تسويات سياسية جديدة في ملف الأزمة السورية.
وسيساعد الخيار الذي ستتبناه أنقرة على معرفة أي سيناريو سيعتمد، لكننا لم نعرف سبب إعطاء مهلة الأسابيع للنظام، كي يبتعد عن نقاط المراقبة التركية. وتعرف القيادة التركية جيدا أن موسكو لن تسمح له بالتراجع أو الانسحاب في معركةٍ سيطر في أثنائها على مساحات جديدة، كانت تحت إشراف أنقرة والفصائل؟ من حق قوى المعارضة السورية أن تعرف ما يجري، لتساهم على ضوئه في صناعة ما سيجري. إما أن ترد أنقرة على كل هذا التشابك والتحول العسكري الميداني، وتعلن رفضها ما يجري، وانسحابها من الاتفاقيات المعقودة. وإما أن تعلن قبولها عقد اتفاقيات جديدة على ضوء التحولات والمتغيرات القائمة، وتبلغ الفصائل السورية التي تدعمها أن الخيارات باتت صعبة، وأن إرسال القوات والعتاد التركي إلى إدلب يهدف إلى حماية القوات التركية، وإقامة منطقة آمنة جديدة، لتوفير الحماية لمئات آلاف النازحين الذين يقفون أمام المناطق الحدودية، أكثر مما يهدف إلى إعادة النظام إلى المواقع التي انطلق منها قبل أسابيع.
والحقيقة هي أن امتحان إدلب يشكل اختبارا صعبا للجانبين، الروسي والتركي. العلاقات الشخصية مهمة في حماية مصالح الدول، لكن التعويل عليها وحدها لن يكن كافيا لتحديد حسابات المصالح ومتطلبات الظروف والعوامل المؤثرة وضروراتهما. المشكلة الأهم في سياسة تركيا السورية كانت منذ اندلاع الثورة قبل تسع سنوات في تزرير القميص الذي بدأ بشكل خاطئ، وكرت السبحة على هذا النحو مع بقية العروات، لنصل إلى هذه النتيجة. وبذلك تصير سياسة تركية جديدة في سورية لا مفر منها إذا ما أرادت أنقرة إنقاذ ما تبقى.
هل ستكتفي أنقرة بدعوة موسكو إلى إنهاء الهجوم الذي بدأته قوات النظام في شمال محافظة إدلب قبل أسابيع؟ يقول وزير الخارجية التركي إنه تنبغي مواصلة العمل مع روسيا إذا أردنا حلّ المشكلات هناك. ولكن أنقرة تعرف أن روسيا لن تتراجع عن سياستها السورية، وشرط إمساكها بجميع خيوط اللعبة في سورية على حساب جميع الأطراف المحلية والإقليمية بمن فيهم تركيا. .. الطرفة التي يرددها بعضهم في تركيا اليوم هي حكاية الرجل الذي لا يعرف السباحة، وخرج من المياه غاضبا، يشتم ويتوعد من دفعه وسط هتافات الحشود وتصفيقهم له، كونه الأجرأ الذي قفز وسط الأمواج لإنقاذ حياة الشابة التي قرّرت الانتحار.

المصدر العربي الجديد


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا