الربط بين سوريا وأوكرانيا سياسياً

عندما تقوم بالبحث على محرك البحث غوغل عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فسوف تجد كمّاً هائلا من التحليلات يقارن بينه وبين ستالين، ويتوقع أن بوتين لن يكتفي بأوكرانيا وإنما سيتجه غربا باتجاه بولندا وربما رومانيا، مستكملا مسيرته في أوروبا تماما كما فعل هتلر بالعبور إلى بولندا في أول دولة يقوم بغزوها في الطريق نحو السيطرة على كامل أوروبا.

التشابه بين هتلر وستالين وبوتين ليس بعيدا أو كبيرا، فكل الدكتاتوريين عبر العالم يتصفون بصفات شخصية شبيهة وخاصة إذا تولدت عندهم نوازع السيطرة على أكبر حجم ممكن من الأراضي، ولذلك فغزو أوكرانيا لم يكن مبررا لأي من المعايير العقلية أو القانونية سوى أن شخصا مريضا في الكرملين قرر أن يستخدم جيشه الجرار في احتلال بلد جار له واتهام قيادتها بأنهم “نازيون” أو “فاشيون” إلى غير ذلك من الأوصاف التي يكررها بوتين في إعلامه، ومن المستحيل على أحد تصديقها خاصة إذا عرفنا أن والد الرئيس الأوكراني الحالي زيلنسكي قاتل مع الجيش الروسي ضد النازية في الأربعينيات من القرن الماضي.

بوتين الذي له سوابق في التدخل عسكريا في جورجيا والسيطرة على بعض الأقاليم الأوكرانية وخاصة شبه جزيرة القرم، وفي التدخل في سوريا للسيطرة على مقدراتها بفضل الأسد الذي سلم روسيا كل الموارد والثروات السورية من أجل حمايته وحماية مقاره، لذلك يمكن القول إن هناك علاقة مباشرة بين ما يجري في أوكرانيا اليوم وبين ما يجري في سوريا، ووضع سوريا اليوم يعتمد على رد الفعل الغربي الأوروبي والأميركي على الغزو الروسي وعلى المقاومة الأوكرانية، فإذا كان ردا قويا وكانت هناك مقاومة للغزو فهذا سيضعف روسيا، واعتقد أن روسيا ضعيفة في أوكرانيا ما سيجعلها ضعيفة أيضا في سوريا ويجبرها على التخلي عن قواعدها العسكرية هناك ودعمها الاقتصادي والعسكري للأسد.

ربما لن يكون هناك ربط مباشر بنظر الغرب اليوم بين ما يجري في أوكرانيا وسوريا لكون التركيز السياسي الأكبر سيبقى فقط مركزا على أوكرانيا، كما أستبعد أن يكون هناك أي تغيير جوهري في الوقت الحالي ربما تركيز إعلامي فقط على جرائم روسيا في سوريا من أجل إحراجها أكثر، ويجب أن لا يكون هناك أية توقعات بأن تقوم الولايات المتحدة بتزويد المعارضة بأسلحة نوعية، فهذا الأمر ليس مطروحا أبدا الآن ولا اعتقد أن أميركا لديها رغبة في إعادة فتح ملف التسليح في سوريا حيث إنها تعتبر وقف تصعيد العنف هناك أفضل الحلول الممكنة بعد صعوبة الوصول إلى حل سياسي عبر تطبيق القرار ٢٢٥٤.

لكن بنفس الوقت هناك مسؤولية تقع على المعارضة السورية من أجل إعادة بناء استراتيجية جديدة من أجل بناء أولويات للملف السوري على الأجندة الدولية.

فالملف السوري أصبح معقداً ومتشعباً للغاية فاختلطت به قضايا معلقة كثيرة التعقيد أيضا كاللاجئين والتدخلات الإقليمية والإرهاب وغيرها، كل ذلك مما يدفع أي دولة بما فيها أميركا للتردد في اتخاذ أي موقف أو التصدي لحل هذه القضية لأنها ستتحمل كل تبعاتها، وبالتالي قرر الرئيس بايدن متابعة سياسة سلفه في عدم الانخراط في القضية السورية والتركيز فقط على تفصيل صغير يتعلق بضمان المساعدات الإنسانية، والقضاء على داعش ومن الجو حصراً والاعتماد على حلفاء محليين على الأرض من أجل تنفيذ هذه المهمة، وبالتالي انخراط أي رئيس أميركي جديد سياسياً كان مستحيلاً إلا إذا وجد دافعا شخصيا له للاهتمام ووضع سوريا في لب أولوياته.

صحيح أن الرئيس بايدن لديه خبرة في السياسة الخارجية أو الخيارات العسكرية لكنه يشعر أن تركيزه الأكبر يجب أن يكون على الوضع الداخلي الأميركي وخاصة ضمان تعافي الاقتصاد الأميركي بعد كورونا.

من كل ذلك، أتوقع أن إدارة الرئيس بايدن تعمل على تطوير استراتيجية سياسية وعسكرية بحق سوريا بعد ما جرى في أوكرانيا ربما تعتمد في بعض عناصرها على تطوير أولوية الدفع بالانتقال السياسي وإزاحة الأسد.

المشكلة الرئيسية في هذه الاستراتيجية ستكون المعارضة السورية السياسية منها والعسكرية، وإعادة تموقع القوى الإقليمية، فالمعارضة السورية السياسية في انهيار تام بفعل خلافات داخلية والأهم عدم قدرتها على التأثير في مجرى الأحداث في سوريا بفعل عنف النظام الأعمى مما ألغى أي معنى لمفاوضات أو عملية سياسية يمكن لها أن تسهم في بناء معارضة سياسية ذات تأثير وفعالية، أما المسلحة منها فقد انهار الجيش السوري الحر كقيادة مركزية في عام 2014 ولم تفلح أية جهود في إعادة توحيد الفصائل المختلفة تحت راية واحدة، ومع تعدد الفصائل وتفرقها واتخاذها مسميات عدة، لم تفلح في تكوين بديل عسكري ومع تلاحق سلسلة الانهيارات العسكرية وآخرها في حلب، أدركت الفصائل العسكرية أنها تعيش مرحلة من التراجع والانهيار مع تزايد دعم الميليشيات الإيرانية وحزب الله لنظام الأسد على الأرض، وهو للأسف ما لم يدفع هذه الفصائل إلى القيام بإعادة بناء التحالفات العسكرية وتركيز جهودها في استراتيجية عسكرية موحدة، الذي حصل هو العكس تماما حيث انهارت واختفت هذه الفصائل رويداً رويدأ.

أما على المستوى الإقليمي فكان تغير الأولويات عاملاً رئيسياً في انهيار المعارضة السورية المسلحة خاصة بالنسبة لتركيا والسعودية، فتركيا أصبح تركيزها على منع الكرد المتحالفين مع حزب العمال الكردستاني من كسب المزيد من الأراضي السورية، والسعودية مع سيطرة الحوثيين على اليمن أصبحت الحديقة الخلفية لها أولوية لا بد من تنظيفها، ولذلك يمكن القول إن نقطة الضعف الرئيسية في الاستراتيجية الأميركية ستكون المعارضة نفسها التي تركت لسنوات كي تحارب وحدها قوات نظام الأسد وحزب الله والميليشيات العراقية والإيرانية وقوات الحرس الثوري وفوق ذلك كله القوات الروسية التي تدخلت جويا مع نهاية عام 2015 وبريا مع نهاية عام 2016.

لذلك ولإنجاح أية استراتيجية أميركية في سوريا للتخلص من نظام الأسد يجب أن تعيد المعارضة السياسية والعسكرية إعادة تمركزها وتنظيم صفوفها وإلا أضاعت الفرصة الأخيرة لإنقاذ ما تبقى من سوريا.

المصدر تلفزيون سوريا


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا