اللقاء الأخير لثلاثي أستانا

بعد انقطاع دام عدة أشهر، عادت الأطراف الثلاثة الراعية لمسار أستانا والتقت من جديد يوم الأربعاء ، في الأول من تموز الجاري، ولكنه لقاء افتقد كثيرا من حرارته، كما افتقد إلى كثير من المحفّزات لدى الدول الراعية ذاتها، وذلك لسببين اثنين: أولهما يعود إلى التداعيات التي تركتها جائحة كورونا التي باغتت صنّاع السياسات في كل دولة، وحوّلت مسار الأولويات باتجاه التصدّي لهذا الوباء. وثانيهما وهو الأهم، يعود إلى الانعطافة الأميركية الجديدة نحو الملف السوري، وأعني تفعيل قانون قيصر منذ منتصف حزيران الفائت، والأثر الذي سيحدثه على مسارات التسوية السياسية في سوريا. 

وكما جرت العادة في مجمل لقاءات أستانا منذ مطلع العام 2017 ، من النادر أن تفصح البيانات الختامية عن فحوى اللقاءات، بل ربما تحوّلت تلك البيانات إلى كلام متشابه معتاد يُتلى على إثر أي لقاء، فالحديث عن وحدة البلاد السورية، وضرورة استمرار وقف إطلاق النار، والاستمرار في مكافحة الإرهاب، ووجوب ان يكون الحل سياسياً… إلخ، بات معزوفة نمطية لا تعكس حقيقة ما جرى ويجري، لذلك كلّه لم يجد اللقاء الافتراضي الذي جرى يوم الأربعاء الماضي بين رؤساء الدول الثلاث (روسيا – تركيا – إيران) الاهتمام الإعلامي اللازم، وكذلك لم يكن البيان الختامي الذي تلا اللقاء مختلفاً عمّا قبله من بيانات، وعلى الرغم من ذلك، فإن جميع المعطيات تشير إلى أن لقاء الأربعاء كان يخيّم عليه القلق، ويعتريه كثير من الهواجس والتخوّفات التي يتشارك بها الرؤساء الثلاثة، إذ جميعهم بات يدرك أن المسار الذي رسموه، والحروب التي خاضوها داخل سورية، ومجمل التصوّرات التي كانت تتوخّاها الأطراف الراعية الثلاثة على أنها ستكون مخرجات للحل السياسي في سوريا، باتت كلّها مجهولة المصير، إن لم نقل بأن الجميع بات مهدَّداً بالعودة إلى نقطة الصفر.

لعله من الصحيح أن كل طرف من رعاة أستانا استطاع أن يحصل على مبتغاه على الأرض السورية، إلّا أن مبتغى الجهات الثلاث ظل ناقصاً ولم يكتمل، إذ استطاع الروس تمكين نظام الأسد من السيطرة على مناطق خفض التصعيد (شمال حمص ودرعا والغوطة والقلمون)، واستطاعت إيران أن توطّد نفوذها في الريف الدمشقي والجنوب السوري، وفي قسم من كبير من البوكمال والميادين ودير الزور، كما أُتيح لتركيا ان تبسط سيطرتها على قسم من شمال وشرق سوريا، ولعلّ الأهم من ذلك، أن تقاسم النفوذ الحاصل فيما بين الجهات الثلاث كان مشروطاً ببقاء نظام الأسد في السلطة، ولكن من المهمّ جدّاً أن نقول أيضاً: إن البغيةَ الأساسية من مسعى الجميع ظلت غائبة ولم تتحقق كما أرادوا، وأعني بذلك الحل السياسي الذي سيحوّل هذه الحروب داخل سورية إلى استثمارات اقتصادية هائلة ومكاسب استراتيجية لعقود طويلة في المستقبل.

فمسار أستانا الذي انطلق منذ ثلاث سنوات لم يتمخّض سوى عن لجنة دستورية، يريد لها نظام الأسد أن تتحوّل إلى منبر للحديث (عن الأسس والمبادئ الوطنية)، ولا يُستبعد أن يكون النظام قد استعاد من أرشيف القيادة القطرية لحزب السلطة جميع خطابات زهير مشارقة( عضو القيادة القطرية السابق) عن الوحدة الوطنية والالتفاف حول قائد الوطن وفقاً لما تقتضيه مرحلة المواجهة مع الصهيونية، وفي ظل غياب أي ضغوطات روسية جدية على حليفها الأسد لإرغامه على التفاوض الفعلي، فإن الأسد بإمكانه الاستمرار بالمماطلة، ربما لسنوات أخرى، وما يريده بوتين من عودة اللاجئين وإعادة الإعمار، بات صعب المنال، بسبب الرفض الأوروبي والأميركي الذي يشترط أن تكون هذه العملية مسبوقة بحل سياسي وفقاً للمرجعيات الأممية. إلّا أن هذا الانسداد الذي وصل إليه مسار أستانا لا يقلق كثيراً الدول الراعية، طالما أن النار المشتعلة هي في الأرض السورية وليست في مكان آخر، بقدر ما بات يقلقها ظهور قانون قيصر الذي باغت الجميع، مؤكِّداً لهم أن استثمار الحرب في سوريا، وتحويلها إلى مُنجز اقتصادي واستراتيجي لن يتحقق لأحد بعيداً عن أولويات المصالح الأميركية.

لعله من الصحيح أن القضية السورية لم تكن أولوية أميركية، لا في عهد أوباما ولا لدى إدارة ترامب الحالية، ولكن ربما هذا لا يمنع أن تُستثمر تضحيات السوريين ودماؤهم لتتحوّل إلى عصا أميركية – عبر قانون قيصر – لضرب إيران، والسوريون ربما راضون أكثر من غيرهم على تلك العصا، آملين ان تكون استطالاتها تمتدّ إلى نظام الأسد، جذر المأساة السورية، علماً أن هذا الرضا الموازي لنبرة واشنطن الشديدة تجاه الأسد يبقى محفوفاً بالشك والريبة حيال جدّية الإدارة الأميركية في استهداف كلٍّ من إيران ونظام الأسد معاً، في ظل غياب استراتيجية واضحة الملامح لإدارة ترامب حيال الحالة السورية، وكذلك في ظل التصريحات الأميركية المتناقضة حول موقفها الجذري من بقاء أو زوال نظام الأسد.

ما هو راجح أن لقاء أستانا الأخير لم يحفل كثيراً بما ينبغي للأطراف الثلاثة أن تفعله في سوريا، بقدر ما كان يخيّم عليه من تساؤلات مربكة بين الشركاء، ولعلّ أبرز تلك التساؤلات: هل ستكون تداعيات قانون قيصر هي المدخل إلى حل سياسي في سوريا بدلاً من أستانا؟ بل ثمّة ما هو أكثر حرجاً، وهو أن عقوبات قانون قيصر لا تستهدف نظام الأسد فحسب، بل حلفاءه الروس والإيرانيين أيضاً، وبالتالي هل ستقلب العقوبات الأميركية طاولة أستانا ناثرةً أوراقها في الهباء؟ وهل التصريح الذي أطلقه وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو موازاة مع انعقاد لقاء أستانا، بإشارته إلى تكرار الطلب من روسيا بالخروج من سوريا، هو أحد إرهاصات الضغوط الأميركية على الروس؟ وكذلك هو إرهاص لموقف أميركي أكثر وضوحاً من أستانا؟.

المصدر تلفزيون سوريا


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا