رجُلٌ مهمٌ في دمشق

مقيم جديد في دمشق، لم يثرْ وصوله ضجة واهتماماً إعلاميين، وحتى وكالة أنباء الأسد “سانا” أوردت خبر استقباله في وزارة الخارجية باقتضاب شديد. هو “تركي محمود البوسعيدي”، السفير المفوّض وفوق العادة لسلطنة عُمان لدى سلطة بشار، وهو أول سفير يصل من دول مجلس التعاون الخليجي، بعد أن اقتصر افتتاح السفارة الإماراتية في نهاية عام 2018 على تعيين قائم بالأعمال.

يُذكر أن افتتاح السفارة الإماراتية آنذاك نال منذ لحظة إعلانه اهتماماً واسعاً، جزء منه يعود إلى الأسبقية الإماراتية في الانفتاح العلني على بشار الأسد، والباقي “ربما الأهم” يعود إلى رغبة طرفي الخبر في إبرازه على نحو يُعلي من أهميته. لم يقلل من أهمية الخبر الإماراتي ما كان شائعاً عن علاقات دافئة تربط بين الأسرتين الحاكمتين، أو الأقاويل المنتشرة عما يتخطى مباركة إماراتية للتدخل العسكري الروسي في سوريا، أي أن المؤشرات التي تجعل من افتتاح السفارة استئنافاً عادياً للسياق لم تخفف من بريق الحدث وضوضائه.

حاجة الأسد إلى تسجيل اختراق دبلوماسي لم تتغير خلال ما يقارب السنتين، الاختلاف هو في طبيعة الطرف الآخر، ففي حين من المعتاد للماكينة الإماراتية العمل تحت الأضواء فإن الدبلوماسية العمانية تتحاشى الأضواء والإثارة عموماً. هكذا يصبح افتتاح سفارة مع قائم بالأعمال حدثاً فوق العادة، بينما وصول سفير مفوض وفوق العادة يُسوّق كخبر عادي. ولقلة ما هو متداول عن سلطنة عُمان، لا نعرف ما إذا كان اسم عائلة السفير يزيده ثقلاً، فكنية البوسعيدي تجمعه بوزير خارجيته، وهي فرع من الأسرة الحاكمة. نزعم أن السفير الجديد هو أهم الواصلين علناً إلى دمشق، من خارج دائرة مسؤولي “حلفاء” الأسد وزياراتهم التفقدية.

مما توصف به السياسة العمانية “دبلوماسية الكتمان”، والمثل الأشهر لها دور مسقط في فتح قناة تفاوض سرية بين إدارة أوباما وطهران لإنجاز الاتفاق النووي. بعد توقيع الاتفاق، سيكشف جون كيري “وزير الخارجية الأمريكي حينها” عن أنه اتفق مع مسقط على فتح قناة التفاوض منذ عام 2011، عندما زارها وهو في منصب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ. مع الانكشاف المتأخر للوساطة سيشرح وزير الخارجية العماني “السابق” توجه بلاده في مقابلة مع CNN: نحن لسنا منحازين لأي طرف، بل نحاول أن ننقل لكل منهما ما نعتقد أنه جيد لهما معاً. أما تراجعُ إدارة ترامب عن الاتفاق النووي فلم يشطب الدور العماني، إذ سرعان ما تولت مسقط الوساطة بين الجانبين لاحتواء آثار الخطوة الأمريكية على حرية الملاحة في الخليج وفي مضيق هرمز، ورغم نفي مسقط قيامها بوساطة بين الجانبين إلا أن وزير خارجيتها زار طهران مرتين إثر اغتيال قاسم سليماني.

بعد أربعة أيام من الإعلان عن اتفاق إماراتي-إسرائيلي، ووسط تكهنات عن الدول التي “بشّر” ترامب بانضمامها إلى قافلة التطبيع، أعلنت وزارة الخارجية العمانية عن تلقي إتصال هاتفي من وزير الخارجية الإسرائيلي غابي أشكينازي، وعن تلقي اتصال مماثل من جبريل الرجوب أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح. الإعلان العماني لم يحمل ما يؤكد ترشيح السلطنة لتكون في عداد الدول المنضمة إلى القافلة، ولم يرشح منه العكس. مرة أخرى، أُريد لخبر الاتصال الإسرائيلي أن يكون عادياً جداً، وبما يُخرج مسألة التطبيع من إطار البهرجة. جدير بالذكر أن عمان كانت الدولة العربية الوحيدة التي لم تقطع علاقتها مع مصر بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، ولم تتأثر علاقاتها العربية بموقفها المتفرد في توقيت لا تنقصه المزايدات في القضية الفلسطينية.

في واحد من أبرز الافتراقات عن محيطها القريب، لم تنخرط مسقط في الانقسام الخليجي، وقبل ذلك نأت عن التحالف الخليجي في اليمن، بل احتفظت بعلاقة مع الحوثيين، وحاولت لعب دور الوسيط في الصراع اليمني، أما في الانقسام الخليجي فمن المحتمل جداً أن تكون داعمة للوساطة الكويتية من دون الظهور في الواجهة. أقله على صعيد المعلن، لم تتأذَّ علاقة مسقط بمحيطها الخليجي على نحو واضح أو حاد جراء سياساتها. على سبيل المثال، الغضب السعودي من الاتفاق النووي الإيراني لم ينصب جزء منه على مسقط التي لعبت دوراً في إبرامه، والأخيرة لم تتفاخر بدورها في اتفاق وصفته إدارة أوباما بالتاريخي. وفي أوج تسعير الخلاف الخليجي تحاشت الرياض والإمارات التصعيد مع مسقط التي تحتفظ بعلاقات جيدة مع طهران والحوثيين وفتحت ميناء صحار والمجال الجوي أمام الدوحة، بينما تجنبت في المقابل تصعيد الموقف مع الإمارات بسبب سعي الإمارات لإحكام السيطرة على جزيرة “سقطرى” اليمنية التي كان من المفترض أن تشهد استثمارات سياحية عُمانية ضخمة.

وُصفتْ أحياناً عمان بالنعجة السوداء لكثرة تفرد مواقفها السياسية، إلا أنها “وهذه حالة استثنائية حقاً” لم تنل غضب وعداء من يُفترض بهم مخاصمتها، وحتى على صعيد جمهور المنطقة تكاد تكون السلطنة نقطة سوداء مجهولة، بينما لا تنجو دول خليجية أخرى من التصويب على مواقفها من مختلف القضايا. هذه ليست فقط نعمة “الحياد” في منطقة تعصف بها مختلف أنواع الصراعات الداخلية والدولية والإقليمية، فالدبلوماسية العمانية منخرطة في ما تصوره كدور للإطفائي في الأوقات الحرجة، وكدور أبعد تأثيراً في قنوات التفاوض السرية التي يبدو أنها تلقى رضا العديد من القوى المؤثرة، ومن دونه لا تستطيع التحرك بل من المرجح أن تكون عرضة لمختلف أنواع الضغط.

في تعيين سفير مفوض وفوق العادة في دمشق، تأتي البادرة العمانية متزامنة مع التصريحات الأمريكية التي تشدد على الاستمرار في معاقبة سلطة بشار، والقوائم التي تتالت بموجب قانون قيصر تأكيد ولو رمزي أحياناً على تلك النوايا. كانت واشنطن، بحسب ما أشيع قد لجمت الاندفاعة الإماراتية تجاه بشار، وكبحت نوايا خليجية لإعادته إلى الجامعة العربية. هذه المعطيات، عطفاً على الأدوار السابقة لمسقط ومنها ما أشيع عن رعايتها مفاوضات سرية بين وفد لبشار وآخر أمريكي عام 2015، تجعل من سفيرها أهم شخصية تصل إلى دمشق مؤخراً، وهو حدث ينبغي الانتباه إليه من دون مبالغة شديدة أو نفاد صبر. ربما يكون وصول السفير مؤشراً على مرحلة جديدة، وربما أيضاً يكون مؤشراً على انقضاء زمن الإعداد لها، فالكتمان التقليدي العماني ما كان ليزيح الستار عن السفير ورتبته الاستثنائية على سبيل الاستعراض.

المصدر المدن


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا