غياب الدور السوري عن السياقات السياسية للعملية العسكرية التركية

بينما يستمر الصخب الإعلامي حول العملية العسكرية التركية المرتقبة في شمال شرقي سوريا، بين مُرجّحٍ لحدوث العملية إن عاجلاً أو آجلاً، وبين مُستبعِدٍ لحدوثها بسبب غياب التفاهمات الدولية بين كل من تركيا وروسيا من جهة، وتركيا الولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى، فإنه في موازاة تلك التكهّنات ثمة حراك ميداني ودبلوماسي لا يقل زخماً عن الجلجلة التي تسبق الحروب، ولعل مبعث هذا الحراك وتداخله إنما يعود إلى تنوع القوى صاحبة النفوذ، فإذا كانت الأنظار التركية تتوجه نحو بلدات ثلاث، فإن كل بلدة تحتاج إلى تفاهمات قد تختلف إحداها عن الأخرى. وذلك بحكم هوية الطرف الدولي المسيطر على هذه المنطقة أو تلك.

لقد سارعت روسيا خلال الأيام القليلة الماضية إلى إرسال تعزيزات عسكرية تجاه بلدة تل رفعت، حيث تموضعت تلك القوات الجديدة قبالة النقاط التركية، في إشارة واضحة إلى رفض الروس لأي عملية عسكرية برية تقوم بها أنقرة لطرد قوات قسد من ست بلدات رئيسية وعدد من القرى حولها، ربما كان صحيحاً أن روسيا ما بعد غزوها لأوكرانيا باتت أكثر حاجة لتركيا، ولكن هذه الحاجة لا تعني تخلي بوتين عن نهجه الذي بات السمة الأبرز في مجمل تفاهماته مع تركيا، ونعني بذلك مبدأ المقايضة الذي وسم الشراكة التركية الروسية على امتداد سبع سنوات خلت. لقد حمل الروس مقترحاً تركياً يقضي بانسحاب قسد من منبج وتل رفعت وعين العرب، مقابل انكفاء أنقرة عن العملية البرية، ولعل حماس روسيا لهذا المقترح إنما يكمن في اعتقادها بأنها هي من سيجني ثمرة انسحاب قسد، استناداً إلى عدم ممانعة تركيا بحلول قوات الأسد في المناطق والبلدات التي تنسحب منها قوات سوريا الديمقراطية، إلّا أن رفض قسد لهذا المقترح جعل موسكو تعود إلى موقع الممانعة للعملية التركية، بانتظار ما يمكن أن تقدمه تركيا لها في موقع أو مواقع أخرى، ولعل كل ما يمكن أن تفعله روسيا في الوقت الحاضر هو تموضعها وتعزيز نقاطها العسكرية في تل رفعت، موازاة مع حرصها أن تكون طرفاً أساسياً في أي بازار سياسي قائم.

أما في جانب واشنطن، وهي من تمسك مقاليد الأمور في تحديد مصير مدينة منبج، فقد بات موقفها أكثر وضوحاً من ذي قبل مع تصريحات وزير الدفاع الأميركي في الثلاثين من نوفمبر الفائت التي تضمنت رفضاً قاطعاً لأي عملية برية تشنها أنقرة على قوات قسد، إلّا أن الرفض الأميركي جاء متزامناً مع زيارة المبعوث الأميركي السابق إلى سوريا جيمس جيفري إلى أنقرة ولقائه بوزير الدفاع التركي خلوصي أكار يوم الخميس في الأول من شهر كانون أول الجاري، وعلى الرغم من عدم صدور أي إيضاحات عما دار في لقاء أكار وجيفري إلا أنه يمكن الذهاب إلى أن مجرّد اختيار واشنطن لجيمس جيفري – وهو صاحب إرث وخبرة بالتعامل مع الجانب التركي – يحمل أكثر من إيحاء بأن رفض واشنطن للعملية العسكرية التركية لا يترافق مع تجاهل أميركي لمطالب الحكومة التركية، وفيما ينتظر الجميع فحوى ما يحمله المبعوث الأميركي إلى أنقرة، فلا تتردّد بعض الجهات في الحديث عن فكرة إحياء اتفاق الرابع من حزيران عام 2018، بين أنقرة وواشنطن بخصوص مدينة منبج، ذلك أن السيد جيفري كان – آنذاك – من مهندسي خارطة طريق الرابع من حزيران، والتي أدّى عدم تنفيذها إلى توتر واضح في العلاقات التركية الأميركية بسبب تنصل واشنطن من تلك الاتفاقية.

ربما بات أكثر السوريين لا يحتاج إلى مزيد من التفكير لمعرفة دوافع وأهداف صراع الدول صاحبة النفوذ على الجغرافية السورية، ولكن ما هو موضع ريبة كبيرة، يتجسد في مسألتين: تتبدّى الأولى في استمرار غياب موقف المعارضات السورية – والرسمية منها على وجه الخصوص – مما يجري، وكأن ما يحدث على الأرض السورية لا يعني أحداً من هؤلاء، أليس من المريب جداً أن تتفاوض دول خارجية على مصير مدن وبلدات سورية ولا يُسمع أي صوت أو موقف للائتلاف مثلاً أو هيئة التفاوض أو أو؟ ماذا لو اتفق الجانبان التركي والروسي على إبعاد قسد من تل رفعت ومنبج، ثم اجتاح النظام تلك المدينتين دون أي ممانعة من الجانب التركي؟ وما هو موقف الائتلاف – حينذاك – من التداعيات الكارثية التي سيواجهها سكان تلك المدينتين من جراء نزوح جديد وحملات تنكيل سيقوم بها نظام الأسد؟ علما أن مدينة منبج وحدها باتت تُؤوي عشرات الآلاف من النازحين إليها من كل المدن السورية ومعظمهم هربوا من بطش الأسد وقواته، وإذا ما أتيح للنظام اجتياحها أو استلامها فسوف يضطر معظم سكانها للنزوح، لكن إلى أين؟ إلى شرقي سوريا أم إلى خيام أخرى ينصبونها في محاذاة الحدود السورية التركية؟ لماذا يكون نظام الأسد حاضراً في صياغة مصير تلك المدن وسواها وتغيب المعارضات الرسمية غياباً مطلقاً إلى درجة أنها لم تصدر بياناً – على الأقل – حتى الآن توضح فيه موقفها من أية مبادرة تتداولها أطراف الصراع بخصوص ما يجري؟ لعل ما لا يدركه الائتلاف ومشتقاته هو مبلغ الخوف والقلق الشديد لدى مئات الآلاف من المواطنين السوريين الذين كلّما سمعوا باحتمال قدوم قوات النظام يبتلعون غصّاتٍ لا يُعرف حدٌّ لأوجاعها.

أما المسألة الثانية فتكمن في موقف تلك المعارضات ذاتها فيما إذا أفضى التقارب التركي مع الأسد إلى مستويات متقدمة، وأتاحت تركيا للأسد – كبادرة حسن نية وكتحفيز للنظام لاتخاذ موقف أكثر صرامة حيال قسد – أن يبسط سيطرته على مناطق جديدة، هل تنتظر المعارضات الرسمية أن يخرج السكان ليتظاهروا ويعبروا عن موقفهم، ويواجهوا مصيرهم وكفى الله المؤمنين شرّ القتال؟ أم أنها ستنظر إلى هذا المسعى باعتباره استمراراً لتفاهمات أستانا وقد دخلت في طور جديد يدعى: خطوة مقابل خطوة.

المصدر تلفزيون.سوريا


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا