“قسد” بين روسيا وأميركا والحوار الكردي – الكردي

تعيش “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) حالياً ضغطاً مزدوجاً، طرفه الأول رغبة أميركا بتفعيل الحوار الكردي – الكردي، وتنفيذ شروطها بالإبقاء على الهويّات السورية وحدها في المنطقة، وإشارات الاستفهام بشأن الموقف الأميركي من الهجمات التركية أخيراً، واستهدافها قيادات عسكرية لـ”قسد” بالقرب من قاعدة أميركية، غربي القامشلي، ومع ضعف احتمال تكرار مشهد الانسحاب الأميركي من أفغانستان، حالياً في شمال شرقي سورية، بسبب الوجودين الروسي والإيراني والطريقين الدوليين M5 M4، إلّا أن خطر نفاد الصبر الأميركي حيال الحوار الكردي الداخلي يضغط على طرفي الحوار. وقد شكل ذلك فرصة لروسيا، لتشكّل بدورها الطرف الثاني للضغط، محمَّلة بمغازلة صريحة، عبر أربعة أحداث متتالية، أولها: هجوم صاروخي على قاعدة عسكرية تركية قرب جرابلس في ريف حلب، مصدره محيط مناطق منبج، الخاضعة للنفوذ الروسي، وإنْ لم تكن ثمّة مؤشّرات على ضلوع روسي بالقصف، لكنها غضّت الطرف عن المصدر. وثانيها: غارات للطيران الروسي على مخيمٍ للنازحين في منطقة معرّة مصرين، شمال إدلب، على الحدود التركية – السورية. وثالثها: غارات جوية روسية على مناطق سيطرة “الجيش الوطني السوري” في عفرين، شمالي حلب، مستهدفةً معسكراً لفصيل فيلق الشام، المقرّب من تركيا، وهو ما اعتبر مؤشّراً واضحاً لموقف موسكو بالرد “المحدود جداً” على تركيا، نتيجة تصعيد الأخيرة ضد “قسد”، وخلفية الموضوع هو توجّه روسي لاستغلال التحرّكات الأميركية التي تفضّل مراعاة المخاوف الأمنية التركية على حساب “قسد”، وجنت روسيا ثماره حالياً، وفقاً لتقارير صحافية، عبر موافقة “قسد” للقوات الروسية بإنشاء قاعدة عسكرية جديدة في قرية كري شامو في ريف تربسبي (القحطانية) في محافظة الحسكة، على الرغم من أنها مناطق نفوذ أميركي عملياً وفعلياً، بعد أن سبق لـ”قوات سوريا الديمقراطية” منع روسيا مراراً من إنشاء تلك القواعد، بل إنها كانت تمنعها من التمدّد في مناطق النفوذ الأميركي، ومنعت القوات الروسية أكثر من مرة من الوصول إلى معبر سيمالكا الحدودي مع كردستان العراق، إرضاءً للجانب الأميركي.

وقد شهدت علاقات روسيا بـ”قسد” شدّاً وجذباً، نتيجة عدم التزام روسيا بنقاط المراقبة في بلدتي عين عيسى وتل تمر، وعدم منع روسيا لتركيا من شنّ هجماتها عبر الطائرات المسيّرة التي تكرّرت مراراً، وبات واضحاً أن روسيا تضغط على “قسد” لسببين مركبين: تأهيل الوضع لاتفاق مع الحكومة السورية، لتصل بالنتيجة إلى تجاوز وضعية اكتفاء عناصر الجيش السوري على طول الحدود السورية مع تركيا بنقاط المراقبة، وصولاً إلى تسليم نقاط التماس والتوتر مع تركيا كاملاً إلى الجيش السوري، وانسحاب “قسد” إلى جنوب الطريق الدولي “M4”. وسبق أن رفضت “قسد” المطلب جملة وتفصيلاً. وما لا يمكن تجاوزه يتوج عبر حماية موسكو للأحياء ومناطق سيطرة “قسد” في شمال حلب، وهي في أمان لطالما بقيت روسيا هناك. وهو ما تجلّى في رابع الأحداث في استقبال الخارجية الروسية القيادي في “مجلس سوريا الديمقراطية” إلهام أحمد، ومناقشة كيفية وجود “مسد” ضمن مسارات الحل السياسي لسورية، والحديث الصريح عن ضرورة تفعيل الحوار مع دمشق، والتوصل إلى تسوية ترضي الطرفين، مع مراعاة خصوصية التعدّدية الإثنية والثقافية في مختلف المناطق السورية، وتأكيد بيان وزارة الخارجية الروسية على دعم روسيا تنفيذ قرار مجلس الأمن 2254، وبأسرع ما يمكن، خصوصاً وأن أبرز بنود القرار الدولي هو عملية الانتقال السياسي وصياغة دستور جديد، وإجراء انتخابات حرّة ونزيهة بإشراف دولي، ما يعني أن روسيا تسعى إلى تضخيم ورقة دمشق في الإحياء القادم لمسار عمل اللجنة الدستورية، مقابل المساعي الأميركية لتوحيد البيت الكردي، وتناغم كامل الشمال الشرقي مع المعارضة السورية، ومع الحديث الدائر حالياً عن زيارة وفد إلى واشنطن، وتتضارب الأنباء حول عضويته ما بين “شخصية لكلّ من المجلس الكردي مسد، وآشوري من جبهة السلام، والإدارة الذاتية، وشخصيتين عربيتين من الرقّة ودير الزور” أو اختصار عضوية الوفد على ممثلين عن “مسد” فحسب، وهو ما يضع الأخير في ضرورة اختيار ضفة واحدة فقط؛ فتوازنات اللحظة الحرجة لن تفيد نفعاً لـ”قوات سوريا الديمقراطية” ولا يُمكن لأي طرف اللعب على الحبلين معاً، ولا أوراق مساومة أو ضغط بيد “مسد” لتجيد لعبة تدوير الزوايا، من قبيل طروحاتها الأخيرة في مبادرة مركّبة تهدف إلى الحوار والتواصل مع المعارضة السورية وتركيا، وأنها ستّتجه صوب دمشق لفتح باب الحوار، رُبما بحثاً عن نفاذٍ، ولو عبر نفقٍ مظلم، لن ينفع في هرولة روسيا وأميركا معاً لإرضاء “مسد” على حسابهما.

وإضافة إلى تعقيد المشهدين، السياسي واختيار الحليف النهائي المستقبلي للمنطقة، وفقاً لصراعات مسارات الحل السياسي في سورية، فإن المشهد العام الإداري والمعيشي واليومي، في شمال شرق سورية عامة، والمنطقة الكردية خصوصاً، مُنهار ومفكّك، ويعيش أسوأ أيامه، حيث الفساد، والفقر، والخوف، والقلق من تدخل تركي جديد، ومخاوف من فشّل نهائي للحوار – الكردي الداخلي، وهو ما سينعكس سلباً على الأرض، ولم يعد أمام كرد سورية سوى الالتفات إلى نوع من العلاقات السياسية والحوكمية والعسكرية التي تلمّ شملهم في إطار واحد، وهي كفيلة بوضع “مسد” في هيئة التفاوض واللجنة الدستورية، عوضاً عن النداءات التي لن تجد من يستمع إليها. إلى درجة أن قناعةً تسود لدى القواعد الاجتماعية في المنطقة، تقوم على عدم اكتراث النخب السياسية بأوجاع الأهالي. وإذا كان نجاح الحوار الكردي – الكردي، وإعادة هيكلة الإدارة الذاتية، وتغيير سحنتها الحزبية، وضم باقي المكوّنات التي بقيت خارج الإدارة الذاتية، هو الاحتمال الأكثر رواجاً لكبح جماح تركيا، وهو احتمالٌ مأساوي نتيجة التعنت والاستعصاء السياسي الموجود في الحوار الداخلي لكرد سورية، فإن فشله أيضاً مفتوح على مآسٍ وفوضى عارمة ومزيد من الانقسامات والارتدادات ومزيد من الهجرة الكبيرة.

المصدر العربي الجديد


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا