متى يُحاسب نظام الأسد على جرائمه؟

يكتسي المقال أو البيان، الذي وقعه وزراء خارجية 18 دولة أوروبية، أهميته الخاصة من كونه يحمل التزاماً أوروبياً واضحاً بمحاسبة مجرمي الحرب في سوريا، وتحميله نظام الأسد المسؤولية الأساسية عن الجرائم التي تُرتكب فيها، في وقت يستعد فيه النظام من أجل الشروع بمهزلة انتخاباته الرئاسية منتصف العام الجاري، إضافة إلى تحمليه المسؤولية أيضاً إلى الدول والقوى الداعمة للنظام، بما يشكل موقفاً سياسياً حازماً حيال مرتكبي الانتهاكات والجرائم، إذ إنَّ الدول التي ينتمي إليها الموقعون على البيان لن تبقى صامتة “في وجه الفظائع التي حدثت في سوريا، والتي يتحمل النظام وداعموه الخارجيون مسؤوليتها الأساسية. وقد ترقى العديد منها، بما في ذلك الجرائم التي ارتكبها داعش والجماعات المسلحة الأخرى، إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وتقع على عاتق الجميع مسؤولية محاربة الإفلات من العقاب والمطالبة بالمساءلة عن الجرائم المرتكبة في سوريا بصرف النظر عن الجناة”.

ويُذكّر البيان بنزول ملايين السوريين إلى شوارع درعا وحلب ودمشق، قبل عشر سنوات، “مطالبين بالديمقراطية واحترام حقوقهم وحرياتهم الأساسية”، وبالرد الوحشي للنظام، وبجرائمه وانتهاكاته، متوعداً مرتكبي الجرائم في سوريا بعدم إفلات من العقاب الذي ينتظرهم، بوصفها مسألة إنصاف للضحايا، انطلاقاً من أن “مكافحة الإفلات من العقاب ليست مسألة مبدأ فحسب، بل هي أيضاً واجب أخلاقي وسياسي، ومسألة تتعلق بأمن المجتمع الدولي”. إضافة إلى أن “مكافحة الإفلات من العقاب شرط أساسي لإعادة بناء سلام دائم في سوريا”.

ويلتقي البيان الأوروبي مع تأكيد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في تغريدته بمناسبة الذكرى العاشرة لانطلاق الثورة السورية، على التزام فرنسا بعدم السماح بالإفلات من العقاب، وبالوقوف إلى جانب الشعب السوري الذي ثار مطالباً بالحرية والكرامة. كما يلتقي كذلك مع البيان المشترك الذي أصدره وزراء خارجية كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا في المناسبة نفسها، واعتبروا فيه أن “الانتخابات الرئاسية السورية، المقررة هذا العام، لن تكون حرة ولا نزيهة، ولا يجب أن تؤدي إلى أي إجراء دولي للتطبيع مع النظام السوري”، وأكدوا فيه على أنهم سيسعون لمحاسبة المسؤولين “عن الجرائم الأكثر خطورة”، ومواصلة دعم لجنة تقصي الحقائق الدولية، مع ترحيبهم بجهود المحاكم في مختلف الدول “لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة في سوريا”.

ولا شك في أن المسعى الأوروبي والأميركي لمحاسبة نظام الأسد على جرائمه يلقى ترحيب غالبية السوريين، الذين يسكنهم التساؤل عما إذا كان الأمر سيبقى محصوراً في إطار الدعوات والتصريحات والبيانات، أم أنه سينتقل إلى مرحلة الفعل والتنفيذ عبر إنشاء محاكم خاصة بجرائم الحرب في سوريا، وهو أمر يبدو مستبعداً في المرحلة الراهنة، لأن مواقف الأوروبيين والأميركيين وبياناتهم تتحدث عن مواصلة “المطالبة بالسماح للمحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق في الجرائم المزعومة في سوريا ومحاكمة الجناة”. وأن جهودهم تنصبّ على “إحباط جهود الأطراف التي تسعى إلى عرقلة إحالة الجناة عبر مجلس الأمن إلى المحكمة”، لذلك يعملون “على ضمان توثيق الحقائق، ريثما يتم فحصها من قبل القضاة المختصين”.

ولا شك في أن الجهود الأوروبية في توثيق جرائم الأسد مهمة، وكذلك الخطوات التي اُتخذت برفع دعاوى على بعض رموز النظام الأسدي وعناصره في بعض البلدان الأوروبية، لكنها تبقى خطوات محددة، ولا ترقى إلى مطامح عشرات آلاف الضحايا من السوريين، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الخطوة التي اتخذتها هولندا لمحاسبة نظام الأسد على انتهاكه اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب.

وبالرغم من أهمية ملاحقة نظام الأسد في المحاكم الوطنية في الدول الأوروبية، إلا أنها لا تغني عن محاكمة كل رموز نظام الأسد على جرائمهم، إنصافاً للضحايا وتحقيقاً للعدالة، وإنهاء لمحاولات بعض الدول التستر أو السكوت على جرائم النظام. إضافة إلى أن سوريون كثراً يشعرون بالخذلان والإحباط من تعامل الساسة الغربيين مع الكارثة السورية، لأنهم لم يفعلوا المطلوب إنسانياً حيال إيقافها، حيث لم يبذلوا جهوداً كافية من أجل تشكيل محكمة دولية خاصة بسوريا للنظر في جرائم النظام، وخاصة مجزرة الكيماوي في غوطتي دمشق في 21 من شهر آب/ أغسطس 2015، إذ بدلاً من معاقبة النظام على هذه الجريمة البشعة، ابتلع الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، خطه الأحمر، وعقد صفقة مع النظام الروسي، متبعاً نهجاً رخيصاً من المقايضة، قضى بتسليم النظام المجرم مخزونه من المواد الكيمياوية، مقابل الإفلات من العقاب على الجريمة التي ارتكبها، الأمر الذي شجع النظام على التمادي في جرائمه ضد المدنيين السوريين.

ولا تنحصر جرائم نظام الأسد بحق السوريين في جرائم القتل بمختلف أنواع الأسلحة والتعذيب والتجويع حتى الموت، فضلاً عن الاغتصاب والاختفاء القسري والاعتقال غير القانوني، وكلها جرائم موثقة ومدعومة بالصور، كالصور الرهيبة التي هربها “قيصر”، أو التقارير الحقوقية الدولية، وخاصة تقرير “المسلخ البشري” الصادم عن سجن “صيدنايا” الذي أصدرته “منظمة العفو الدولية” عام 2017. كما أن رئيس “اللجنة المستقلة من أجل العدالة الدولية والمحاسبة”، ستيفن راب، كشف عن أن الأدلة التي جمعتها هذه اللجنة عن مسؤولية نظام الأسد عن جرائم الحرب، تفوق تلك التي توفرت للمدّعين في محاكمة قادة النازية أو محاكمة الزعيم اليوغسلافي السابق سلوبودان ميلوسوفيتش، وأنه بات بحوزة اللجنة ما يزيد على 900 ألف وثيقة حكومية هرّبت إليها، وورد اسم بشار الأسد في عدد من التقارير الموثقة للانتهاكات ضد السوريين.

ومع ذلك كله، ما تزال جرائم نظام الأسد برسم العدالة الدولية، التي لا بد أن تأتي يوماً على سوريا لمنع إفلات المجرمين من العقاب، ولعله من سخرية القدر ألا يخضع آل الأسد، بدءاً من حافظ الأسد ووصولاً إلى بشار الأسد، إلى محاكمات على الجرائم التي اقترفوها بحق الشعب السوري، إحقاقاً للحق، وإنصافاً للضحايا والثكالى.

المصدر تلفزيون سوريا


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا