هل تصبح سورية ضمن مصالح “الناتو”؟

ثمّة مؤشرات عديدة عن تحولات في الموقف الدولي تجاه الأحداث الجارية في المنطقة، وخصوصا الحدث السوري، والفاعل المقصود بهذه التحوّلات هو حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي بدأت تصدر عنه إشارات، وإنْ غير متماسكة وخجولة، إلا أن تواترها يشي بإرهاصاتٍ قادمة، قد تشكّل متغيراً مهماً في المشهد الإقليمي، والسوري تحديدا.

يأتي هذا التحوّل على خلفية فشل الفاعلين الأساسيين، روسيا وتركيا وإيران، في إدارة الصراع السوري، وتأمين مخارج له تحفظ السلم والأمن الدوليين. وقد أعادت أزمة هجوم روسيا وإيران، وتابعهما نظام الأسد، على إدلب، ربط الحدث السوري بالأمن الأوروبي الذي تشكّل دوله الكتلة الأساسية في حلف الناتو، وذلك بسبب الخوف من تداعيات الهجوم على قضية اللجوء، وما يترتب عنها من احتمالية هز الاستقرار الأوروبي الهشّ، والذي بالكاد استطاع التعافي من أزمة تدفق اللاجئين سنة 2015.
شكّلت اعتراضات مندوبي دول “الناتو”، في مجلس الأمن، على السياسات الروسية في سورية، ما يشبه مقدّمة لهذا التحوّل، أو انقلاباً على ما قيل إنه تفويض غربي (أميركي – أوروبي) لروسيا من أجل تفكيك عقد الأزمة السورية، والوصول إلى حل سياسي مقبول. ومن منطلق هذا التفويض، قبلت الدول الغربية، وإنْ على مضض، خطط روسيا في صناعة السلام السوري المنشود، وخصوصا ما تعلق منها بالأطر الموكل لها إنتاج هذا السلام، من أستانة إلى سوتشي وقرار مجلس الأمن 2254.
وينطوي نعي سفراء دول “الناتو” في مجلس الأمن مسارات التسوية التي صنعتها روسيا على رغبة هذه الدول في العودة إلى الانخراط في قضايا الحل السوري، لما لهذا الأمر من مساسٍ بالمصالح المباشرة للأمن القومي لهذه الدول، بعد أن تركت المجال لروسيا تصمّمه على هواها، واكتشاف أطراف “الناتو” أن روسيا تستثمر الأزمة السورية إلى حد بعيد، في تقوية وجودها في مسرح السياسة الدولية، والذي غالباً ما يتحقّق عبر إضعاف أوزان القوى الغربية في المنطقة والعالم.
ولكن الدول الغربية تدرك أنه، وبعد سنوات الغياب عن المسرح السوري، وبعد أن رسّخت روسيا وجودها، بشكل بات مستحيلا تغيير المعادلة الحالية عبر التهديد، ولا حتى عبر المساومات السياسية، فإن عليها البحث عن صيغةٍ ما تستطيع عبرها فرض تأثيرها ووجودها على روسيا، وذلك لن يتأتّى إلا من خلال دمج مناطق شمال سورية في إطار منظومة أمن حلف الناتو ومصالحه الإستراتيجية، بالنظر إلى تأثير هذه المنطقة على أمن تركيا، العضو، ذي الأهمية الاستراتيجية البارزة في الحلف.
مقدّمات التحوّل المشار إليه برزت من خلال رفض دول “الناتو” الانسحاب من العراق، على الرغم من طلب البرلماني العراقي هذا الأمر بشكل واضح، وليس خافياً أن هذا الرفض يأتي ضمن خطة أوسع لمواجهة روسيا، بعد أن ظهرت توجهات عن إمكانية حلول روسيا محل “الناتو” في العراق، وما يعنيه ذلك من متغيرات بنيوية خطيرة على مستوى أمن المنطقة وموقع الغرب التأثيري على المستوى العالمي.
والواقع، بات حلف الناتو بحاجةٍ إلى تغيير مقارباته الأمنية، في ضوء المتغيرات الهائلة التي حصلت، في السنوات الأخيرة، نتيجة صعود روسيا لاعباً في المسرح الدولي واستهدافها الحلف الذي تعرض بالفعل لصدوعٍ في بنيته نتيجة الإختراق الروسي له في تركيا، بعد تقاعس الحلف عن مساعدتها في وجه روسيا بعد أزمة إسقاط الطائرة الروسية سنة 2016، وتشكّل التطورات المستجدة في سورية فرصة لتجاوز هذا الاختراق.
لم يصدر عمليا من “الناتو” ما يؤكد اندفاعه في مسار جديد في مواجهة روسيا في سورية، بل أكد أمينه العام، ينس ستولتنبرغ، عدم نيّة التحالف الدخول على خط الصراع التركي الروسي في سورية، كما أن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ذهب إلى تأكيد هذا الأمر عبر قوله إن تركيا لم تسمع رداً واضحاً من “الناتو” بخصوص طلبها نشر بطاريات صواريخ باتريوت على حدودها الجنوبية. وفي المقابل، توجد مؤشرات أخرى على أن الأمر يتم طبخه على نار هادئة ضمن دوائر الحلف، حيث تشهد بروكسل لقاءات ومشاورات عديدة بهذا الخصوص، كما توجد تهيئة للرأي العام الغربي بشأن هذا الأمر، ولعل الفيديو الذي نشره الحلف على “تويتر”، بعنوان “تركيا هي الناتو”، واحتوى على تمجيد بطولات الجيش التركي، ينطوي على دلالات بالخصوص.
ويتطلب هذا التحوّل تفاصيل تتعلق باللوجستيات التي يستلزمها تحويله إلى أمر واقع، وهذه ليست مشكلة، على اعتبار أن “الناتو” يملك بنية تحتية جاهزة في تركيا، وأن القضية سياسية بالدرجة الأولى، وليست تقنية، إذ ليس من الصعب تكييف المادة رقم 5 من ميثاق “الناتو”، مع الأوضاع التركية الحالية التي تنصّ على مساعدة الحلف لدوله الأعضاء في حال الاعتداء عليها، ذلك أنه مع التداعيات التي ستسببها أزمة اللجوء إلى دول أوروبا، فإن أمن “الناتو” يصبح في قلب الخطر.
الأرجح أن “الناتو” ينتظر خطوة تركية مهمة، قد نرى تباشيرها قريباً في إدلب، تتمثل بإعداد المسرح وتنظيمه، عبر حل وإخراج تنظيمات متشدّدة كانت تركيا قد هدّدت، عبر أعلى المستويات، بالقضاء عليها، عندها تزال أهم العقبات من وجه “الناتو”، وثمّة مؤشراتٌ تؤكد السير بهذا الاتجاه، منها تصريحات قائد جبهة النصرة أبو محمد الجولاني بأن جبهته قد تقدم في الأيام المقبلة على تغييرات تثبت وضعها حركة وطنية سورية.

المصدر العربي الجديد


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا