يستثمرون قضية المرتزقة لتشريع ذبح السوريين

ليس خطأ صغيراً ارتكبته بعض المعارضة السورية بالموافقة، أو السكوت، عن إرسال مقاتلين إلى ليبيا. هو خطيئة كارثية. وثمّة نذر تفيد بأن قضية السوريين، أو كارثتهم الإنسانية، هي المرشح الأول لدفع ثمن هذه الخطيئة من رصيدها الذي بنته بعذابات الشعب السوري، وحلمه الصادق بوطن حرّ كريم.

ما الذي دفع من يسمون أنفسهم قادة المعارضة المسلحة إلى الوقوع في هذه الحفرة العفنة؟ لن تستطيع كل المبرّرات المنطقية تزيين هذا الفعل، لا حقيقة أن تركيا تستضيف ملايين السوريين، ولا وقوفها إلى جانب المعارضة في حربها ضد النظام، ولا حتى أنها أصبحت طريق الإمداد اللوجستي الوحيد لمد ما تبقّى من مشروع، لا يزال، يطمح إلى تحقيق جزءٍ من مطالب الشعب السوري.
لا تكفي هذه المبرّرات، لأن تركيا التي يتجاوز عدد سكانها الثمانين مليوناً، ولديها تاسع أقوى جيش في العالم، ليست بحاجة إلى مئات من المقاتلين السوريين للدفاع عما تعتبره مصالح قومية حيوية لها. من جهة أخرى، لم تنته بعد عذابات السوريين على يد تحالف روسيا إيران والأسد الذي يذيقهم الموت بكل أصنافه، كي تجد المعارضة لديها فائض قوّة تتبرّع به لصالح مشاريع تركيا الجيوسياسية!
ولكن أخطر من كل ما سبق، التداعيات الخطيرة التي ترتّبها هذه المسألة على قضية السوريين عموماً، وكان واضحاً كيف استغلت أطرافٌ كثيرة هذا الحدث لإعادة قراءة القضية السورية بطريقة مغرضة، كما نزعت أطراف كثيرة أردية الحرج الشفافة التي كانت تغطّي به مواقفها تجاه السوريين، وكأنها كانت تنتظر خطأ ما ينزل عليها من السماء كي تلعن السوريين وتبرّر تقاعسها تجاه أزمتهم ومحنتهم.
في أيام قليلة، سال حبر كثير، وكتبت عشرات التقارير والمقالات التحليلية، ومثلها من التعليقات التلفزيونية التي تقول بصراحة، تتجاوز حدود الوقاحة، هؤلاء هم الذين ثاروا على الأسد، وهؤلاء هم من يدّعون أنهم ثوار من أجل الحرية. ولا يمكن لوم هؤلاء، فهم كانوا ينتظرون مثل هذه الفرصة ليبرّروا سبب رخاوتهم وانكفائهم عن دعم ثورة السوريين، أو ليبرّروا وقوفهم ضدها ومساعدتهم نظام الأسد عسكرياً واستخباراتياً ولوجستياً، وليظهروا أحقادهم الدفينة تجاهها. يقع اللوم على أولئك الذين يعرفون كم أن وضع الثورة السورية دقيق في هذه المرحلة، ولم يستطيعوا تقدير العواقب.
المثير أن الطرف الآخر في الصراع الليبي، خليفة حفتر، يكاد يختنق من كثرة المرتزقة الذين يعملون في صفوفه، علناً، من روسيا ودول أفريقيا وجهات ربما لا نعرفها، ولا أحد يأتي على ذكر ذلك. ولا يُنسى أن عماد الحرب التي شنّها بشار الأسد على السوريين أنفسهم كان مرتزقةً من دول الجوار، بحجّة حماية الأماكن المقدسة. ومن روسيا بذريعة حماية المسيحية في الشرق. ومن أرمينيا بدعوى حماية الأرمن. ومن علويي تركيا وأكرادها. وقد تم قبول هذه المبرّرات، من دون أن ينتبه أحد إلى أن السوريين الذين ذهبوا إلى ليبيا هم في الغالب من التركمان الذين يدّعون أنهم ذهبوا لمناصرة إخوانهم “الكراغلة” التركمان الليبيين في مصراتة وبعض مدن الساحل الليبي.
ليس ذلك وحسب، بل كان المرتزقة هم أساس الحروب التي قامت في العقد الأخير وعمادها. ويدلل على ذلك شيوع مصطلح الوكلاء في أدبيات الحرب والسياسة بشكل هائل في المجال الدبلوماسي والفضاء الإعلامي، وذلك لرغبة الأطراف التي تخوض هذه الحروب في تجنّب التصادم المباشر بينها. وفي مؤشّر على أن قادة هذه الدول يخوضون حروباً ليست لها شعبية في بلادهم، وبالتالي يتجنّبون استفزاز شعوبهم بصناديق القتلى التي تأتي من الجبهات. وفي الغالب، من يسمّون مرتزقة هم ضحايا مشاريع هؤلاء القادة واستراتيجياتهم وخططهم، لأنهم يستهدفون فئاتٍ ضعيفة ومعوزة (مثل اللاجئين الأفغان في إيران) وأمثالهم، بدفعهم إلى ساحات حروبهم.
والحال، أنه في ظل صراع المنافسة بين أردوغان وبعض الزعماء العرب، وفي ظل تهافت قادة المعارضة وخنوعهم لتركيا وخيانتهم أمانة الدم السوري، تجرى استباحة ثورة شعبٍ ما زال دمه يقطر من أنياب روسيا وإيران، ويجري على أصابع عصابة الأسد، شعب ما زال يستغيث العالم من خيام غطّاها الثلج في لبنان، ومئات المخيمات الغارقة في الوحل على حدود تركيا، ناهيك عن عشرات الألوف الذين ينتظرهم الموت في سجون الأسد.
ولكن، ماذا يفعل السوريون ليثبتوا أنهم ليسوا مرتزقة، فقد أصدرت كل القوى السياسية، وأغلب المقاتلين على الجبهات، بيانات تستنكر الخطوة التركية وترفضها، ولم يلتفت إليها أحد، فليس لشعب سورية المعارض ماكينات إعلامية تنصفه، ويبدو أن ثمّة جهات وجدت الفرصة المناسبة لإخراجه من خانة الشعب الثائر إلى خانة المرتزقة.
يريد بعضهم تدفيع السوريين ثمناً باهظاً لحلمهم الثوري، عبر تبرئة بشار الأسد وإعادة تأهيله، نسوا أن أخلاق هذا الكائن لم ترتق إلى مرتبة أخلاق أزعر الحارة، فكل واحد تم ذبحه في السجن غدراً كان بأمرٍ مباشر منه، وكل مغتصبة، من بين الثمانية آلاف، جرى تنفيذ عقوبة الاغتصاب بحقها بأمر منه، وكل منزلٍ تم تدميره كان بأمر منه، وكل منزل تمت سرقة حاجاته بأمر منه، وكل عملية تطهير ديمغرافي تمت بأمر وتشجيع منه.. أخطأ من ذهب إلى ليبيا للارتزاق، والرئيس أردوغان مدان لدفعه السوريين المحتاجين إلى هذا الطريق، وقبلها استخدامهم فزاعة لأوروبا، لكن هذا ليس سببا كافيا لمعاقبة السوريين الذين فقدوا باعترافات العالم مليون قتيل وملايين المعاقين، وليس سببا لمسح ذنوب الأسد وتأهيله.

 

المصدر العربي الجديد


المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

قد يعجبك أيضا