أردوغان والامتحان الصعب

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

4/6/2015
السورية نت

يوم الأثنين القادم سيكون يوماً مختلفاً لتركيا، وستحدد فيه ملامح تركيا المستقبلية وإذا نجح حزب العدالة والتنمية في الانتخابات ستنتقل تركيا إلى مرحلة جديدة تماماً، سوف تدفن النظام البرلماني إلى الأبد وتنتقل إلى النظام الرئاسي استعداداً للامتحان الأكبر التي تنتظره تركيا، وهنا الأمر لا يتعلق فقط بعملية السلام مع الأكراد التي من المنتظر أن تشهد مراحلها الأخيرة في حال استمرار حكم حزب العدالة والتنمية وإلا فسوف تبقى تركيا لعهود ربما في حالة فوضى وأزمات سياسية واقتصادية إلى أن تتلقى تلك الفرصة التاريخية من جديد كما فعلت مع أردوغان وحزبه.

 تدرك المعارضة كذلك أنها أمام فرصة حقيقية للتخلص من حزب العدالة والتنمية، فأردوغان ترك أمر الحزب لرفيقه المخلص أحمد داوود أوغلو الذي حاول أن يرسم للحزب مساراً سياسياً جديداً، يرسخ من خلاله قدرة الحزب على تخطي الصعوبات وفك الإرتباط بين سحر قيادة وحضور أردوغان وبين الحزب كي تستمر المسيرة الناجحة للحزب وأن يحول تجربة الحزب إلى تجربة سياسية ممنهجة وواعية للمخاطر التي تنتظر تركيا، وكذلك تعميق فلسفة التغيير والقدرة على التحول إلى نمط تفكير وتوجهات جديدة  عبر دفع الأتراك إلى الإيمان بتحول تركيا إلى تركيا الجديدة المتأهبة للعب أدوار إقليمية ودولية تتخطى الحدود والأسوار التي حاول الغرب وبعض الأحزاب النمطية حبس تركيا فيها.

 وعندما نطالع الصحف والوسائل الإعلامية التركية المناهضة لتجربة أردوغان، نتلمس تلك الكلمات الخفية التي تريد أن ترسم ذلك الانطباع الخبيث بأن أردوغان يريد تحويل تركيا إلى الخراب أو التقسيم أو بلد للآخرين،  وبالتأكيد إن هؤلاء لم يتأقلموا بعد مع سياسة التحولات الجذرية التي أصابت المجتمع والاقتصاد وباقي مناحي الحياة، نعم تحولت تركيا من بلد تتحكم فيه السفارات والجنرالات وصندوق النقد الدولي إلى بلد تتحكم الإرادة الشعبية والممارسة الديمقراطية بمصيره وقراراته ، واليوم يشعر كل تركي بأنه ينتمي فعلاً إلى تركيا وأن العلم المرفرف في الأعالي هو علمه، وبتنا نرى في جنوب شرق تركيا منذ عهود لأول مرة زيارة رئيس الجمهورية وزيارة رئيس الوزراء إلى كل البلدات والمدن وحتى القرى دون أن يشعر هؤلاء المسؤولون بأن هذه المناطق هي خارج سيطرة الحكومة كما كانت في الماضي .

  هذه الانتخابات هي امتحان حقيقي لأردوغان ولقيادة حزب العدالة والتنمية الجديدة، لأنها ستكون بمثابة مقارنة حقيقة بين هل نجاح حزب العدالة كانت ناجمة عن نجاح أردوغان بشخصه وحضوره الآثر وقربه من الجماهير أم أن الأمر كان متعلقاً بخيار النخبة التركية ذوي التوجهات المختلفة الذين اختاروا الاندماج في حزب العدالة ليمارسوا سياسة غير نمطية ويجدوا حلولاً لمعظم مشاكل تركيا، فإذن يدرك الجميع أن هذه الانتخابات لن تكون كسابقاتها، فأحزاب المعارضة باتوا متحالفين اليوم بشكل ضمني لإسقاط حزب العدالة والتنمية من المعادلة السياسية التركية وما يعنيه ذلك من عودة تركيا القديمة المتقوقعة داخل نفسها والمتجاهلة للتغييرات والأحداث التي تشهدها المنطقة، ويدرك الغرب  وحلفائه اليوم أكثر مما مضى أن تمرير المشاريع ودفن الثورات العربية يمر من خلال إسقاط الداعمين لها من معادلة الحلول والاتفاقيات وأول الداعمين هي تركيا.

حتى المراقبون الأتراك باتوا اليوم مندهشين من اللوحة الانتخابية المتشكلة في الشارع التركي، فدعاة العلمانية والتطرف باتوا اليوم متحالفين مع الأكراد الذين كانوا ينظرون إليهم قبل نجاح حزب العدالة كخونة أو مواطنين من الدرجة الثانية، فمجموعة أيدن كروب صاحبة الامبراطورية الإعلامية التي كانت تاريخياً مؤيدة لسياسة الانقلابات والإقصاء السياسي باتت اليوم تقود الحملة الدعائية لحزب ديمقراطية الشعوب الكردية. وكذلك حزب الشعب الجموري كان لديه الإستعداد والقبول والرضا للتحالف مع جماعة التنظم الموازي ( جماعة فتح الله جولان) مع أن الحزب لديه حساسية مفرطة لكل ما هو إسلامي، كما أن الوسائل الإعلامية التابعة للتنظيم وقعت عقداً إعلامياً ضخماً مع كوج غروب الصناعية بقيمة 60 مليون دولاراً لدعم أحزاب المعارضة إعلامياً ضد حزب العدالة، مع العلم أن التنظم يدفع لكبرى الوسائل الإعلامية الأميركية - منها نيويورك تايمز وواشنطن بوست -  لكتابة مقالات وأخبار يومية ضد حزب العدالة وأردوغان شخصياً لتشويه سمعته والنيل من هذه التجربة التي أزعجت دوائر صنع القرار التي كانت مستفيدة من تركيا القديمة، والذين ينتقدون اليوم أردوغان بأنه لم يلتزم الحيادية في الانتخابات كونه يشغل رئيس الجمهورية عليهم أن يسألوا أولاً لماذا كبرى الوسائل الإعلامية في تركيا والعالم تمارس هذه السياسة الدعائية الرخيصة والمحرضة ضد تركيا وضد أردوغان إن كانوا يصدعون رؤوس القراء والمشاهدين يومياً بمبدأ الحيادية والموضوعية ؟؟؟ .

ويكفي لحزب العدالة والتنمية في هذه الانتخابات أن تحصل على نسبة 43.5% من الأصوات كي يشكل حكومة الأغلبية التي تلزم 274 نائباً حسب الدستور أي نصف زائد واحد من مجموع النواب في البرلمان البالغ عدده 550 نائباً بغض النظر من نتائج بقية الأحزاب أي سواءً نجح حزب ديمقراطية الشعوب في تخطي حاجز 10% أم لا.

إن هذه الانتخابات ستكون إما ميلاداً جديداً لتركيا المعاصرة والجديدة والمتطورة والمتآلفة بين مكوناتها والمحققة للسلام الداخلي لتتحول إلى النظام الرئاسي ولتقطع بذلك الحبل السري الذي كان يربطها بتركيا القديمة الخاضعة للغرب والانقسام والضعف ولتتخلص من العقلية القديمة المتمترسة في الداخل التي تنتظر دورها في الهلاك عبر مخططات غربية.

أو أن تعيد كل تلك التجارب المريرة في عدم الاستقرار والعودة إلى التبعية. والأمر الآخر إن أردوعان لا يمكن أن يكون على وئام أو تفاهم مع أية حكومة لا يكون حزب العدالة والتنمية على رأسها.

 لذلك فإن أردوغان ومعه تركيا أمام امتحان هو الأصعب منذ عام 1923 م تاريخ إعلان الجمهورية التركية. 

تعليقات

 

Warning: session_set_save_handler(): Cannot change save handler when headers already sent in /home/alsouria/public_html/archive/includes/session.inc on line 242

Warning: session_id(): Cannot change session id when headers already sent in /home/alsouria/public_html/archive/includes/session.inc on line 266