الحكم العثماني وبداية النهاية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

5/11/2015
السورية نت
المؤلف: 

قسّم المؤرّخون حكم العثمانيين للبلاد العربيّة إلى عصرين متمايزين، الأوّل وهو الّذي يمتدّ من القرن السّادس عشر إلى أواخر القرن الثّامن عشر وبداية القرن التّاسع عشر. وفي هذا العصر خضع العرب لأنظمة الحكم الّتي وُضعت للولايات، وهي أنظمة تركت قدراً كبيراً من حريّة التّصرف للسّلطات المحليّة، وتميّز الحكم فيها باللّامركزيّة والبساطة والسّطحيّة والمحافظة. وبهذا لا يُنتظر أن يحدث هذا الحكم تغييراً جوهريّاً في نظم البلاد، أو حياة المجتمع ([i]).

وتقبّل العرب حكم الأتراك العثمانيين لهم، بالرّغم من قيام بعض الثّورات هنا وهناك، طمعاً في منصب، أو تصفية لحسابات خاصّة، وفي هذه الفترة لم ترد على بال أحد فكرة الانفصال عن الدّولة العثمانيّة، فالعالم العربيّ بمعظمه يدين بالإسلام، والعثمانيون كانوا أيضاً مسلمين، وكانت هذه الرّابطة، رابطة الدّين، هي أهمّ سبب جعل العرب يقبلون حكم العثمانيين لهم طوال هذه المدّة.

فالعثمانيون بدؤوا ينظرون إلى أنفسهم كورثة للخلافة الإسلاميّة، وذلك بعد أن نجحوا في ضمّ الأراضي العربيّة ومكّة والمدينة إلى إمبراطوريّتهم في القرن السّادس عشر، واتّخذ السّلطان العثماني لنفسه دور حامي العالم الإسلاميّ بأكمله([ii]).

وعندما جاء العصر الثّاني، والّذي يمتدّ من أوائل القرن التّاسع عشر، إلى حين جلاء العثمانيين عن البلاد العربيّة بعد الثّورة العربيّة الكبرى، وذلك سنة 1918م، أصبحت المركزيّة الشّديدة هي الرّابطة الّتي ربطت الولايات العربيّة بالعاصمة العثمانيّة، وتكلّفت الدّولة أداء واجبات وتحمّل مسؤوليات لا عهد للرعيّة بها من قبل.

وسجّل هذا العصر بداية التّقدّم والنّهوض في الدّولة، بفضل التّنظيمات الإصلاحيّة الّتي أحدثت انقلاباً عظيماً في الأمور الإداريّة والقضائيّة، وأثّرت تأثيراً عميقاً في الأحوال السّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والفكريّة والأدبيّة، بحيث يمكن اعتبارها أهمّ الخطوات الّتي اتّخذتها الدّولة نحو اقتباس النّظم الغربيّة([iii]).

وكان لتدخّل الأوروبيين في أمور السّلطنة وطمعهم فيها، أثر كبير في فتح العيون على أمور لم تكن معروفة من قبل، فاتّسعت المطالبة بالإصلاح والتّغيير. وجاء سوء الإدارة في الدّاخل ليزيد الأمور تعقيداً، فكان أن أدّت هذه الظّروف مجتمعة إلى انقسام سكان السّلطنة إلى أقوام شتّى، كلّ منها له هدف غير الآخر، ومنها ما هو عدوّ عامل لا يرضيه إلّا زوال الدّولة العثمانيّة([iv]).

ومع مرور الوقت تدهورت حال السّلطنة العثمانيّة، ولم تجدِ محاولات حكّامها لبعث إصلاحات في جسم السّلطنة المريض. وبدأ تدخّل الأجانب وظهرت أطماعهم فيها، وقامت الثّورات في أجزاء السّلطنة مطالبة بالإصلاح دون التّفكير بالانفصال، فما زالت الجامعة الدّينيّة هي "الجامعة الوحيدة الّتي كانت تجمع بين التّرك والعرب والكرد والأرناؤوط والجركس، ولولاها لكانت هذه السّلطنة تفكّكت منذ قرون"([v]).

عندما قامت الثّورة في تركيّا نفسها وتسلّم الاتحاديّون السّلطة، استبشر العرب وغيرهم من الشّعوب الّتي كانت خاضعة للسّلطنة العثمانيّة بهذا الحكم الجديد، لأنّهم اعتقدوا أنّه سيحمل لهم الإصلاحات الّتي يريدون، وسيعطيهم حقوقهم في المشاركة في حكم البلاد، وحقوقهم في إبداء الرّأي فيما يحصل في السّلطنة. لكنّ الاتحاديّين كانوا مستبدّين لدرجة كبيرة، وسيطرت عليهم فكرة بعث القوميّة التّركيّة، دون الاهتمام بغيرهم من أهل القوميّات الأخرى، وبدأوا بإضفاء "الطّابع القوميّ وتتريك دولتهم ومجتمعهم، وكانت اللّغة التّركيّة هي اللّغة الّتي نصّ القانون على استعمالها من قبل مكاتب البريد، واللّغة الّتي يجب أن تستعمل في جميع الاتصالات الّتي تجري مع وزارة الماليّة، وتبع ذلك مرسوم يقضي بأن تكون لافتات جميع المخازن التّجاريّة باللّغة التّركيّة"([vi]).

وكرد فعل على هذه الحركة القوميّة التّركيّة، وبتشجيع من الأوروبّيين الطامعين، قامت الدّعوة العربيّة المطالبة بحقوق العرب وكانت هذه الحركة تسعى لغاية اتّفق عليها أصحابها، وهي قيام كيان قوميّ يضمّ مختلف الأقطار العربيّة، موّحد الشّعور والثّقافة والأهداف والمصالح والجهاز السّياسي والاقتصادي والعسكري. ويكون من القوّة بحيث يضمن للأمّة العربيّة الحريّة والكرامة والسّيادة"([vii]). لذلك فقد كان التّحوّل نحو أفكار وعمليّة الانفصال "هو المخرج الوحيد المفتوح والّذي دُفع إليه العرب دفعاً للنجاة من خطر التّتريك، أو محو الشّخصيّة والثّقافة الوطنيّة، أو اللّغة والتّاريخ والثّقافة العربيّة، وذلك على الرّغم من كلّ مخاطر عمليّة الانفصال"([viii]).

وبدأت تظهر إلى حيّز الوجود الأفكار الّتي تناقش أحقّيّة العرب في أن تكون لهم دولة مستقلّة، تحفظ حقوقهم ولغتهم وتاريخهم. وظهرت أيضاً الأفكار الّتي تبيّن أنّ الخلافة الإسلاميّة يجب أن تكون في العرب وحدهم دون سواهم لأنّهم أهل الرّسالة، مستندةً إلى أساس فقهي في الشّريعة الإسلاميّة([ix]). وهكذا بدأ التّفكير والتّحضير لقيام الثّورة العربيّة، وانفصال العرب عن التّرك.

ويبيّن الكاتب الأستاذ ساطع الحصري([x]) التّيارات والمواقف من الدّولة العثمانيّة في أواخر القرن التّاسع عشر فيقول: "إنّ مواقف العرب المسلمين من الدّولة العثمانيّة في أواخر القرن التّاسع عشر كانت تنمّ عن عدة تيارات واتّجاهات:

1ـ السّواد الأعظم منهم مرتبط بالدّولة على علّاتها.

2ـ ولكنّ جماعات من المتنوّرين المتجددين كانت تنتقد أحوال الدّولة وتشتكي منها وتدعو إلى تغييرها:

أ ـ جماعة تتمنى قيام خلافة عربيّة تعيد الحقّ إلى أصحابه.

ب ـ جماعة تُطالب الدّولة بإجراء إصلاحات جدّيّة في البلاد.

ج ـ جماعة تشترك مع أحرار الأتراك للدعوة إلى إصلاحات عامّة تشمل جميع البلاد العثمانيّة.

د ـ جماعة تطالب بمراعاة حقوق العرب في مختلف شؤون الدّولة"([xi]).

و"إذا أردنا أن نُجمل التّيارات الّتي تولّدت في البلاد العربيّة بين سكانها المسلمين والمسيحيين وجدنا أنّها تجتمع في خمسة تيارات أساسيّة:

1 ـ السّعي لإقامة خلافة عربيّة تقوم مقام الخلافة العثمانيّة، [وهو مطلب إسلاميّ].

2 ـ المطالبة بإصلاحات خاصّة بالبلاد العربيّة.

3 ـ الاشتراك مع أحرار الأتراك للمطالبة بإصلاحات عامّة تشمل جميع الولايات العثمانيّة.

4 ـ الدّعوة إلى انفصال البلاد العربيّة عن السّلطنة العثمانيّة لتأسيس دولة عربيّة مستقلّة. [وهذه التّيارات الثّلاثة الأخيرة كانت مشتركة بين المسلمين والمسيحيين العرب].

 5 ـ طلب الحماية من دولة أوروبيّة. [وهو مطلب المسيحيين وحدهم]"([xii]).

أخذت هذه التّيارات تتصارع في مرحلة عصيبة على السّلطنة العثمانيّة. وعندما أُعلن الدّستور أيّده العرب في محاولة منهم لنيل حقوقهم، فواصلوا المطالبة بالإصلاحات، إلّا أنّ الحكّام الجدد كانوا مع سلطة مركزيّة حديثة، ولم يولوا قضايا الأمم الّتي تتشكل منها السّلطنة أيّ اهتمام، وكانت المؤامرات على السّلطنة تزيدهم قناعة بخطر المساعي الانفصاليّة، فازداد قمعهم واستبدادهم وبطشهم([xiii]).

وعندما حاول السّلطان عبد الحميد استعادة سلطانه خُلع، وظهر الوجه الحقيقي للاتحاديين، وجه الظلم والاستبداد والتآمر. فكان لهذه الظّروف الّتي تعرّضت لها الدّولة العثمانيّة في القرن التّاسع عشر وأوائل القرن العشرين تأثير كبير في انتقال العرب من قبول الحكم التّركي إلى الرّغبة الأكيدة في الانفصال عن الدّولة العثمانيّة وتكوين كيان عربّي موحّد ومستقل، يضمن للعرب حقوقهم ويحفظ كيانهم.

ونلاحظ أنّ هذه التّيارات تتّفق في أنّها جميعاً لم تكن ترى أنّ في وضع السّلطنة العثمانيّة ما يجعلها تسكت أو تغضّ النّظر عما يجري من تجاوزات وأخطاء في هذه السّلطنة، فالوضع كان قد بلغ من السّوء ما لا يمكن السّكوت عليه.

 

______________________________________________________________________________

(1) ـ أحمد طربين، تاريخ المشرق العربيّ المعاصر، 3.

(2) ـ شريف ماردين، وألبرت حوراني، وفيليب س خوري، وماري ك ويلسون، الشرق الأوسط الحديث، ج3 ـ 17.

(3) ـ أحمد طربين، تاريخ المشرق العربيّ المعاصر، 3 ـ 4.

(4) ـ شكيب أرسلان، سيرة ذاتيّة، 58.

(5) ـ المصدر نفسه, 68 ـ 69.

(6) ـ ألبرت حوراني، وفيليب س خوري، وماري ك ويلسون، الشّرق الأوسط الحديث، ج1، 170.

(7) ـ محمد عزة دروزة، حول الحركة العربيّة الحديثة، 1 ـ 6.

(8) ـ محمد كامل الخطيب، المؤتمر العربيّ الأوّل في باريس, 16.

(9) ـ وذلك لحديث النّبي r " الأئمة من قريش, أبرارها أمراء أبرارها, وفجّارها أمراء فجّارها..." إلى آخر الحديث, وهو حديث صحيح؛ انظر: جلال الدين السّيوطي (- 911/ 1505 )، الجامع الصّغير،ج1، 480.

(10) ـ ساطع الحصري: ولد في صنعاء اليمن عام 1879م. أصبح وزيراً للمعارف في الحكم الفيصلي بدمشق، وخرج معه من سورية والتحق به في العراق، حيث تولّى شؤون المعارف والثّقافة، عمل مستشاراً للجنة الثّقافيّة في جامعة الدّول العربيّة، توفّي في بغداد عام 1968م؛ انظر: خير الدين الزّركلي، الأعلام، ج3، 70؛ وعبد الغني العطري, أعلام ومبدعون، 98.

(11) ـ ساطع الحصري، محاضرات في نشوء الفكرة القوميّة، 123 ـ 131.

(12) ـ المصدر نفسه, 131.

(13) ـ ناجي علوش، مختارات المفيد، 8. 

تعليقات

 

Warning: session_set_save_handler(): Cannot change save handler when headers already sent in /home/alsouria/public_html/archive/includes/session.inc on line 242

Warning: session_id(): Cannot change session id when headers already sent in /home/alsouria/public_html/archive/includes/session.inc on line 266