Deprecated: The each() function is deprecated. This message will be suppressed on further calls in /home/alsouria/public_html/archive/includes/menu.inc on line 2396

Deprecated: implode(): Passing glue string after array is deprecated. Swap the parameters in /home/alsouria/public_html/archive/sites/all/modules/gmap/lib/Drupal/gmap/GmapDefaults.php on line 95

Warning: A non-numeric value encountered in /home/alsouria/public_html/archive/sites/all/modules/context/plugins/context_reaction_block.inc on line 587

Deprecated: implode(): Passing glue string after array is deprecated. Swap the parameters in /home/alsouria/public_html/archive/includes/common.inc on line 394
الربيع العربي وإرهاصات التقسيم | السورية نت | Alsouria.net

الربيع العربي وإرهاصات التقسيم

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

27/8/2015
السورية نت
المؤلف: 

عرف تطور السياسة الكثير من المذاهب والمفاهيم السياسية والاقتصادية والإدارية عبر تاريخه الطويل، وتعد الفيدرالية اليوم كمفهوم سياسي وإداري بحت من المفاهيم والمذاهب الرائعة التي انتهجتها مجموعة كبيرة من الدول في هذا العالم.

 لكن أثبتت التجارب التاريخية أنه لا بد لنجاحها من أن يستلزم تطبيقها وجود بقعة جغرافية متسعة نوعاً ما، في ظل حكومة مركزية قوية، وهذا ما تفتقره الدول العربية اليوم في نموذجها الوطني وليس القومي المتناثرة من الماء إلى الماء.

فالفدرالية كنظام سياسي وإداري بالدرجة الأولى ﺗﻜﻮﻥ ﻓﻴﻪ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺍﻟﻨﻬﺎﺋﻴﺔ ﻣﻘﺴﻤﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺮﻛﺰ ﻭﺍﻷﻃﺮﺍﻑ، ﺣﻴﺚ ﺗﻨﻘﺴﻢ ﺍﻟﺴﻴﺎﺩﺓ ﻓﻴﻪ ﺩﺳﺘﻮﺭﻳﺎً ﺑﻴﻦ ﻣﻨﻄﻘﺘﻴﻦ ﺃﻭ ﺃﻛﺜﺮ ﺑﺤﻴﺚ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻱ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻨﺎﻃﻖ ﺃﻥ ﻳﻤﺎﺭﺱ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻪ ﺩﻭﻥ ﺗﺪﺧﻞ من ﺍﻟﻤﺮﻛﺰ ﺃﻭ الأطراف التابعة له. لكن في حال أعطيت هذه الأطراف صلاحيات ﻭﺍﺳﻌﺔ بمقابل الحكومة ﺍﻟﻤﺮﻛﺰية سيغريها ذلك وبدون شك وبفعل عوامل قد تكون ذاتية أو واردة خارجياً بالانفصال، خصوصاً وأن الأنظمة الفيدرالية ذات المساحة الجغرافية الضئيلة والمركز الضعيف تعطي للمجموعات الدينية وﺍﻹﺛﻨﻴﺔ والعرقية المقومات الأساسية والمتينة التي يتم بناءً عليها تهيئة وزراعة بذور دولة جديدة.

وقد أثبتت الدراسات والأبحاث والتجارب التاريخية أنه لإضعاف أي دولة العمل على تحويلها من دولة بسيطة إلى مركبة وذاك عبر تجزئتها في المرحلة الأولى إلى أقاليم على أساس ديني أو طائفي أو قومي بحت تحت مسمى تسهيل العمل الإداري وحفظ حقوق الأقليات في ظل حكومة مركزية ذات طابع فيدرالي.

وبالتالي أي مشكلة صغيرة سياسية كانت أم اقتصادية أو حتى اجتماعية ستعصف مستقبلاً في هذا الإقليم أو ذاك مع المركز، سيعزز ذلك من فرص واحتمالات التهديد بانفصال أحد هذه الأقاليم خصوصاً الأقاليم المدعومة إقليمياً ودولياً.

 كما تتزايد الرغبة بالانفصال ضمن الأقاليم التي يحتم عليها قدرها مجاورتها لدول تتبنى نفس الأيديولوجيا ونفس الطابع العقائدي لهذا الإقليم، كما في الخوف المتزايد من الدعم الإيراني للإقليم الشيعي جنوب العراق، أو كما في تجربة ﺟﻨﻮﺏ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ حيث أن أحد ﺍﻟﻌﻮﺍﻣﻞ ﺍﻟﺘﻲ ﺳﺎﻋﺪﺕ ﻋﻠﻰ ﺍﺳﺘﻘﻼﻟﻪ ﻫﻮ ﻭﺟﻮﺩ ﺩﻋﻢ ﺇﻗﻠﻴﻤﻲ ودﻭﻟﻲ وحكومة مركزية غير مستقرة.

عندما يُمنح الكومبارس دور البطولة

      منذ انطلاقة الربيع العربي لوحت الأنظمة الرسمية العربية (التقليدية) بمخاطر التقسيم رغبة منها في تخفيف حدة التوتر والاحتجاج الشعبي على استبدادها ولرغبتها القصوى بلعب دور البطل الذي تآمرت عليه وعلى بلاده "قوى الشر في العالم"، وهذا ما لمسناه جميعاً في الخطابات القومية الرنانة للزعيم القذافي في ليبيا وعلي عبدالله صالح في اليمن والأسد في سوريا دون أن يعي كثيرون أن هؤلاء القادة هم من ساهموا سراً وعلناً وبعلم تام على وضع اللبنات الأساسية لتقسيم البلاد على أساس طائفي، يستضعفون خلاله شعوبهم ويذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم رافعين شعار مخاطر التقسيم.

من خلال قراءة جيدة لمسار الأحداث في دول الربيع العربي يتبين لنا أن هناك إرهاصات تقسيمية للدول العربية تلوح الآن في الأفق وقد دُرست ووضعت بدقة، وهي مقدمات تغذيها المشاريع الغربية منذ عشرات السنين، والتي وجدت في حراك الربيع العربي ممراً سالكاً لها فيه يدعمها في ذلك التهديد المباشر للمصالح الغربية في منطقتنا بعد انهيار حماة المشروع الغربي المتمثل بالديكتاتوريات العسكرية القومية التي حمت المصالح الغربية نصف قرن من الزمان، لكن مع انهيار هذه الديكتاتوريات وارتفاع صوت الإسلام السياسي كبديل لتلك الأنظمة تسارع المشروع الغربي لتنفيذ مخططه بترسيخ إرهاصات التقسيم في ظل الوضع العربي الراهن عبر:

 - تحطيم القدرات العسكرية للبلد المراد تقسيمه.

- تعميق وترسيخ فكرة البناء الطائفي وإنهاك الدولة بصراع طائفي طويل الأمد ليسهل تفتيتها وليمنع قيام جيش وطني قوي ومتماسك في المستقبل.

- تقسيم الدول إلى عدة أقاليم وفق حكم فيدرالي في ظل حكومات مركزية هزيلة تفرض وتدار من الخارج.

من كامبل - بنرمان إلى برنارد لويس

لو عدنا للتاريخ قليلاً ربما نستوضح الأمر أكثر، ففي التاريخ نجد أن مخططات تفتيت الأمة العربية والإسلامية كثيرة جداً وتعطينا التجربة الإسلامية في الأندلس والتي تم تقسيمها إلى خمسين دويلة متناحرة انطباعاً عاماً لمَ يرتاب المثقفون العرب من الفيدرالية في عالمنا العربي والإسلامي المترهل في هذا الوقت بالذات.

ففي كتابه "تاريخ العرب والأندلس" يقول "أحمد بدر" أن عدداً من هذه الدويلات الخمسين (يقصد دويلات الأندلس) لم يتجاوز سلطانه مدينة صغيرة أو عدة قرى، كما أن كثيراً منها كان قصير العمر لم يعش في هذا العصر سوى أشهراً أو سنوات.

لكن استعمال أدوات المفهوم الطائفي والعرقي لم تبدأ فعلاً إلا عندما تنبهت الدول الأوروبية لخطر الدول العربية عليها في بدايات القرن العشرين في مؤتمر كامبل - بنرمان المنعقد في لندن سنة 1905-1906  والذي اتفق فيه المجتمعون على أن الخطر الأول والحقيقي على مصالحهم يأتي من البلاد العربية ذات "الطبيعة الثقافية والدينية المتماسكة".

الاحتلال الأمريكي للعراق في إبريل من العام 2003 ترجمة عملية واضحة لوﺛﻴﻘﺔ "ﺑﺮﻧﺎﺭﺩ ﻟﻮﻳﺲ" ، لكن العقبة الأساسية التي واجهت الاحتلال للتقسيم بعد تدميره للجيش العراقي وتعميق الصراع المجتمعي بين الطوائف العراقية هو صعوبة تشكيل دويلات يكون محورها مدن.

وعلى إثره أخذت تتّبع تلك الدول سياستها التفريقية المعروفة على عالمنا العربي والإسلامي، والذي تمت ترجمته عملياً بسايكس بيكو ووعد بلفور وصولاً (وهذا ما يهمنا الآن) إلى ﻭﺛﻴﻘﺔ "ﺑﺮﻧﺎﺭﺩ ﻟﻮﻳﺲ" سيئة الصيت ﻟﺘﻔﺘﻴﺖ ﺍﻟﻮﻃﻦ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ﻭﺍلإﺳﻼﻣﻲ. ﻭالتي ﺗﻢ ﺍﻟﺘﺼﺪﻳﻖ عليها ﻣﻦ ﻗِﺒَﻞْ ﺍﻟﻜﻮﻧﺠﺮﺱ ﺍﻷﻣﺮﻳﻜﻲ ﺑﺎﻹﺟﻤﺎﻉ ﻓﻲ ﺟﻠﺴﺔ ﺳﺮﻳﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻡ 1983ﻡ. حيث كشفت مجلة "كيفونيم" ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺼﺪﺭﻫﺎ "ﺍﻟﻤﻨﻈﻤﺔ ﺍﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ" ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺪﺱ في الرابع عشر من فبراير عام 1982 أي قبل عام، عن وثيقة تتحدث عن كيفية تفتيت وتقسيم العالم العربي والإسلامي.

تذكر هذه الوثيقة -التي ينكرها كثير من المثقفون العرب ويصفونها في كثير من الأحيان وبسطحية تامة "بالبعد عن الواقع والحقيقة" - أن الحدود بين الدول في الشرق الأوسط هي حدود غير مكتملة كما أنها تتحدث وبالتفصيل عن كيفية تقسيم البلدان العربية والإسلامية على أسس عرقية ودينية ومذهبية.

ومن الدول التي تتحدث عنها هذه الوثيقة (العراق -مصر -اليمن وسوريا). ففي العراق تبين الوثيقة ضرورة تقسيمه إلى ثلاث دويلات على أسس طائفية، دويلة شيعية في الجنوب وأخرى سنية في الوسط وثالثة كردية في الشمال، يكون محيطها وفق ما تتحدث به الوثيقة محافظات البصرة وبغداد والموصل.

ويأتي الاحتلال الأمريكي للعراق في إبريل من العام 2003 ترجمة عملية واضحة لتلك الوثيقة، لكن العقبة الأساسية التي واجهت الاحتلال للتقسيم بعد تدميره للجيش العراقي وتعميق الصراع المجتمعي بين الطوائف العراقية هو صعوبة تشكيل دويلات يكون محورها مدن، حتى أننا لم نر في التاريخ أن تقسيمات إدارية صغيرة مثل محافظات أو قطع إدارية أو مدن تمكنت من الاستقلال وتشكيل دويلات كما حصل في الأندلس عندما انقرضت الدويلات التي كان محورها مدن أو تجمع عدة قرى، لهذا حصل تغيير بسيط في المعادلة وذاك عبر دمج عدة محافظات ضمن أقاليم ثم فرض عليها نظام فيدرالي ليسّهل عملية التقسيم.

لذلك ﺻﻮّﺕ ﻣﺠﻠﺲ ﺍﻟﺸﻴﻮﺥ ﺍﻷﻣﺮﻳﻜﻲ في سبتمبر من العام 2007 ﻛﺸﺮﻁ أساسي لإﻧﺴﺤﺎﺏ ﺍﻟﻘﻮﺍﺕ ﺍﻷﻣﺮﻳﻜﻴﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺮﺍﻕ على ضرورة ﺗﻘﺴﻴﻢ ﺍﻟﻌﺮﺍﻕ ﺇلى ﺛﻼﺙ ﺩﻭﻳﻼﺕ وفق نظام الأقاليم وليس المدن، وجاءت الخطوة الأولى من الإقليم الشمالي عندما طالب مسعود برزاني زعيم الإقليم الكردي بضرورة حق الشعب الكردي بتقرير مصيره في إقليم كردستان العراق.

أما ما يجري اليوم من ثورة سنية ضد الوجود الشيعي في العراق باسم "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام" فينبئ بمخاطر استقلال الإقليم الشيعي بدويلة تدعمها إيران في الجنوب.

وفي اليمن تناقش الوثيقة كيفية تقسيم هذا البلد، وذاك عبر كيفية "ﺇﺯﺍﻟﺔ ﺍﻟﻜﻴﺎﻥ ﺍﻟﺪﺳﺘﻮﺭﻱ ﺍﻟﺤﺎﻟﻲ (في ذاك الوقت) ﻟﻠﺪﻭﻟﺔ ﺍﻟﻴﻤﻨﻴﺔ ﺑﺸﻄﺮﻳﻬﺎ ﺍﻟﺠﻨﻮﺑﻲ ﻭﺍﻟﺸﻤﺎﻟﻲ ﻭﺍﻋﺘﺒﺎﺭ ﻣﺠﻤﻞ ﺃﺭﺍﺿﻴﻬﺎ ﺟﺰﺀاً ﻣﻦ ﺩﻭﻳﻠﺔ ﺍﻟﺤﺠﺎﺯ"

إذ تم تشطير ﺍﻟﻴﻤﻦ أولاً ﺇﻟﻰ شمالي ﻭجنوبي بحدود ﻋﺎﻡ 1990ﻡ، واليوم ساهم التأجيج الطائفي في اليمن إلى تغيير منظور تقسيم اليمن. حيث ﺃﻋﻠﻨﺖ ﻟﺠﻨﺔ ﺍﻷﻗﺎﻟﻴﻢ ﺍﻟﺘﻲ ﺷﻜﻠﻬﺎ ﺍﻟﺮﺋﻴﺲ ﺍﻟﻴﻤﻨﻲ "ﻋﺒﺪﺭﺑﻪ ﻣﻨﺼﻮﺭ ﻫﺎﺩﻱ" ﻓﻲ ﺻﻨﻌﺎﺀ ﻋﻦ ﺗﻘﺴﻴﻢ ﺍﻟﻴﻤﻦ ﺇﻟﻰ ﺳﺖ ﺃﻗﺎﻟﻴﻢ ﻓﻲ ﺩﻭﻟﺔ اﺗﺤﺎﺩﻳﺔ، وذاك في نهج لا يختلف عن النهج الفيدرالي الذي رسخته الولايات المتحدة الأمريكية في العراق.

وتشمل هذه الأقاليم إقليم ﺣﻀﺮﻣﻮﺕ ﻭﻋﺎﺻﻤﺘﻪ ﺍﻟﻤﻜﻼ وﺇﻗﻠﻴﻢ ﺳﺒﺄ ﻭﻋﺎﺻﻤﺘﻪ ﺳﺒﺄ وﺇﻗﻠﻴﻢ ﻋﺪﻥ ﻭﻋﺎﺻﻤﺘﻪ ﻋﺪﻥ وﺇﻗﻠﻴﻢ ﺍﻟﺠﻨﺪ ﻭﻋﺎﺻﻤﺘﻪ تعز وﺇﻗﻠﻴﻢ ﺃﺯﺍﻝ ﻭﻋﺎﺻﻤﺘﻪ ﺻﻨﻌﺎﺀ وﺇﻗﻠﻴﻢ ﺗﻬﺎﻣﺔ ﻭﻋﺎﺻﻤﺘﻪ ﺍﻟﺤﺪﻳﺪﺓ.

وهذا التقسيم بدوره سيشغل اليمن في صراعات طويلة الأمد تؤرق الجيش اليمني ولن تنتهي إﻻ بقيام عدة دويلات وجيوش وذلك بسبب سوء توزيع الموارد في الأقاليم وطمع دولي ببعضها مثل إقليم حضرموت، بالإضافة إلى الصراع الذي سيتعمق بين الزيدية في إقليم أزال والتي ستشكل حكومة المركز -وبين الطائفة السنية في بقية الأقاليم في خط مرسوم شبيه بما حصل في إقليم صلاح الدين السني في العراق. أما الأقاليم الأخرى التي لم تتلوث بصراع طائفي فسيتم زجها في صراع مناطقي وإقليمي.

وقد كتبت ﺟﺮﻳﺪﺓ ﺍﻟﺮﻳﺎض بهذا الشأن "أﻥ ﺗﻘﺴﻴﻢ ﺍﻟﻴﻤﻦ إﻟﻰ ﺳﺘﺔ أﻗﺎﻟﻴﻢ أﻣﺮ إيجابي ﺳﻴﺤﻘﻖ ﻟﻠﻴﻤﻦ ﺍﻻﺳﺘﻘﺮﺍﺭ ﻭﺍﻟﻨﻤﻮ ﻭﺭﺑﻤﺎ ﺳﺘﻜﻮﻥ ﺗﺠﺮﺑﺔ ﺍﻟﻴﻤﻦ حل ﻟﻤﺸﺎﻛﻞ ﺩﻭﻝ ﻋﺮﺑﻴﺔ أﺧﺮﻯ ﻣﺜﻞ ﺍﻟﻌﺮﺍﻕ ﻭﺳﻮﺭﻳﺎ ﻭﻣﺼﺮ ﻭﻟﻴﺒﻴﺎ… "

في إشارة واضحة إلى أن الفيدرالية التي جلبتها الولايات المتحدة إلى العراق هي قدر الدول العربية إن لم تعي ضرورة الاستيقاظ.

أما عن مصر وسوريا فقد كانتا ولا زالتا من أكثر الدول العربية تماسكاً، لهذا تحدثت الوثيقة مطولاً وبالتفصيل عن ضرورة تقسيم مصر إلى دويلات منفصلة، لكن تم تأجيل العمل على هذه الرقعة الجغرافية بالذات بحكم وجود معاهدة السلام مع إسرائيل في عهد مبارك. لكن مع اندلاع الربيع العربي والإطاحة بمبارك وذهاب الإخوان في القيادة الجديدة لمصر في العمل على تثبيت مشروعهم الإسلامي، بدأت إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة تسعيان للإطاحة بأول تجربة إسلامية عربية في العصر الحديث حتى لا يعمم نجاح هذه التجربة إلى بقية بلدان الربيع العربي، لذا اتسع الشرخ بين مسلمي مصر ومسيحيها عبر تصاعد الأحداث الدامية بين الأقباط والمسلمين بتغذية طائفية واضحة.

لكن عدم استقرار المنطقة وتسارع الأحداث لم يكن مشجعاً لإسرائيل والولايات المتحدة على زيادة التوتر على حدود إسرائيل الغربية في ظل تصاعد التهديد الإيراني لحدودها الشمالية والشرقية عبر سوريا وحزب الله لذا تمت إعادة الدكتاتورية العسكرية لمصر عبر الإطاحة بالرئيس "مرسي" وتنصيب "السيسي" بديلاً، فتم تأجيل العمل على المخطط المصري في هذا الوقت.

وما يجري في سيناء اليوم من صراع دموي بين تنظيم الدولة الإسلامية "ولاية سيناء" في مواجهة القوات المصرية ينبئ بمخاطر تحرك دولي يهدف لجعل سيناء منطقة معزولة السلاح وذات حكم ذاتي، وإن تم ذلك فستكون الخطوة الأولى لتطبيق الوثيقة في مصر قد بدأت.

بالمسطرة والقلم

 سوريا هي فسيفساء من الأقليات المتعايشة لأكثر من سبعة آلاف عام وتعتبر واحدة من أكثر الشعوب العربية والإسلامية التي حافظت على ثقافتها وعلى صحة لسانها العربي رغم حملات الطمس الثقافي التي سعت لنشرها الدول المتحاربة عليها والتي احتلتها قروناً عديدة وبأسماء متعددة من التتريك إلى الفرّنسة مروراً بالفرنجة إلى الأمركة التي تبثها الولايات المتحدة الأمريكية من خارج الحدود في حملها لواء العولمة في العصر الحديث.

لذا هذا التماسك الذي عززته النفسية الثقافية للسوريين والمتوارث عبر آلاف السنين، يذكرنا بالتخوفات التي أطلقها قادة مؤتمر كامبل -بنرمان في الخشية من الخطر القادم من الدول العربية ذات الطبيعة الثقافية المتماسكة، وهو ما دفع سوريا لتكون من بين المستهدفين للتقسيم والذي لم يرسخه نظام البعث كما يدعي أولئك الذين يعانون من عقدة الولاء للدكتاتور.

فحصة سوريا من وثيقة 1982 هو ﺗﻘﺴﻴﻤﻬﺎ إلى أربع دويلات ﻣﺘﻤﺎﻳﺰﺓ عرقياً ﻭدينياً ﻭمذهبياً وهي "ﺩﻭيلة ﻋﻠﻮﻳﺔ ﺷﻴﻌﻴﺔ على ﺍﻣﺘﺪﺍﺩ ﺍﻟﺸﺎﻃﺊ وﺩﻭيلة ﺳﻨﻴﺔ ﻓﻲ ﺣﻠﺐ وﺩﻭيلة ﺳﻨﻴﺔ ﺣﻮﻝ ﺩﻣﺸﻖ وﺩﻭيلة ﺍﻟﺪﺭﻭﺯ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﻮﻻﻥ ﻭﻟﺒﻨﺎﻥ"

فالربيع السوري واندلاع الثورة في سوريا كان من البديهيات التي تمليها حركة التاريخ، إذ لا نجد مبالغة في القول إن طول أمد الصراع في سوريا لأكثر من أربعة اعوام في حين لم يتجاوز الشهور في بلدان عربية أخرى هو مقصود وبطريقة مدروسة وبدقة عالية، والهدف منه تهيئة المقدمات الأساسية للتقسيم والتي ذكرناها سابقاً، فضلاً عن أسباب أخرى أملتها سياسة التحالفات التي انتهجها النظام السوري طوال سنين حكمه.

فنتيجة لهذا التوجه الدموي الذي انتهجه رجالات البعث في البلاد، استغلت الدول الطامعة بالبلاد هذا الصراع وأخذت تغذي طرفيه طائفياً وعرقياً وتسعى جاهدة لتطيل أمده قدر الإمكان حتى تتمكن من إيجاد حالة من التوازن بين الطرفين المتقاتلين يفرض في هذه المرحلة معادلة (لا غالب ولا مغلوب) ليفني الطرفين نفسيهما ويعاد تالياً صياغة وترتيب الجيش السوري المصنف عالمياً كأحد أقوى الجيوش وفق نموذج معين بعد الصراع. والأهم من ذلك لدفع السوريين لقبول أية حلول استسلامية تأتي من الخارج لتنهي عذاباتهم حتى لو كانت على حساب تقسيم البلاد.

 فالواقع الميداني يثبت ذلك، إذ إنه كلما تقدمت الفصائل المعارضة وسيطرت على مناطق حساسة وحيوية نجد أن الدول الداعمة لها عربية كانت أم غربية تذهب نحو تقليص مستوى الدعم، كما أن الدعم المقدم للفصائل المعارضة ﻏﺎﻟﺒﺎً ﻣﺎ يقدم لجماعات معينة دون غيرها، حيث ﻳﺆﻛﺪ ﻣﻘﺎﺗﻠﻮ ﺍﻟﻤﻌﺎﺭﺿﺔ أﻥ ﺣﺼﻮﻟﻬﻢ ﻋﻠﻰ أﺳﻠﺤﺔ ﻣﻀﺎﺩﺓ ﻟﻠﻄﻴﺮﺍﻥ ﻭﻟﻠﺪﺭﻭﻉ إن تم سيسمح ﻟﻬﻢ ﺑﻘﻠﺐ ﻣﻴﺰﺍﻥ ﺍﻟﻘﻮﻯ ﻟﻤﺼﻠﺤﺘﻬﻢ، إﺫ أﻥ ﻗﻮﺍﺕ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺴﻮﺭﻱ ﺗﺴﺘﺨﺪﻡ ﺍﻟﻘﺼﻒ ﺍﻟﺠﻮﻱ، ﺑﻤﺎ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺭﻣﻲ ﺍﻟﺒﺮﺍﻣﻴﻞ ﺍﻟﻤﺘﻔﺠﺮﺓ ﻣﻦ ﻋﻠﻰ ﻣﺘﻦ المروحيات، لكن رفض تلك الدول لتقديم تلك الأسلحة النوعية تحت حجج وذرائع واهية يرسم مخطط نسف الطرفين بشكل واضح.

 واليوم نعي كسوريين جيداً أن انهيار الجيش واﻟﺒﻨﺎﺀ ﺍﻟﻌﺮﻗﻲ ﻟﺴﻮﺭﻳﺎ جعلها ﻋﺮﺿﺔ ﻟﻠﺘﻔﻜﻚ، إذ وبكل أسف يمكن القول إننا أمام بقايا جيش سوري، حيث قضى في الصراع أكثر من مليوني شخص وفق ما أعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان غالبيتهم من المدنيين ومن الفصائل المتصارعة بكلا الطرفين. وأن الغالبية العظمى من تشكيلة الجيش السوري اليوم هي محسوبة على طائفة معينة من أبناء سوريا ومن مرتزقة جاءوا من دول أجنبية نصرة لطائفتهم، يشجعهم في ذلك ما سعى إليه النظام السوري من تجييّش جميع المكونات الشيعية في العالم لنصرة نظامه. إذ ساهم هذا البعد الطائفي في زيادة القتل وخلق حالة من الحقد الجمعي بين جميع الطوائف.

في هذا ذهب الباحثون والمحللون وفي وسائل الإعلام العربية والغربية بالحديث المتكرر عن التقسيم وكثر بالتحديد الحديث عن دولة علوية في الساحل.

حيث صرح في 2013 مسؤول إسرائيلي أن "إسرائيل تدرس بناء مخيمات للعلويين في الجولان" في إشارة إلى أنه لا مكان للعلويين في مستقبل سوريا وأن الشعب لن يقبلهم كمكون من مكوناته بعد الثورة. 

لكن الحديث عن دولة علوية يبدو مبالغاً به "حتى هذا الوقت"، فلو تم إعلانها في هذا الوقت فإنها لن تكون أكثر من "جيب دولي" لا يحمل مقومات دولة، لأن الدول عبر التاريخ لم تعترف بهكذا نمط من الدول المشكلة ما أدى إلى تلاشيها وموتها بسرعة.

لهذا وللخروج من فكرة الجيوب الدولية والمدن كان من الضروري لزعماء التقسيم محاكاة الواقع حتى تسهل العملية عليهم، وذاك بالانتقال من مفهوم الدولة البسيطة إلى مفهوم الدولة المركبة وتقسيم سوريا إلى عدة أقاليم للمساهمة بتدمير ما تبقى من الدولة ولترسيخ مفهوم الصراع المناطقي في المناطق التي لم تتلوث بصراع طائفي أو لا يوجد فيها طوائف كما حصل في اليمن.

فاليوم البلاد تُرسم ملامحها بمهارة وببطء شديد من قبل الدول الداعمة للمعارضة والنظام على حد سواء، وكل دولة تحاول ترتيب الإقليم الذي يغذي مصالحها. إذ أن هناك ﺗﻘﺎﺳﻢ لمناطق ﺍﻟﻨﻔﻮﺫ ﺗﻘﺮﺭ ﺑﻴﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺪﻭﻝ وبشكل واضح.

وتعد غرفة عمليات (الموك) العسكرية التي تقوم عليها مخابرات عدة دول مثل المخابرات الأمريكية والأردنية والسعودية والإماراتية واستخبارات بعض الدول الأوروبية مثال واضح، إذ قامت هذه الغرفة بتقسيم سوريا إلى خمس جبهات (جبهة الشمال-الجبهة الشرقية-الجبهة الجنوبية-الجبهة الوسطى – جبهة الساحل) ويتركز الدعم العسكري الآن وبقوة على جبهتي الشمال والجنوب، ومن هذه الغرفة يخرج الدعم العسكري واللوجستي للفصائل العسكرية المعارضة الموقعة على ميثاق هذه الغرفة.

فالولايات المتحدة الأمريكية رسمت وفرضت من الآن إقليماً كردياً في شمال شرق البلاد وهذا أصبح واقعاً لا جدال فيه وسيلقى الحماية والدعم الأمريكي عند انتهاء الحرب لا محالة، كما حصل في الإقليم الكردي في العراق. وما يدلل على ذلك عدم سماحها للقوات التركية بضرب الأكراد شمال سورية والاقتصار على توجيه ضرباتها لمقاتلي الدولة الإسلامية.

كما يُرسم الآن إقليم شيعي على طول الساحل لتثبيت وحماية العلويين في سوريا، وفي حال تم هذا الإقليم سيكون بحماية دولية تتزعمها دول مثل روسيا والصين وإيران اللذين سيسعون إلى حماية حليفهم ومصالحهم في المتوسط.

أما الإقليم الشمالي الذي لم ترسم حدوده النهائية بعد فسيكون تحت الحماية التركية والقطرية، إذ أن ﻗﻄﺮ ﻭﺗﺮﻛﻴﺎ ﺗﻘﻮﻣﺎﻥ ﺑﺎﻟﺘﻨﺴﻴﻖ ﻣﻊ ﺍﻟﻤﻘﺎﺗﻠﻴﻦ ﺍﻟﻤﻌﺎﺭﺿﻴﻦ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺠﺒﻬﺔ ﺍﻟﺸﻤﺎﻟﻴﺔ ﺍﻟﻘﺮﻳﺒﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﺪﻭﺩ ﺍﻟﺘﺮﻛﻴﺔ ولهما القيادة على هذا الإقليم. وتحاول تركيا أن تمد سلطة نفوذها على الإقليم الكردي، وما نراه من تحشدات عسكرية والتلويح بالتدخل العسكري المباشر في الشمال السوري لفرض منطقة عازلة ليس أكثر من صراع على النفوذ لاقتسام الكعكة السورية.

أما في الجنوب فيتم الآن صياغة الإقليم بتروٍ وبحذر تام وبدعم وتوجيه وقيادة من السعودية، حيث ﺗﺘﻤﺘﻊ ﺍﻟﺴﻌﻮﺩﻳﺔ ﺑﺘﺄﺛﻴﺮ كبير في الجبهة ﺍﻟﺠﻨﻮﺑﻴﺔ بالتنسيق ﻣﻊ ﺍلأﺭﺩﻥ وبدفع إسرائيلي، إذ تعد المنطقة الجنوبية عموماً أكثر منطقة تصب عليها أمريكا اهتمامها لأهميتها ولقربها من إسرائيل والأردن كما أن لكلا الطرفين مشاريعهما فيها وجل اهتمامهما هو تأمين حدودهما.

وشجعت هذه الدول ﻋﻠﻰ ﺗﻮﺣﺪ ﺍﻟﻔﺼﺎﺋﻞ ﺍﻟﻤﻘﺎﺗﻠﺔ فيها، وقطعت شوطاً كبيراً ومهماً في ذلك.

وتسعى هذه الدول ليس فقط لرسم الحالة العسكرية وإنما أيضاً تعمل منذ مدة على ترتيب الواقع المدني والإداري والاقتصادي فيها باسم "الإدارة المدنية في الجنوب".

حيث تكون نواة هذا الإقليم المقرر تشكيله محافظة درعا ويتبع لها كل من محافظة القنيطرة والريف الجنوبي من دمشق بالإضافة إلى القرى الجنوبية والغربية من السويداء، وقد تزداد المناطق المكونة لها أو تنقص وفق تطور الأحداث.

والخطوة المبدئية لولادة هذا الإقليم هو دمج كلٍ من محافظتي درعا والقنيطرة إدارياً. حيث تسعى هذه الدول بالتعاون مع الحكومة المؤقتة لترسيخ الفكر الإقليمي عبر تشكيل مديريات ومؤسسات في محافظة درعا والقنيطرة باسم "الجنوب" تمهيداً لدمج تام للمناطق المذكورة.

وفي حال انتهت هذه الدول من تقاسم مناطق نفوذها سيصار لاحقاً إلى العمل لتشكيل حكومة مركزية هزيلة في الوسط لا تمتلك سوى اسمها كما في نظيرتها العراق والتي ستدير البلاد في ظل نظام فيدرالي لا يحمل سوى اسمه.

تعليقات

 

Warning: session_set_save_handler(): Cannot change save handler when headers already sent in /home/alsouria/public_html/archive/includes/session.inc on line 242

Warning: session_id(): Cannot change session id when headers already sent in /home/alsouria/public_html/archive/includes/session.inc on line 266