دعها لبوتين (والمرشد الأعلى)

صورة ديفيد روثكوبف

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

6/10/2015
Foreign Policy

(ترجمة السورية نت)

عندما قابل الرئيس الإيراني حسن روحاني الصحفيين في نيويورك يوم الجمعة، حاول جاهداً أن يشير إلى أن إيران وروسيا لا تشكلان تحالفاً في سورية. فقد كانتا تتشاركان الاستخبارات، وتناقشان الاستراتيجيات. وكانتا على اتصال مستمر. ولكن تحالف؟! لا.

بعد يومين، أعلنت الحكومة العراقية أنها أيضاً تشارك الاستخبارات مع روسيا وإيران وسورية. ولذلك ربما روحاني كان حرفياً بطريقة مختلفة عندما تنصل من كونه في تحالف مع روسيا – لأن ما كان متورطاً فيه حقيقة هو تحالف مع روسيا والعراق وسورية.

أثناء مناقشته لتحالف "عدم التحالف"، لم يتردد روحاني في التأكيد على اتساق وجهات نظر بلاده بشأن الوضع في سورية مع وجهات النظر الروسية. ووصفها بأنها "مرآة" لبعضها بعضا. ثم، في سرد للمحادثة التي أجراها مع فلاديمير بوتين قبل الحشد العسكري الروسي الأخير في سورية، تحدث عن رغبة الرئيس الروسي المعلنة في التورط في هذا البلد من أجل شن حملة "أكثر فعالية" ضد "الدولة الإسلامية".

ربما تسأل، أكثر فعالية مِن مَن؟ (هل حقاً عليك أن تسأل؟) فالتضمين كان واضحاً. بوتين، والذي ينظر إلى الانهيار في سورية على أنه قضية محلية يرى النظام في دمشق حاجزاً ضد انتشار التطرف إلى داخل روسيا، ولا ينتظر الكثير من الجهود التي تقودها الولايات المتحدة ضد "داعش". في الواقع، أثناء خطابه للجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الإثنين، لمّح بوتين أن الولايات المتحدة لا تقوم بأي شيء لمقاتلة "داعش" في سورية، قائلاً، "يجب علينا الاعتراف بأنه لا أحد سوى قوات الأسد المسلحة والميليشيات الكردية تقاتل فعلاً الدولة الإسلامية والمنظمات الإرهابية الأخرى في سورية".

ومن المثير للاهتمام، أن روحاني قال أيضاً إن بوتين أخبره بأنه سمح لباراك أوباما بمعرفة خططه ليزيد من حرارة المحادثات مع الرئيس الأمريكي. وهذا مقلق لأن الولايات المتحدة تبدو غير مستعدة إطلاقاً للتصعيد الروسي، على الرغم من أن البيت الأبيض حصل على ما يبدو على تنبيه من رئيس لرئيس أن هذا كان قادماً.

في الواقع، وفقاً لتقارير حديثة مثل تقرير واشنطن بوست، فأوباما، من جهته، لا يزال يحاول معرفة ما هو الإجراء الناقص التالي الذي يجب أن يقوم به في سورية – هل يجب أن يرسل تغريدات أكثر من مجلس الأمن القومي أو ربما يلقي خطاباً آخر حول سوء الخيارات الموجودة في تلك البلاد؟ بالتأكيد لم يقدم خطابه أمام الجمعية يوم الإثنين أية إجابات واضحة – حول أي شيء. (بالنسبة لأولئك الذين لم يسمعوه، هذا ملخص لتصريحات أوباما في الأمم المتحدة: "صباح الخير. كب كيك. حصان وحيد القرن. قوس قزح. بوتين لئيم. شكراً جزيلاً لكم...").

ربما بخسته حقه. فعلى الرغم من حقيقة أن جهودنا ضد "داعش" غير فعالة بشكل واضح، والمخابرات ليست على مستوى، وأن الجماعة المتطرفة تكتسب فعلياً قوة في الطرق المهمة (انظر قصة نهاية الأسبوع في صحيفة نيويورك تايمز)، ربما يكون هذا كله جزء من خطة كبرى من جانب رئيس الولايات المتحدة، فهو يريد الخروج من المنطقة. ولا يريد أن يضع الأحذية الأمريكية على الأرض. هو يريد أن يقوم شخص ما أو مجموعة ما من المنطقة بتحريك الوضع. وهذا بالضبط ما يحصل عليه.

أظهر بوتين مراراً أنه لن يتردد في التدخل البري (حتى لو قاوم بشكل دوري إغراء إرسال قواته وهم يرتدون أجزاء أخرى من زيهم العسكري – على سبيل المثال، شاراتهم كما حدث في أوكرانيا). ولم تبد إيران أيضاً أي تردد في توسيع نفوذها في المنطقة إما عن طريق مستشاريها العسكريين أو محاربي وكيلها أو باستخدام الوسائل الاقتصادية أو السياسية أو الاستخباراتية المتاحة لديها. في الواقع، ووفقاً لمسؤول إسرائيلي كبير، تعتقد حكومة بيبي نتنياهو أن إيران نقلت حوالي 1500 من القوات إلى سورية في الأيام الأخيرة. الحكومات في دمشق والعراق كانوا ممنونين لفترة طويلة للطف الوافدين من طهران وموسكو. كل من هذه الجهات ترى صعود "الدولة الإسلامية" والحرب الأهلية في سورية تهديداً مباشراً وجدياً لمصالحها الأساسية (بطرق لا يراها آخرون مع حصص بالوكالة في سورية – مثل تركيا أو السعودية أو قطر).

لهذه الأسباب جميعاً، وبصرف النظر تماماً عن أحدث مواجهات بوتين، فرئيس الولايات المتحدة ومستشاروه يجب أن يكونوا على دراية تامة بأن أكثر الناس الذين من المرجح أن يلبوا أمانيهم ويسارعوا إلى التعامل مع "داعش" لابد أن يكونوا في تحالف "عدم التحالف" هذا. وبما أن الولايات المتحدة لم تقم إلا بخطوات لتقوية الإيرانيين المتأخرين في التعامل بلين مع القضايا التي قد تضعنا في مواقف أكثر عدائية وجهاً لوجه مع بوتين وبشار الأسد والعراقيين، فيبدو من الواضح أن الرئيس مرتاح تماماً في إفساح المجال لهم لفعل ما فعلوه.

أصبحت خطة أوباما الآن واضحة. سنترك سورية والعراق للروس وللإيرانيين. كلا البلدين اللتين مزقتهما الحرب في فوضى. وليست هناك إرادة سياسية لدى الولايات المتحدة للتورط أكثر. ما الخطأ الذي يمكن أن يحدث؟! ما هي الآثار الطويلة الأجل التي يمكن أن تحدث نتيجة السماح للروس والإيرانيين بمواصلة استراتيجياتهم الواضحة، وبالتالي الناجحة حتى الآن في توسيع نطاق نفوذهم في أحيائهم المتداخلة من خلال توسيع الصدوع داخل جيرانهم ومن ثم التقدم واكتساب النفوذ على قطع هؤلاء الجيران، مما يضعف أيضاً خصومهم؟ وهو النهج الذي أعطى روسيا أجواءً من جورجيا وأوكرانيا، وأظهر استعراض العضلات في بيلاروسيا ودول البلطيق. ذلك هو النهج الذي وسع النفوذ الإيراني من لبنان إلى اليمن (ناهيك عن سورية والعراق بطبيعة الحال).

بغض النظر عن أن روسيا قد نصبت نفسها بعنف كمنافس للولايات المتحدة في العالم وعن أن بوتين لديه بطاقة واحدة ليلعبها للحفاظ على نسبة 80 % من التأييد له في بلده – وذلك بسبب الكارثة الاقتصادية والديموغرافية المحلية – وتلك البطاقة هي " استعادة العظمة الروسية" من خلال العدوان في الخارج. وبغض النظر عن أنه سحق الديمقراطية، وكثّف الإنفاق العسكري بصورة كبيرة، وحدث قواته النووية، وهزّ سيفه بعنف. وبغض النظر عن أن التوازن الحرج بين السنة والشيعة في الشرق الأوسط يتآكل، بينما يتكبد أهل السنة نكسة بعد أخرى (كثير منها ألحقوه بأنفسهم) وأن كل خسارة سنية تقابل بمكسب إيراني تقريباً. وبغض النظر عن أن هذين الإثنين من أكثر اللاعبين خطورة في العالم، وكلاهما على رأس قائمة الخصوم المحتملين الذين يقلق رؤساؤنا في البنتاغون حيالهم. فقد انتقلنا من عقلية الفوز بأية تكلفة في الحرب العالمية الثانية إلى عقلية الهرب بأية تكلفة في سنوات أوباما.

 في حين يشيد من يصفون أنفسهم بالواقعيين بضبط النفس، وإتقان الرئيس منقطع النظير في التركيز على الجانب السلبي لأي إجراء أمريكي محتمل، وفي حين أن المدافعين عن أوباما سينصرفون بلا شك إلى الحجة المشروعة دائماً أن كارثة الغزو في العراق لعبت دوراً كبيراً في إيصالنا إلى ما نحن فيه اليوم، فإنهم يهملون حقيقة حرجة. ما حدث قد حدث. ونحن ما نحن عليه. دعونا نقول بأن العراق كانت كارثة. ودعونا نقول بأن الربيع العربي قد جُرح بشكل كبير في جزء من الأنظمة التي أهملت التزاماتها تجاه شعوبها وتجاه الحداثة. ودعونا نقول إنه ليس لدينا خيارات جيدة في سورية.

عندما يُترك رئيس أمريكي مع وضع رديء وبدون خيارات جيدة، عندها تبقى ضرورة معرفة الطريقة الأمثل لجعل مصالح الولايات المتحدة تستمر قدماً. (شبح المقاتلين الأجانب، وتيار اللاجئين إلى أوروبا، والعواقب الاستراتيجية للسيطرة طويلة الأمد على الشرق الأوسط كل هذا يؤكد أن لدينا، حقيقيةً، مصالح طويلة الأمد، وأن حجة "إنها ليست مشكلتنا" هي مجرد حجة ساذجة وقصيرة النظر).

إجابات "من الصعب جداً" و"لا أريد أن الخوض في هذه اللعبة" ليست إجابات مقبولة لأن ما تنتجه هو بالضبط ما وصلنا إليه: خصوم يستولون على المبادرة ويعدون حركة لإعادة توزيع دائم محتمل للقوة والنفوذ في منطقة مهمة استراتيجياً من العالم. (وبالمناسبة، هذا سيشمل قريباً أفغانستان، وهو مكان آخر تعثرت فيه خطة الولايات المتحدة أثناء المسارعة بالهرب. تسعى إيران بالفعل إلى تأثير أكبر في ذلك البلد أثناء إثارة التعثر والاقتتال السياسي في كابول وظهور "داعش" لشبح عدم الاستقرار المتزايد في تلك الأرض المقصوفة).

وبالمناسبة، لا شيء من هذا يعني أنه سيكون من السهل على الفريق الروسي الإيراني هزيمة المتطرفين. ولا يعني أنني أعتقد أن هذا هو هدفهم الأساس في الوقت الراهن. ما يسعون إليه هو الحصول على نوع من موطئ القدم من شأنه أن يضمن لهم النفوذ الحاسم في أية تسوية سياسية قادمة في سورية. وسوف يكونون قادرين إما على إبقاء الأسد في مكانه أو بدلاً من ذلك، تأمين رئاسته في فترة انتقالية ثم القدرة على تحديد أو الاعتراض على خليفته. وهذا سيضمن لكل منهما ما كانا يريدانه دائماً – النفوذ المستمر في دمشق. هذا ما تتطلبه كل من استراتيجيتهما الإقليمية، ولأن الولايات المتحدة وأوروبا والسنة وحتى إسرائيل سيكونون جميعاً سعداء تماماً بالمقايضة من أجل وضع الغطاء على "داعش" وإيقاف تدفق اللاجئين، فيبدو أنه من المرجح أن المناورة الروسية الإيرانية ستنجح. وسيحصلون على ما يريدون، وسيعلن العالم، بما فيهم أوباما، على أنه انتصار.

هل سيعملون بالطريقة نفسها لتحقيق الاستقرار في العراق؟ ربما. ولكن هل سيكون هدفهم هناك استعادة سيطرة بغداد على البلد بأكمله أم فقط ضمان سيطرتها على جزء كبير من البلد؟ وما الذي سيعنيه إذا بقيت "داعش" نشطة ودُفعت إلى الحدود الأردنية؟ وما الذي سيعنيه إذا كانت النتيجة هي التقليل من مصالح السنة في العراق أكثر والتصريح بالتهديد الإيراني لدول الخليج بشكل أكبر بكثير؟ هذه هي الأسئلة التي يجب أن تسألها واشنطن قبل التخلي عن القيادة لأولئك الذين يفتقرون إلى قيم أوباما ولكن لديهم الرغبة في القيام بالعمل الذي يتملص منه.

عندما قام ضيوفي في اجتماع تحرير الدائرة المستديرة بمناقشة مَن مِن قادة العالم قام بأفضل عمل للنهوض بنفوذ دولته العالمي خلال سنوات أوباما، كانت النتيجة متقاربة في المرتبة العليا موزعة بين المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وبوتين. المرتبة الثالثة ذهبت إلى رئيس شبه الدولة، أبو بكر البغدادي. وبعبارة أخرى، مثّل الفائزون خصوم الولايات المتحدة والذين استغلوا عدم وجود الرؤية والعزيمة والوحدة بين قادة الغرب لتعزيز مكانتهم الخاصة، إن كانت مكانة الدولة أو مكانتهم ضمن الدولة التي يمثلونها.

لكن، لم يكن ذلك من عمل وسائط موالية. خدم اثنان من الفريق (أنا وروزا بروكس) في إدارات ديمقراطية. وبدلاً من ذلك، أحاديثنا كانت اعترافاً ربما بمغزى أكثر العناصر إثارة للقلق في عالم السياسة الخارجية لأوباما حتى الآن: في الجغرافيا السياسية كما في الفيزياء، "الطبيعة تمقت الفراغ".

تعليقات