ستون يوماً لا تنسى من تاريخ سورية

من مظاهرات دمشق 1936م

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

30 / 1/ 2016
السورية نت
المؤلف: 

شهدت دمشق مع بداية عام 1936م إضراباً عاماً في جميع أرجائها كان من أهم وأطول الإضرابات التي شهدها العالم في ذلك الوقت، بالإضافة إلى دلالات كثيرة أفرزتها أحداثه والمشاركين فيه، وحتى في نتائجه فما قصة هذا الإضراب؟

تبدأ قصة هذا الإضراب عندما أرادت شركة كهرباء دمشق، والتي كانت خاضعة لسلطة الانتداب الفرنسي رفع سعر تذكرة الترامواي([i]) في دمشق نصف قرش، فقام فخري البارودي([ii]) بقيادة احتجاجات ودعا إلى مقاطعة شركة الكهرباء التي تسير خط الترام بدمشق، فتحولت الاحتجاجات إلى مظاهرات، مما دعا السلطات الفرنسية اعتقاله، وقد نفته فيما بعد إلى الجزيرة شمال سورية مع من اعتقلتهم من رفاقه، مما أجج مشاعر الناس، وأعلنوا بدء الإضراب انطلاقاً من الجامع الأموي بدمشق.

أغلقت جميع المحال أبوابها، وامتنع الطلاب عن الذهاب إلى المدارس والجامعات، وراح طلاب الجامعات ينشرون قوائم سوداء باسم الطلاب الذين يداومون في الجامعة، ونصبوا حاجزاً على جسر فيكتوريا لمنع الطلاب من الذهاب للجامعة، مما دفع وزير المعارف حينها لتعليق الدوام فيها.

وقف السوريون وقفة رجل واحد ضد الانتداب الفرنسي، واستمر الإضراب ستين يوماً، ولم تستطع فرنسا بجبروتها أن تفعل شيئاً، رغم الاعتقالات التي قامت بها، ورغم القمع الذي صبته فوق رؤوس السوريين، وامتد الإضراب إلى باقي المدن السورية الأخرى.

حاولت فرنسا إجبار أصحاب المحلات على فتحها، فقامت بخلع الأقفال، وهنا برز أحد (قباضايات) الشام، واسمه أبو أحمد الزيبق([iii])، وأعلن أنه سيقوم بحماية المحلات من السرقة مع مجموعة من زملائه، وذهب وفد منهم لمقابلة البارودي، وأخبروه أن محلات التجار لن تمس مهما طال الإضراب، وعندما سألهم البارودي من أنتم أيها الشباب؟ أجابوا بكل فخر: قطاع طرق!([iv]). فكان مما قيل في ذلك الإضراب إن اللصوص أضربوا فيه عن السرقة أيضاً.

توقفت الحياة العملية في دمشق وفي سائر المدن السورية، ولحق السوريين أذى وجوع([v])، لكنهم شكّلوا لجاناً شعبية لجمع التبرعات، وكان تجار دمشق وأغنياؤها أسخياء، وقدموا الكثير، وقد أعفى أصحاب البيوت المستأجرة المستأجِرين من دفع أجرة بيوتهم، وكانت النساء تجهز المعونات الغذائية واللباس للأسر الفقيرة والمتضررة، ويقمن بتوزيعها عليهم، كما كن يشاركن بتشييع الشهداء بالزغاريد ونثر الورود، حتى الأطفال شاركوا في ذلك الإضراب، وقد كتبت الصحف عن أطفال ملجأ الأيتام الذين جمعوا كل ما لديهم من أموال، فبلغ المجموع ليرتين سوريتين، فتبرعوا بها للحركة الوطنية([vi]).

واعتقل الفرنسيون الرجال والنساء، ولم يوفروا وسيلة لإنهاء الإضراب، لكنهم لم يستطيعوا ذلك، وكانت المناوشات الدامية تكرر يومياً، "أما ساحة المناوشات فكانت تتراوح ما بين شارع جمال باشا والباب الغربي للجامع الأموي - باب سوق المسكية - وكان سلاحنا الحجارة وقذائف الشتائم، وكان خصمنا قوى الأمن والجنود الفرنسيين، وكثيراً ما كانت تتدخل مصفحات الجيش عندما نتغلب على قوات السلطة، وقد سجل رفاقنا الطلاب والشباب من البطولات في هذه المعارك غير المتكافئة ما لم يجر له نظير. كانوا يهاجمون بالحجارة المصفحات التي تمطرهم بوابل من الرصاص. وعندما تشتد وطأة المعركة ويسقط العديد من القتلى والجرحى كنا نرتد إلى الجامع الأموي، فهو قلعتنا التي لا تقتحمها قوات الفرنسيين حرمة وإجلالاً"([vii]).

وعندما وجدت فرنسا أن الوضع كاد يخرج من يدها، وخصوصاً مع توسع التأييد الشعبي والعربي وحتى العالمي للإضراب والمظاهرات السورية ضد الانتداب، طلبت عقد مفاوضات مع الكتلة الوطنية، برئاسة هاشم الأتاسي يوم 28 فبراير/ شباط 1936م في مدينة بيروت حول إيقاف الإضراب وبحث القضية السورية، وفي نهاية المفاوضات أعلن الأتاسي في 2 مارس/آذار 1936م بياناً جاء فيه:

"بعد المحادثات التي دارت بين المفوض السامي ورئيس الكتلة الوطنية والنتائج التي وصلت إليها أصبحنا نعتقد أن القضية السورية دخلت في طور جديد بفضل جهود الشعب النبيل ومثابرته في سبيل حقوقه الطبيعية التي كانت منكرة عليه. وقد وافق الجانب الفرنسي بوثيقة موقعة منه على تنفيذ خمسة أمور جوهرية لم يكن يقرها قبل هذه المحادثات، هي:

1 ـ الموافقة على ألا تقل حقوق السوريين في المعاهدة العتيدة عن حقوق إخوانهم العراقيين في معاهدتهم الأخيرة مع بريطانيا.

2 ـ تصريح الجانب الفرنسي بأنه ليس له مصلحة ما في تجزئة البلاد السورية.

3 ـ الموافقة على نقل ساحة العمل للعاصمة الفرنسية بواسطة وفد من المواطنين يتولى البحث مع المراجع العليا في باريس.

4 ـ إعادة الحياة النيابية الحرة بأسرع ما يمكن على أساس الانتخاب الشعبي.

5 ـ الإلغاء في الحال لجميع الأحداث التي ولّدتها الحالة الحاضرة في البلاد السورية كافة منذ 18 من كانون الأول الماضي أي سنة 1935م إلى الآن، من عفو عن المحكوم عليهم وإعادة حرية المعتقلين وإطلاق سراح الموقوفين وإلغاء التدابير الإدارية المتخذة في معاهد العلم.

ولكي يتمكن الوفد من القيام بالمهمة الشاقة التي توكل إليه نرجو من الأمة النبيلة أن تيسر له جوّاً هادئاً فتعود إلى أعمالها بعد عيد الأضحى 1936م الذي نرجو أن يكون فاتحة خير على هذه البلاد"([viii]).

وبهذا انتهى الإضراب الستيني وبدأت مرحلة جديدة من المفاوضات بين السوريين والفرنسيين، ماطلت فيها فرنسا قدر استطاعتها.

 

[i]  ـ كان في دمشق ترامواي لم نشهده في عصرنا الحاضر، وتقول المصادر إن العثمانيين عندما أدخلوا الكهرباء إلى دمشق في نهاية القرن التاسع عشر، أرادت شركة النافعة تسيير خط ترامواي في دمشق، فاتفقت مع أحد المستثمرين لتنفيذه وذلك عام 1889م، وتم تأسيس الشركة المسؤولة عن الترام، لكن المشروع توقف حتى سنة 1904م، وتم تأسيس شركة تحت اسم "الشركة العثمانية السلطانية للتنوير الكهربائي بدمشق"، وقامت بتنفيذ المشروع شركة بلجيكية، حيث تم مد خطوط الترام بدءاً من منطقة الفردوس إلى حي الميدان وحي الصالحية وإلى مناطق المهاجرين والقصاع ودوما. وتوالى فتح خطوط الترام بعد ذلك إلى دمشق القديمة وارتبطت غالبية مناطق دمشق بشبكة من سكك الترام. لكن كان أحد قرارات حكومة الانفصال عام 1962م، غير المدروسة، حل شركة الترام، واستبدال تلك الوسيلة الحضارية للنقل بالباصات العاملة على المازوت والتي مازالت تنفث سمومها في هواء دمشق حتى يومنا هذا، وكان تبرريهم أنها تعرقل المرور!. انظر: صور قديمة جداً عن مناطق دمشق، على الرابط:

 http://www.syriatoday.ca/old-damascus-2.htm

[ii]  ـ فخري البارودي: زعيم وطني ولد في دمشق سنة 1886م، كان من عائلة عريقة، اشترك في الثورة العربية الكبرى، وفي معركة ميسلون، وكان نائباً عن دمشق، كان مرحاً محباً للدعابة وأديباً وشاعراً، كان من أناشيده المشهورة:

بلاد العرب أوطاني....من الشام لبغدان.

ترك بعض الكتب منها مذكراته في جزئين، توفي في دمشق عام 1966م. انظر: فخري البارودي، أوراق ومذكّرات فخري البارودي، منشورات وزارة الثقافة بدمشق، 1999.

[iii]  ـ لا يُعرف عن أبو أحمد الزيبق إلا أنه كان رجلاً بسيطاً لم تلتفت إليه كتب التاريخ، لكن شمس الدين العجلاني ينقل عن منير العجلاني، أن الزيبق شخصية دمشقية طريفة فهو فقير يأتي بقوت يومه يومياً، وأن العجلاني حين كان نائباً في المجلس النيابي، وفي أثناء دخوله إلى مبنى البرلمان مرتدياً معطفاً شتويّاً، صادف مرور الزيبق من هنالك، فقال له الزيبق: هل يجوز أن ترتدي يا منير العجلاني معطفاً، وأنا لا أضع على جسمي ما يرد البرد، فما كان من العجلاني إلا أن خلع معطفه وأعطاه إلى الزيبق. انظر: شمس الدين العجلاني، الإضراب الستيني والحرامية والنساء، صحيفة الوطن، سبتمبر/أيلول، 2014م.

[iv]  ـ انظر مقال العجلاني نقلاً عن كوليت خوري.

 [v]  ـ انظر مذكرات علي الطنطاوي، والذي يقول: "عاش هذا الشعب الفقير على الخبز وطوى ليله جائعاً من لم يجد الخبز، ثم لم يرتفع صوت واحد بالشكوى، ولم يفكر رجل أو امرأة أو طفل بالتذمر والضجر، بل كانوا جميعاً من العَالم إلى الجاهل ومن الكبير إلى الصغير ومن الرجل إلى المرأة ومن الشيوخ إلى الأطفال، كانوا جميعاً راضين مبتهجين، يمشون ورؤوسهم مرفوعة وجباههم عالية اعتزازاً وفخراً .. ولم يُسمع أن لصاً قد مد يده إلى مال، حتى اللصوص قد شملهم الإضراب فانقطعوا عن صناعتهم".

[vi]  ـ انظر مذكرات أكرم الحوراني، ص 133 ـ 114.

[vii]  ـ انظر: المصدر نفسه، ص 113. على الرغم من إجرام الفرنسيين إلا أنهم لم يقتحموا المسجد الأموي، على عكس ما فعلت قوات الأسد في سورية، حيث هدمت المساجد ودنستها منذ بداية الثورة عام 2011م حتى اليوم، ولا ننسى كيف اقتحمت قواته المسجد العمري في درعا وكيف اقتحمت مسجد الحسن في كفر سوسة بدمشق، والمسجد الأموي الكبير في حلب...وغيرهم الكثير من مساجد سورية.

[viii]  ـ انظر: مذكرات أكرم الحوراني، ص 119 ـ 120.

تعليقات