عن حرب الإرهاب المتجددة في المشرق

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

22/ 08/ 2014
العربي الجديد
المؤلف: 

أثار قرار الرئيس الأميركي، باراك أوباما، إرسال طائراته لمساعدة قوات البشمركة الكردية على صد هجومات داعش في شمال العراق، وعلى حدود عاصمة إقليم كردستان العراق، أربيل، حماس الأطراف المشرقية التي يئست، أو كادت، من سياسة أوباما في السنوات القليلة الماضية، وبعث الأمل لدى العراقيين الذين شاهدوا بأم أعينهم جيشهم "الوطني" المليوني ينهار أمام أول هجوم صاعق لقوى، هي في النهاية ميليشيات مدنية، حتى لو امتلأت كوادرها بالعناصر المدربة والمنظمة. وانتقلت عدوى الحماس بسرعة إلى قادة الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة، الذين وجدوا الفرصة مناسبة لدعوة الأميركيين إلى عدم استثناء سورية من عملياتهم العسكرية.

ربما كان من الطبيعي والمفهوم أن يلاقي استخدام الطائرات الأميركية ضد داعش حماساً متجدداً، بعد الخيبة والإحباط الشديدين، وربما قطع الأمل نهائياً بأن يكون لواشنطن دور إيجابي، في مسار التحولات المأساوية التي يعيشها الهلال الخصيب، الذي أرادت إيران أن تحوله إلى هلال شيعي، فأصبح هلالاً كئيباً كما لم يكن في أي وقت. لكن هذا ليس ما ينتظره "أبناء هذه المنطقة المنكوبة من الولايات المتحدة والقوى الغربية عموماً، لمواجهة أزمة متعددة الأبعاد من أخطر ما واجهه الشرق الأوسط في تاريخه كله. ولا ينبغي لهؤلاء أن يقبلوا أن يتحرر الغرب، وعلى رأسه واشنطن، بهذا الثمن البخس، من مسؤولياته التاريخية الكاوية، تجاه ما يجري في هذه المنطقة التي كانت منطقة نفوذ رئيسي له، منذ الحرب العالمية الأولى، من دون منازع. وهو الذي يتحمل القسط الأكبر من المسؤولية في ما آل إليه مصيرها.

فمن أجل حماية مصالحه الكبرى، وفي مقدمتها أمن إسرائيل وصادرات النفط الحرة، ومواقع التأثير والنفوذ على الحكومات والدول، سعى الغرب، منذ عقود طويلة، إلى شل إرادة الشعوب العربية، وتفريغها من قواها الذاتية، وتحييدها، ووضعها تحت رحمة ثلاث قوى مفترسة، إسرائيل وإيران الخامنئية والنظم العسكرية والأمنية البوليسية، وأحياناً الإرهابية، فقبعت عشرات السنين في مستنقع الخوف واليأس والإحباط والقنوط. التطرف هو النبتة الطبيعية والسامة لهذه البيئة العدوانية. ولا يمكن القضاء عليه بتكبير حجم العيارات النارية. وهذا ما اكتشفه العقيد البريطاني المتقاعد، تيم كولينز، الذي كتب، بعد عودته من شمال العراق، إنه "لا طريقة لإلحاق الهزيمة بداعش إلا بانفضاض السنة والمسلمين في المنطقة عن التنظيم، ولكن المشكلة أن السنة، وهم 90 % من سكان المنطقة، يشعرون باضطهاد شديد، فهم ينظرون حولهم، ولا يرون إلا حكاماً طغاة وفاسدين".

والحال أن الأمور أعقد من ذلك بكثير، فلن يكون من الممكن تجفيف ينابيع التطرف دون مراجعة عميقة للسياسات الخاطئة، التي اتبعها الغرب في هذه المنطقة، منذ أكثر من ثلاثة قرون. أي منذ سياسة الامتيازات التي فرضت على الدولة العثمانية، والتي انتزعت فيها الدول الغربية حق الوصاية على الجماعات المذهبية إلى جانب امتيازات أخرى. السياسات الأنانية الفجة التي لم يلحظ فيها قادة الغرب وجود شعوب، ولا مجتمعات ولا بشر، وإنما فقط ممرات استراتيجية، ومنصات لانطلاق الحملات التأديبية، وفي العصر الراهن، مصدراً للمال السهل والصفقات الخيالية وتجارة السلاح، ومورداً للطاقة الرخيصة، ومطهراً لضمير اكتوى بالشعور بالذنب، ووجد من الأسهل له التحرر من ثقافة العنصرية وجرائم النازية واللاسامية والاستعمار، برمي المسؤولية على الشعوب الضعيفة والمحرومة من أي حماية داخلية أو خارجية.

ليس المطلوب، لا في العراق ولا سورية، الزج بالمقاتلين الذين أدماهم حقد المالكي والأسد الطائفيّ، في محرقة جديدة، أمام التطرف الذي أنتجه تخاذل المجتمع الدولي والولايات المتحدة بالدرجة الأولى. ولكن المطلوب أن يأتي التصدي للتطرف ضمن حل شامل ينهي الحرب، وتتحمل فيه جميع الدول مسؤولياتها السياسية والقانونية، وتبدأ بمراجعة سياساتها الخاطئة التي أوصلت الوضع إلى حالته الميؤس منها في عموم المشرق، ومعالجة المشكلات التي ساهم تأجيلها في تفجير الأوضاع، واختطاف ثورة الشعب ،ونمو التطرف واستقطاب الإرهاب الدولي.

وهذا يستدعي في سورية التي تحولت، اليوم، إلى بؤرة الحرب الإقليمية، قراراً أممياً تحت الفصل السابع، لإجبار جميع الميليشيات الأجنبية، اللبنانية والعراقية والإيرانية والدولية على الخروج من جميع أراضي الجمهورية، وتنظيم مؤتمر سوري تحت إشراف الأمم المتحدة لتشكيل حكومة انتقالية، تحل محل النظام القائم، وتعمل برعاية الأمم المتحدة على لم شمل السوريين، وتوحيد كلمتهم، وتمكينهم من العودة إلى حالة السلام والاستقرار وإعادة الإعمار.