قاسم سليماني في المشرق العربي

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

22/9/2014
العربي الجديد
المؤلف: 

نشرت مواقع للتواصل الاجتماعي وصحف عربية صوراً لقائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، في العراق مع قادة ميدانيين في صور، ومع قادة معممين في صور أخرى. والظهور الإعلامي للجنرال الإيراني قليل، مقارنة بالحديث المتواتر عن دوره القيادي ومهامه الاستراتيجية والتكتيكية خارج إيران. فمن بغداد إلى بيروت، مروراً بدمشق، كان سليماني يعمل حارساً للاستراتيجية الإيرانية في المشرق العربي. سليماني هو ذراع إيران الطويلة في هذا المشرق. والحديث عن حضوره في المشرق العربي هو حديث عن حضور إيران وفاعليتها ودورها.

لا تُنكر إيران تدخلاتها في شؤون جيرانها العرب، بينما، في المقابل، ترى أنظمة عربية أن  تدخلات كهذه في شؤون دول أخرى نوع من العيب السياسي. لم يعد ثمة مجال لأن ينكر أحد هذه التدخلات. صارت الجمهورية الإسلامية تزعم أن هذه التدخلات هي لصالح الحق ومن أجل المستضعفين، وإلى جانب شعوب المنطقة وخلاصها من الغطرسة الإسرائيلية والهيمنة الأميركية. كل السياسيين، بطبيعة الحال، يتحدثون عن الضرورة والواجب في قراراتهم وسياساتهم. أخيراً، أصبحت إيران رفيعة الصوت في ما ستسمح به وما لن تسمح به في المنطقة. حملت على عاتقها مهمة تثبيت بشار الأسد في وجه الثورة السورية التي اندلعت ضده في 2011، ضمن موجات الربيع العربي. قالت إيران للإقليم والعالم "إنه لن يسقط"، وقادت ثورة مضادة في دمشق بكل أدواتها. وتقول لغة السياسيين الإيرانيين إن بلادهم تريد أن تبقى شُرطي المنطقة في نسختها الخمينية، كما كانت كذلك في عهد الشاه.

كانت إيران من الرابحين الكبار من جملة الظروف التي مرت بالمنطقة في العقود الأخيرة، وبالذات التي تعلقت بالخليج العربي، مثل حرب الخليج الثانية وحصار العراق ثم مهاجمته في 2003.. في الحرب الأخيرة على العراق، تخلصت إيران من جارها اللدود في المنطقة، من دون أن تطلق رصاصة، تخلصت عبر آخرين من العراق الجار اللدود لتحصل على العراق الخصب بالأتباع والمصالح.

يمكن تمييز سياسة إيران حيال المشرق العربي بالتالي:
أولاً: أن إيران مدت يدها إلى تنظيمات وأحزاب وميليشيا في دول تضعف فيها سلطة الدولة. هذا التعامل ليس بالضرورة أن يتم عبر الخارجية الإيرانية، فإيران أسندت لفيلق القدس مهمات أكثر استراتيجية وأعلى أهمية.

 

ثانياً: أنها ذهبت إلى دولٍ، تشهد تنوعاً مذهبياً بنسب متقاربة بين سكانها. في لبنان تحديداً، كان النظام السياسي والتمثيل البرلماني طائفياً. مع الوقت، صار جزء من أتباع المذهب الشيعي في هذا البلد العربي، أو ذاك، يتميزون بعلاقتهم مع إيران عن أبناء المذاهب الأخرى من البلد نفسه. في حالات سابقة في لبنان، أيضاً، خلق الموارنة علاقة خاصة مع فرنسا، وفي حالات لاحقة، خلق السنة علاقات خاصة مع السعودية، وبدرجة أقل مع تركيا. في السياسة، وعلى مستوى وطني، حين يتم الاختلاف في الإجابة عن من هو العدو، ومن هو الصديق، فإننا نخلق تمييزاً جوهرياً وفرقاً خطيراً.

ثالثاً: لم تكن إيران تبني تحالفات في الأقطار العربية، بل كانت تخلق ما يشبه الامتدادات العضوية لها في تلك الدول، فعصائب أهل الحق والمجلس الأعلى في العراق، مثلاً، هي منظمات أشرف الإيرانيون على بنائها أو دعمها، وقرب قاسم سليماني من الحالة القتالية العسكرية في العراق دليل على ذلك. علاقة إيران بأنصارها داخل الأقطار العربية ليست علاقة أطرافٍ، اتفقت على مصلحة مشتركة، أو تبادل مصالح، بل هي علاقة يحدد فيها الرأس الإيراني أين هي المصلحة. لم تكن إيران في المشرق العربي على هيئة ضيفٍ ودودٍ، يريد فتح الأسواق، وتحرير التبادل التجاري، وتقوية التعارف الثقافي، بل كانت تريد أن تكون قوةً، تريد أن تُساهم كثيراً في تشكيل هذا المشرق.

رابعاً: لا تُمانع إيران في السعي إلى تعاون مع دول عربية مركزية، وتجنب الاصطدام الحاد والدائم معها، كالسعودية ومصر. فكما مرّت العلاقات السعودية الإيرانية بحالات توتر، مرّت أيضاً بحالات تفاهم وتنسيق. كانت إيران تُبرز وجه الدولة، وتخفي وجه الثورة، أو العكس، حسب النجاعة والمنفعة.

ماذا يعني كل هذا الحضور الإيراني في الجانب العربي، إلى درجة أن يقوم عسكري إيراني بقيادة وتوجيه مقاتلين عرب، قد يقاتلون مقاتلين آخرين من البلد نفسه؟ ماذا يعني أن تكون إيران مؤثرة بسهولة بالغة حتى ساحل المتوسط؟:
أولاً: إن الدولة العربية في المشرق العربي قد فقدت سيادتها لصالح دول أخرى، عبر تنظيمات وأحزاب قد تحوز تمثيلاً في الحكومة ومؤسسات الدولة، إلا أنها قد تبني علاقاتها الخارجية، بعيداً عن هذه الدولة، بل بعيداً عن أدنى درجات التوافق الوطني.
ثانياً: أصبحت المجتمعات العربية على درجة واضحة من الهشاشة أمام أي هجوم مركب، تتنوع أدواته بين العسكري والسياسي والثقافي والاقتصادي.. هذه الهشاشة، بدورها، دليلٌ على أنه ما من مشروع سياسي وثقافي تطرحه النخبة، ويتم نقاشه باستمرار على المستويين، الوطني والقومي، حول الدولة الوطنية والهوية والمواطنة والمجتمع المدني.

ثالثاً: بينما يتم الأمر في إيران عبر مؤسسات، فإن الدولة العربية الحديثة فقدت سلوك الدولة، سلوك مؤسسة الدولة. صارت الأنظمة في معظم الأقطار العربية "عصبة"، تمكنت من هذا البلد أو ذاك، وتريد أن تُديم تمكنها، مهما كلف الأمر، ولو بإحضار قاسم سليماني إلى المشرق العربي.