لبنان عقدة روسية وسورية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المدن
المؤلف: 

بعد 3 أيام على انفجار انتفاضة اللبنانيين ، وصفت صحيفة الكرملين هذه الإنتفاضة ، بأنها "صراع جديد في الشرق الأوسط يهدد مصالح روسيا" . ولم تعد الصحيفة بعد ذلك لتتذكر الإنتفاضة طيلة الفترة الطويلة الماضية ، سوى ما ذكره أحد المشاركين في الطاولة المستديرة ، التي نظمتها الصحيفة منذ أسبوعين بعنوان "العام 2019 ، عام الانتفاضات . روسيا جزء من هذا التوجه ، أم هي جزيرة استقرار؟" . ونقلت الصحيفة عن أحد المساهمين في الندوة قوله ، بأن كل الإنتفاضات ، التي جرت وتجري في العالم ، تميزت "بتفاهة المسببات ، والإستعداد لممارسة العنف" . وحدد هذا الإختصاصي 7 خصائص تتشارك بها هذه الإنتفاضات ، وتتراوح بين تفاهة المسببات والميل السريع للعنف ، وبين التسييس الشديد للمطالب وزوال الفرق بين احتجاج يميني وآخر يساري ، مروراً باتساع حجم الإحتجاجات وإلقاء اللوم على الخارج حين تعجز الدولة عن قمع الإنتفاضة ، وانتهاءاً بالذهاب بالمطالب إلى حدودها القصوى ، ورفع شعار المطالبة بدولة جديدة وعقد إجتماعي جديد ، كما في لبنان والتشيلي، التي تحقق مطلب محتجيها بتحديد موعد لاستفتاء شعبي في الربيع المقبل . 
 

ويبدو أن صحيفة الكرملين قد تعجلت حينذاك في تحديد الموقف من الإنتفاضة اللبنانية ، وذلك منعاً لبروز أي التباس حول حقيقة الموقف الروسي في معاداة الإنتفاضة ، التي فاجأت الجميع ، وأثارت مخاوفهم بشعاراتها الراديكالية ، وحجم المشاركة فيها ونوعيتها . وقد تكون الجيرة مع سوريا ، ملعب روسيا الأساسي في الشرق الأوسط ، هو الذي عجل بإعلان العداء للإنتفاضة والإنحياز الفوري لخصومها ، ووصفها بأنها "صراع جديد " في الشرق الأوسط ، يفترض انخراط أطراف عديدة فيه ، ليست كلها بالطبع مؤيدة للمصالح الروسية . ولم يخرج المسؤولون الروس عن حدود هذا الموقف في مقاربتهم للإنتفاضة اللبنانية ، وأصر جميعهم ، وإن بلغة دبلوماسية ، على التحذير من العامل الخارجي فيها ، وتغاضوا في الوقت عينه عن العامل الإيراني الحاسم في مواجهتها . 
 

وعلى الرغم من ندرة المتابعات الإعلامية للإنتفاضة في الصحف والمواقع الروسية ، إلا أن المتتبع لهذا الإعلام ( باستثناء الإعلام الليبرالي ، على ندرة توفره ، وندرة التفاته للإنتفاضة) لا يسعه إلا أن يلاحظ صمت النصوص الروسية عن الإيجابيات ، التي تفاخر بتحقيقها الإنتفاضة ، وتركيزها على الحديث عن الفشل الحتمي للإنتفاضة ، وعن مخاطر أزمة لبنان على المنطقة ككل . ويبرز هذا الأمر جلياً في عناوين  البعض من هذه الصحف والمواقع :"الأرزة اليابسة : لبنان على حافة الإنهيار المالي . انهيار اقتصاد "سويسرا الشرق الأوسط قد يزعزع المنطقة بأسرها" (الإزفستيا) ؛ "إنهيار إقتصاد لبنان يهدد الشرق الأوسط بكارثة . ما هي خطورة ديون بيروت" (News.ru ) ؛ "الأزمة المصرفية في لبنان تذكر بروسيا في التسعينات(مصادرة أموال الروس بواسطة الإصلاحات النقدية المتتالية) موقع frankrg.com . 
 

من جانب آخر ، ومن خارج سرب الإعلام الروسي ، تحذر الأسبوعية الأوكرانية "ZN" (مرآة الأسبوع) الناطقة بأكثر من لغة في مقالة لها في 22 من الشهر الجاري  من "سورنة" لبنان ، وتقول بأن لبنان دخل دورة جديدة من عدم الإستقرار ، وأصبح مهدداً في التحول إلى سوريا أخرى في الشرق الأوسط . وبعد أن تتحدث الأسبوعية عن مشاكل لبنان السياسية والإقتصادية والديموغرافية ( النازحون السوريون والفلسطينيون) ،التي دفعت اللبنانيين إلى الخروج إلى الشارع ،  تقول الأسبوعية بأنه ينبغي أن نضيف إلى كل تلك المشاكل التأثير السلبي لكل من سوريا وإيران على الوضع الداخلي في لبنان ، والذي لا يمكنه التخلص من هذا التأثير بأية وسيلة . وليس من المستبعد ، برأيها، أن تكون الأزمة اللبنانية نذير عودة تدخل دمشق في الوضع اللبناني. وبما أن روسيا قد تمكنت من إبقاء نظام الأسد بالسلطة ، عليه الآن أن يسدد لموسكو الموارد ، التي استثمرتها فيه . وإذا ما احتاج الكرملين لنقطة ساخنة أخرى في الشرق الأوسط ، فالأزمة اللبنانية هي بالضبط ما تحتاجه روسيا ، على قولها. 
 

وتتساءل الأسبوعية ما إن كان من علاقة ما بين ترسيخ سلطة نظام الأسد في دمشق وانطلاق الإنتفاضة في لبنان ، وتتخوف من إمكانية قيام حزب الله باستغلال الفوضى السياسية القائمة في لبنان ، وحرف الإنتفاضة باتجاه إشعال حرب طائفية جديدة . وتقول بأنه لا ينبغي أن ننسى بان مصالح لاعبين إقليميين ودوليين مختلفين تتقاطع في لبنان . وتشير إلى أن لبنان هو بالنسبة لسوريا مقاطعة منها ، وبالنسبة لإيران ساحة تدريب لمقاتلي حزب الله ، وبالنسبة لروسيا مهم لدفع مصالحها الإستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط . وتفترض بأنه إذا ما تمكنت موسكو، عبر أزلامها في العالم الإسلامي، من إشعال حرب أهلية جديدة في لبنان ، فسوف تتوفر لديها الحجة حينئذٍ للعب دور المدافع عن مصالح المسيحيين ، مع قيامها ، بالوقت عينه ، بمد مقاتلي حزب الله بالسلاح عبر بلد ثالث . لكن المطبوعة تنتبه ، كما يبدو ، إلى استغراقها في شطط الفرضيات ، وتقول بأنه يمكن بناء توقعات مختلفة في هذا المجال ، إلا أنه يبرز بوضوح للعيان سعي الكرملين إلى لعب دور "المصلح" في لبنان . 
 

وبعد أن تستفيض الأسبوعية الأوكرانية في الحديث عن مخاطر المخططات الإيرانية عبر حزب الله على تطور الوضع اللبناني في ظروف انتفاضة اللبنانيين ، تقول بأن سيناريوهات تطور الوضع في لبنان يتحدد أغلبها في الخارج ، ولذلك يستحيل مواجهة الهيمنة الزاحفة لإيران على لبنان ، سوى بمساعدة فعلية من الغرب ، وتستحيل "سورنة" لبنان إلا بالجهود المشتركة .
 

في العودة إلى الإعلام الروسي وموقفه من الإنتفاضة اللبنانية ، تبرز أسبوعية عتاة القوميين الروس الفاشيين "zavtra" في موقع خاص قد لا يجاورها به أي موقع روسي آخر ، وهي التي خصصت منذ أيام عدداً خاصاً كاملاً تقريباً للذكرى 140 لميلاد ستالين،  وترى ضرورة الترجمة الحرفية الكاملة للروسية لخطاب حسن نصرالله الأخير في 13 من الشهر الجاري . لا تشكك هذه المطبوعة لحظة في أن الإنتفاضة هي من صنع الغرب كلياً ، وتقول في سياق العرض الأسبوعي للأوضاع في المنطقة في 23 من الجاري ، بأن الغرب لن يرخي قبضته عن الإنتفاضة اللبنانية ، وسوف يحاول بلوغ هدفه في إجراء انتخابات برلمانية مبكرة لإضعاف إمكانيات "جميع القوى الوطنية "في البلاد" إلى الحد الأقصى . وترى أنه ، في ظل وجود عدد كبير من الجمعيات والتنظيمات ، التي يمولها جورج سورس والمنظمات الغربية الأخرى ، لم يكن من الصعب تجنيد مجموعات مختلفة من المحرضين ودسها وسط المتظاهرين . وتستشهد بكلام جيفري فيلتمان عينه ، لتؤكد أن لبنان هو حلبة صراع بين روسيا والولايات المتحدة . وترى أنه ، في ظل عدم الإستقرار الراهن في العراق وإيران ، تبدو الأزمة في لبنان عنصراً من عملية استراتيجية تستهدف زعزعة الهلال الشيعي من الداخل . 
 

وتختتم الأسبوعية عرضها هذا بالقول بأن مصالح روسيا في الشرق الأوسط ووجودها في سوريا، يحتم على موسكو استباق واشنطن في لبنان ، وذلك بإعداد عملية استراتيجية ، تنفذ عبر عمليات تكتيكية في إطار القانون الدولي ،  وعبر علاقات الصداقة مع القوى الوطنية اللبنانية والحلفاء الإقليميين . 
 

التوقعات والفرضيات والتخمينات ، التي تسوقها المواقع الإعلامية المذكورة أعلاه ، لا تشير سوى إلى حجم المخاطر المحدقة بالثورة اللبنانية ، وحجم القوى الإقليمية والدولية ، التي تستند إليها السلطة اللبنانية في مواجهة هذه الثورة .