ما لم تصلح السياسة لن يصلح الاقتصاد

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

22 أبريل/نيسان 2019
العربي الجديد
المؤلف: 

تشكّل مسألة دعم الأسعار، والتوجه إلى التخلي عنها، موضوعًا للصراع في المجتمعات التي اتبعت هذه السياسة، وتتجه إلى التخلي عنها، إذ يؤثر تخفيضها على مستوى معيشة الفئات الفقيرة في بلداننا، وهي مستويات منخفضة في الأصل، ما يثير اضطرابات اجتماعية وعدم استقرار، وهو أشد ما تخشاه السلطات، وخصوصاً تلك المتمسّكة بالسلطة إلى الأبد. مثلًا، نتابع الآن السجال في مصر بشأن تخفيض دعم الأسعار.

تسمى سياسات دعم الأسعار في علم الاقتصاد "سياسات إعادة توزيع الدخل"، فهي تموّل من الخزينة العامة، وتهدف إلى دعم أسعار السلع ذات الاستهلاك الشعبي، مثل الخبز والشاي والسكر والرز والكهرباء والمشتقات البترولية وغيرها.

وتقدّم هذه السياسة، من جهة، دعمًا لمستوى المعيشة للطبقات الفقيرة تخفّف من آثار تفاوت توزيع الدخل لصالح الفئات الغنية، ولكنها، من جهة أخرى، تحمّل الخزينة العامة أعباءً كبيرة.

وحين تعجز الخزينة العامة عن تغطية هذا الدعم تبدأ بالاقتراض، أو بالاستدانة على المكشوف من المصرف المركزي، أو تصدر نقودًا بأكثر مما يحتاجه الاقتصاد، فينشأ التضخم، والذي يعرّف ببساطه أنه "نقود كثيرة تطارد سلعًا وخدمات قليلة"، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، فتعود الطبقات الفقيرة تدفع تكاليف معيشة على بقية متطلبات حياتها بأكثر من الدعم الذي قدّمته سياسة الدعم لها، لأن السلع المدعومة لا تشكل سوى جزء بسيط من تكاليف معيشة العائلة.

مثلًا، بلغ دعم السلع في مصر، وخصوصا المشتقات النفطية والسلع التموينية في ميزانية 2017/2018 نحو 243.5 مليار جنيه مصري، وقد شكلت وحدها 26.5% من قيمة إيرادات الخزينة العامة البالغة نحو 916 مليار جنيه مصري، وإذا أضيف هذا الرقم إلى أجور العاملين في الدولة وتعويضاتهم (239 مليار جنيه مصري)، وإلى تكاليف خدمة الدين (415 مليار جنيه مصري) فسيبلغ مجموعها 897.7 مليار جنيه مصري، أي ما يعادل 98% من إيرادات الموازنة، فلا يبقى شيءٌ لبقية بنود الإنفاق الجاري والاستثماري في الموازنة، وهي كثيرة، ما يضطر الدولة إلى الاستدانة الداخلية والخارجية، والتي بلغت للعام نفسه نحو 420 مليار جنيه مصري، لتغطية بقية احتياجات الموازنة، والتي بلغت بمجموعها 1336 مليار جنيه مصري، أي شكلت الديون 31% من إجمالي نفقات الموازنة، وهي نسبة مرتفعة.

يؤدي دعم أسعار السلع إلى الهدر، فالسلع الرخيصة يتم هدرها، وأذكر في سورية أن المزارعين كانوا يشترون الخبز لتقديمه علفًا للحيوانات، لأن أسعاره أقل من أسعار العلف، كما تضخمت ظاهرة تهريب المشتقات النفطية، وخصوصاً المازوت من سورية إلى بلدان الجوار، وخصوصا لبنان، بسبب الفارق الكبير في الأسعار، ما حمّل الخزينة السورية مبالغ طائلة عقودا.

أما العيب الكبير في سياسات الدعم هذه، فهو أنها تعطل آلية السوق، وتضعف حوكمة الإدارة العامة، وتضيِّع المؤشرات الاقتصادية التي تساعد على إدارة الاقتصاد. بينما يلجأ الاتحاد الأوروبي، مثلًا في حالات الضرورة، إلى تقديم دعم نقدي للزراعة، ولا يقدم للمزارعين مستلزمات إنتاج بأسعار مدعومة.

من جهةٍ أخرى، يسهم دعم الأسعار في خفض مستويات الأجور، كما يسهم في خفض تكاليف الطاقة (كهرباء أو مشتقات نفطية أو غاز)، وبالتالي خفض كلفة المنتجات، ما يشجع الصناعة وصادراتها. وبالتالي، يؤدي تخفيض الدعم الذي لا يترافق مع حزمة سياساتٍ تواجه الأثر السلبي للدعم إلى رفع التكاليف وتراجع الصادرات، وبالتالي تزايد البطالة.

في سورية مثلًا، رفعت السلطة سعر المازوت في بداية مايو/ أيار 2008 بمعدل ثلاث مرات ونصف، فكانت النتيجة أن تحولت حقول كثيرة، خلال عامين فقط، من خضراء تنتج القمح والقطن والخضروات إلى أراض قاحلة، لأن السلطة لم تتخذ إجراءاتٍ تعويضية. وقد كانت السياسة الاقتصادية في سورية التي اتجهت، بعد سنة 2000، أكثر ضد مصالح الفئات الفقيرة، إضافة إلى الإدارة الفاشلة للاقتصاد أحد أسباب انطلاق الاحتجاجات في 2011.

المشكلة أن البلدان التي طبقت هذه السياسات أو تطبقها، وتسعى إلى تعديلها، إنما تعجز عن إيجاد سياسات بديلة منتجة، تعوّض الفئات الفقيرة عما تفقده، نتيجة تراجع الدعم، فيكون إصلاح السياسات على حساب هذه الفئات، خصوصا أن الدول التي طبقت هذه السياسات كانت تقدّم أجورًا متدنيةً للمشتغلين في القطاع العام، بحجة أن أسعار السلع والخدمات الأساسية مدعومة. وعندما يتم تقليص الدعم لا يتم رفع الأجور سوى بنسبة ضئيلة، لا تعادل آثاره السلبية، فتكون الخسائر مضاعفة.

وتتضاعف الآثار على مستويات معيشة الفئات الفقيرة، عندما يطاول تخفيض الدعم سياسات التعليم والطبابة المجانية التي تقدّم لعموم المواطنين، والتي تستفيد منها الفئات الفقيرة بالدرجة الأولى، فإن شملت سياسات ما يسمّى الإصلاح المالي التي يوصي به البنك الدولي خدمات التعليم والصحة، وهذا حدث غالبًا في بلدان عديدة، فسيضاف تأثيرها السلبي إلى تأثير تخفيض الدعم، وستكون الآثار كارثيةً، ليس على مستويات المعيشة وحسب، بل وعلى الحراك الاجتماعي ككل، لأن التعليم والصحة الجيدة هما سلم الارتقاء الاجتماعي للفئات الفقيرة.
ويؤدي المس بهذه السياسات إلى إغلاق المجتمع على دائرتين، تضم الأولى فئاتٍ واسعة فقيرة تفتقر للتعليم والصحة وفرص العمل جيدة الدفع وظروف العيش اللائقة، بينما تضم الثانية فئات ضيقة غنية، تحتكر التعليم والصحة الجيدة وفرص العمل جيدة الدفع والثروة والعيش الرغيد.

ولكن إن كان من غير الممكن الاستمرار في سياسات دعم أسعار السلع، (ولا أشمل هنا تقديم التعليم والصحة للجميع فتقديمها مجانًا ضروري)، فالطريق القويم لتصحيح سياسة دعم الأسعار لا يكون بقرار إداري، يصدره وزير يجلس في مكتبه، يوقع قراره غير مكترثٍ بنتائجه، بل يكون بوضع سياسة متكاملة، تهدف إلى تنمية اقتصادية، تتوجه خصوصاً إلى قطاعاتٍ تحمل قدرات على النمو، وتطبق على مدى خطة خمسية تحقق زياداتٍ في فرص العمل، وترقية في المنتجات ذات القيم المضافة المرتفعة التي تسمح بزيادات الأجور زيادات حقيقية، والمحافظة على القوة الشرائية للعملة الوطنية.

ومن جهة أخرى، تقليص الإنفاق على قطاعات الجيش والأمن والقطاع الحكومي المتضخم، ورفع كفاءة إدارة القطاع الاقتصادي الحكومي، لتحويله من خاسر الى رابح، وإيجاد مناخ جاذب للاستثمارات، وأن تتخذ مجموعة من السياسات التي تؤثر إيجابًا على توزيع الدخل الوطني، وزيادة حصة المشتغلين بأجر (حصة الأجور) مقابل تخفيض حصة المالكين (الأرباح)، وهذه لها تفاصيل كثيرة. وأن يتم تقليص الدعم، بالتدريج، ضمن خطة تضمن حصول الفئات الشعبية على تعويضٍ متناسب عما تفقده جرّاء تقليص الدعم، إن لم يكن أكثر، وعندما يتحسّن دخل هذه الفئات لا يبقى ثمّة حاجة لدعم الأسعار.

ولكن هذا الطريق القويم لتصحيح سياسات دعم الأسعار في بلداننا مسدودٌ بالفساد ونهب المال العام والإدارة الضعيفة التي تقدم الولاء على الكفاءة، واستمرار سيطرة نخبٍ ضيقةٍ تتحكّم بالقرار الاقتصادي، فتوجه مياهه نحو طواحينها.

ما لم تصلح السياسة لن يصلح الاقتصاد.