مغامرة بوتين الإمبريالية في سورية

صورة سايمون مونتيفيور

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

14/10/2015
The New York Times

(ترجمة السورية نت)

في حزيران عام 1772، قامت القوات الروسية بقصف واقتحام ومن ثم الاستيلاء على بيروت، التي كانت حصن على ساحل سورية التابعة للعثمانيين آنذاك. كان الروس يدعمون حليفهم، الطاغية العربي الذي لا يرحم. عندما عادوا في العام التالي، احتلوا بيروت لما يقرب من ستة أشهر. حينها كما هو الحال الآن، وجدوا السياسة السورية كمرجل يغلي من الصراع بين الأعراق، والتي حاولوا تبسيطها بالمدافع والبارود.

اليوم، لدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دوافع كثيرة في سورية، ولكن علينا أن نأخذ في عين الاعتبار رؤية روسيا لمهمتها التقليدية في الشرق الأوسط، وكيف تعبر عن تفكير الكرملين. وليس فقط الكرملين: بل أيضاً الكنيسة الأرثوذكسية الروسية حيث قال المتحدث باسمها إن تدخل بوتين كان جزءاً من "الدور الخاص الذي لطالما لعبته روسيا في الشرق الأوسط".

روابط روسيا بالمنطقة متجذرة في الدور الذي اتخذته لنفسها كحامية للكنيسة الأرثوذكسية، والتي ادعت أنها ورثت القياصرة البيزنطيين بعد سقوط القسطنطينية عام 1453 – ولهذا السبب سُمّي حكام روسيا بالقياصرة. القيصرية لم تقدم موسكو على اعتبارها روما الثالثة فقط، ولكن أيضاً بوصفها القدس الجديدة، وحامية المسيحيين في البلقان وفي العالم العربي، والذي كان محكوماً من قبل العثمانيين، بما في ذلك الأماكن المقدسة في القدس، بعد عام 1517.

بدأ أول تدخل روسي كبير في عام 1768، عندما دخلت كاثرين العظمى الحرب مع العثمانيين، وأبحر الكونت أليكسي أورلوف، شقيق عشيقها غريغوري، مع أسطول البلطيق عبر مضيق جبل طارق إلى تجمع المتمردين في منطقة البحر الأبيض المتوسط. مع تجنيده للأدميرالات الأسكتلندية، أباد أورلوف الأسطول العثماني في شيسم، وبعد ذلك هيمن الروس مؤقتاً على منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط.

وفي الوقت نفسه، في مصر وسورية (والتي تشمل اليوم لبنان وإسرائيل أيضاً)، رجالها العرب الأقوياء، علي باشا وظاهر العمر، تعاونا للاستيلاء على دمشق من العثمانيين، ومن ثم فقداها. وبدافع اليأس، اتجها إلى أولوف وكاثرين، اللذان وافقا على دعمهما في مقابل حيازة القدس. وقامت سفن أورلوف بقصف المدن السورية، واحتلت بيروت في نهاية المطاف.

وغادروا عام 1774، عندما رمت روسيا حلفائها السوريين في مقابل تنازل العثمانيين عن أوكرانيا والقرم. ومع هذا كان وجود قاعدة شرق أوسطية روسية هو الهدف الاستراتيجي الآن: حيث قامت كاثرين وشريكها الأمير بوتيمكين بضم شبه جزيرة القرم، وأسسا أسطول البحر الأسود هناك، ثم حاولا التفاوض على قاعدة في مينوركا.

رأى خلفاء كاثرين أنفسهم كالصليبيين، مع استطاعة روسيا لحكم القسطنطينية والقدس. في نهاية المطاف كان هذا الطموح هو الذي أدى إلى حرب القرم – مع الشجار على كنيسة القبر المقدس، بين الأرثوذكس الذين تدعمهم روسيا والقساوسة الكاثوليك الذين تدعمهم فرنسا.

أقنعت الهزيمة الروسية عام 1856 ألكسندر الثاني وآخر القياصرة في التوقف عن استخدام القوة العسكرية للسيطرة على القدس، مفضلين الدبلوماسية والقوة الناعمة. ولكن خلال الحرب العالمية الأولى احتلت القوات الروسية شمال فارس وغزت العراق التابعة للعثمانيين، وكانت على وشك الاستيلاء على بغداد. في عام 1916، وزير خارجية نيكولاس الثاني آنذاك، سيرجي سازونوف، فاوض في معاهدة سايكس بيكو، والتي وعدت روسيا باسطنبول وأقسام من تركيا وكردستان، وبحصة في القدس – إمبراطورية الشرق الأدنى التي أفشلتها الثورة البلشفية.

ورث الاتحاد السوفييتي الملحد نسخة علمانية من هذه الأحلام: ففي بوتسدام عام 1945، طالب ستالين "بالوصاية" على طرابلس، ليبيا، وعلى المنطقة التي عرفت لاحقاً بإسرائيل، على أمل الحصول على قاعدة بحرية في البحر الأبيض المتوسط في كلتا الحالتين. وتم صده، ولكن الحرب الباردة جعلت روسيا قوة شرق أوسطية، دعمت جمال عبد الناصر في مصر بـ 50,000 مستشار سوفييتي.

حتى التدخل الأخير، كان آخر قتال تشارك فيه روسيا هو حرب الاستنزاف بين إسرائيل ومصر والتي استمرت من عام 1967 وحتى عام 1970، وخلالها تبارز الطيارون السوفييت مع الإسرائيليين. عندما قام خليفة عبد الناصر، أنور السادات، بطرد الروس، قاموا بزرع ثلاثة من الحكام المستبدين، معمر القذافي في ليبيا، وصدام حسين في العراق، وحافظ الأسد في سورية. وثلاثتهم، يديرون أنظمة لا ترحم شبيهة بالمافيا مختبئة وراء واجهة من الأحزاب الاشتراكية والتخطيط المركزي والطقوس الستالينية، وسرعان ما بدأوا بتبرعاتهم الجديدة: حيث تم التقاط الصور مراراً للأسد والعقيد القذافي وهما يعانقان بود أخوي الأمين العام السوفييتي ليونيد بريجنيف. وتدرب الجنرال الأسد كطيار في روسيا، ومنح موسكو حق الوصول إلى قاعدتها في طرطوس، والتي هي الآن آخر أصولها في المنطقة.

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، انهار النفوذ الروسي واستاءت موسكو بشدة من التدخلات الغربية التي دمرت صدام حسين والعقيد القذافي. منح التراجع الأمريكي من المنطقة الفرصة لبوتين – الذي يرى نفسه في تقليد متواصل للقيادة الشخصية الروسية والقوة الإمبراطورية الوطنية من زمن القيصرية وحتى اليوم – ليقلل من الهيبة الأمريكية وينصب روسيا كحاكم العالم الذي لا غنى عنه. إنقاذ ابن الأسد مع مقاتلة المعارضة و"الدولة الإسلامية" في الوقت نفسه يتوافق مع نضال روسيا ضد الجهاديين الشيشان الذين يتدفقون إلى لافتات الخلافة السوداء – والنجاح في هذا سوف يجلب السيطرة لروسيا في إيران وتركيا، حيث كانت تتمتع بالقوة فيما مضى.

وهذا يبين أن بوتين قد يقوم بمحاكاة حقبة كاثرين ويقايض النفوذ السوري بإنهاء العقوبات الغربية وتأمين شبه جزيرة القرم التي ضمها لروسيا – ولهذا السبب فالاستعراض العسكري يقلق بقاء بوتين السياسي. في بعض النواحي، دفاعه عن مستبد سورية هو دفاع عن سلطته ضد التمرد. صيغة القوة في روسيا هي كالآتي: الاستبداد في الكرملين مقابل الأمن والرخاء في الداخل والمجد في الخارج – وعلى الأقل حالياً، هناك بريق في الإثارة الصادرة عن هذه المغامرة الشرقية، "بيو غاستا" (لفتة العاشق) المتلفزة مع مفجرات سوخوي.

عندما أطلق ألكسندر الثاني الحروب الآسيوية الغريبة، كتب أحد وزرائه، الكونت فالويف، "هنالك شيء مثير حول كل الأمور على الحدود البعيدة". تفتقر موسكو إلى الموارد اللازمة لاستبدال أمريكا وسوف تجد مستنقعاً في سورية، ولكن يشعر الروس أن روسيا الإمبراطورية العظيمة كانت دائماً لاعباً في الشرق الأوسط – ويُحسب الكثير للجرأة في هذا العالم الجامح.

تعليقات

 

Warning: session_set_save_handler(): Cannot change save handler when headers already sent in /home/alsouria/public_html/archive/includes/session.inc on line 242

Warning: session_id(): Cannot change session id when headers already sent in /home/alsouria/public_html/archive/includes/session.inc on line 266