الخطر القادم من الشمال وثمن ذلك سوريا

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

11/2/2015
القدس العربي

قبل 2011، لم يكن السوري متيقناً أنه الأقل حصانة بين مواطني كوكبنا، ونظامه الحاكم الأكثر حصانة بين أنظمة العالم. إنها معادلة مجنونة ومفارقة غريبة؛ فالمألوف أن حصانة المواطن والوطن واحدة لا تتجزأ، لكن كيف ركبت المعادلة، أمر لا يعلمه إلا الله وما تكشف بعد 2011. فكيف كان ذلك؟
إن نظرة سريعة إلى خريطة الشرق الأوسط، وتصورها كجسد تبين كم يشبه موقع سورية في هذه الجغرافيا، موقع وفعل ووظيفة القلب أو الدماغ من الجسد. من يحكمها ويتحكم بقرارها، يحكم ويتحكم بالمنطقة…. صراع فيها وعليها.

منذ فجر التاريخ، ما حكمها شخص أو أسرة أكثر من بضع سنوات، حديثاً كانت تنام على انقلاب لتصحى على آخر. ما هدأت إلا في سبعينيات القرن الماضي؛ فهل هي عبقرية حافظ الأسد، أم أنه قرار أعلى بأن تهدأ ويكون شرطي الهدوء حافظ الأسد؟ لنرى. إذا كان السر في السكان، فقد تحولت سورية بفضله إلى كتلة طوع بنانه؛ يبدأ تاريخها في السادس عشر من نوفمبر 1970. كانت سورية وقتها خارجة للتو من خسارة قطعة غالية من أرضها؛ فرغم كونه وزير دفاع النكسة عام 67 إلا انه وضع ذلك في عنق القيادة السياسية الأعلى؛ وكان السعي الحثيث لمسح الدماغ الشعبي، كان الحديث همساً بأنه المسؤول الأول عن ضياع الجولان؛ ومن تصل همسته إلى مسامعه أو تعلم بها عصابته يُوقف تنفسه. أتى الهمس الأكثر ضجيجاً من المقاومة الفلسطينية – ومن هنا سر كره حافظ أسد للفلسطينيين. كانت الساحة الأردنية هي الأشد حرارة بحكم الوجود الفلسطيني الكثيف وبحكم الحدود الأطول مع الكيان الصهيوني؛ فكان أيلول الأسود. وُقع اتفاق القاهرة عام 70 وانتقلت المقاومة الفلسطينية إلى لبنان، أضحت تحت ناظر الأسد وفي الحديقة السورية الخلفية تاريخياً، ولكن سلطانه عليها محدود..
حتى 1973 شابت رئاسة الأسد لسورية حالة من اللاشرعية، كان لابد أن يحارب فلا يتعمّد الطغاة إلا بالحروب والدماء. وفي الحالة السورية، عشرة أهداف تُصاب بطلق واحد: الجولان محتل وهناك همز ولمز حول شخص الأسد وهناك أغلبية مهمشة ورئاسة من الأقلية، وهناك داخل هائج دحرته سنة 67، وهناك اهتزاز للخريطة السورية بمجملها ديموغرافياً ونفسياً واقتصادياً واجتماعياً…. لا يحسم كل ذلك إلا حرب؛ فكانت حرب أكتوبر 1973.

ما كان الخروج من الحرب كالدخول إليها، فكان اتهام مصر بأنها أرادت حرب تحريك لا حرب تحرير؛ وفي حقيقة الأمر لم تكن حرب الأسد تلك لا تحريرا ولا تحريكا بل تعميدا. فلم يحرر أرض سورية بل خسر المزيد، رغم تضحيات سورية الكبيرة؛ ولا هو حرك كما فعل السادات وحصل على سيناء عبر التحريك، بل انحصر على انجاز تعميده حاكما بأمره.
عام ثمانية وسبعين تفلتت الأمور قليلاً في لبنان واستعاد الفلسطينيون أنفاسهم، خاصة في ظل ما اعتُبر انتكاسة كامب ديفيد، وكان لابد من إخراسهم بالقوة وما عادت قوة الأسد تكفي للقيام بالمهمة، فلا يعقل أن يقمع من يعترض على كامب ديفيد، وهو يقود حملة الاعتراض عليه فهذا تناقض قد يودي به. كان على اسرائيل أن تقوم بالمهمة فكان الغزو الاسرائيلي للبنان عام ثمانية وسبعين. شوش الأسد على كامب ديفيد بقدر استطاعته رغم أمنياته بنجاحه حتى يُزاح من طريقه كل مزاودة في مقاومة اسرائيل، فيضحى المقاوم والمزاود الأول. وهكذا كان فعلاً، ولمزيد من تحقيق أوراق الاعتماد المقاومتيه الصمودية تم تصميم اهتزاز داخلي تمثل بحراك للاخوان المسلمين. جرف عبره الأسد أي معارضة قائمة أو سابقة أو مستقبلية محتملة.(عكر على الأسد أمر حساس حدث في لبنان تمثل بخلق اسرائيل لشريط حدودي تناوب على قيادته سعد حداد وانطوان لحد؛ فشعر بان التوكيل المتمثل بالحماية من الخطر القادم من الشمال قد سُحب منه. صعّد الأسد ونسق مع الفلسطينيين لينسف مصداقيه الوكلاء الجدد).

أتى الخميني عام تسعة وسبعين من القرن الماضي؛ أخذ الأسد جرعة قوة لم يدرك أحد مفاعيلها المرعبة إلا بعد أعوام.. وأخذ الفلسطينيون أيضاّ جرعة خلبية وجعلتهم يصدقون الدعم الايراني، زادت قوتهم في لبنان. عكّر على الفلسطينيين الأجواء دعم عرفات لصدام في حربه مع ايران. رفعت اسرائيل درجة خطورة منظمة التحرير في لبنان وتنسيقها مع سورية الأسد فكان غزو اسرائيل للبنان ثانية عام 1982 وكان احتلال أول عاصمة عربية. سُحبت الوكالة من سعد حداد وانطوان لحد. 

استمر اشتعال الحرب الأهلية في لبنان وتركز بين مكونات خارجة عن مكون حزب الله الذي كان ينمو بقوة في تلك الغفلة والعجالة. اللبنانيون منشغلون بالتقاتل وهو يستمر باستعراضاته المرسومة في الجنوب وفي اختطاف رهائن غربيين يطلقهم نظام دمشق لتثبيت أوراق اعتماده غربياً ليحصل على تفويض بإنهاء استعصاء الجنرال عون، الذي وضع يده على رئاسة الجمهورية عام 1989 ليستقر حكم لبنان للأسد بالمطلق. تندلع انتفاضة فلسطين عام 1989، يربك ذلك الأسد، فلا زالت القطيعة قائمة مع عرفات منذ خروجه من لبنان مروراً بملاحقته في المياه اللبنانية وصولاً إلى وقوف قيادة المنظمة الفلسطينية مع احتلال صدام حسين للكويت الذي جعل الأسد يشعر بالنشوة. يشترك الأسد مع قوات التحالف في إخراج العراق من الكويت فتكون الجائزة مؤتمر مدريد في نوفمبر 1991 وكان الهدف سحق الانتفاضة الفلسطينية سياسياً ومكافأة الأصدقاء ومحاصرة عراق صدام التي حلم الأسد بها على الدوام.

مع انهيار الاتحاد السوفييتي وبعد مصير شاوسسكو شبيهه الأساسي، كاد الأسد أن ينكشف عام ثمانية وثمانين بفتح الورقة الأمريكية. لابد أسعده تورط صدام في الكويت فها هو عدو مبين يُزاح من طريقه، وها هو يجد طريقة لتحالف مباشر مع أمريكا في «عاصفة الصحراء»، وها هو يلتقي بوش الأب في جنيف ليتمخــــض عن ذلك دعوة لمحادثات سلام عربية ـ اسرائيلية برعاية أمريكية، الأمر الذي شكّل ذريعة علانية للتقرب من أمريكا. 

ولابد أسعدت الرجل عبارة شامير الشهيرة بأن المفاوضات قد تستمر خمسة عشر عاماً، بحيث لن يبقى ما يستحق التفاوض عليه، وها هي الخمسة عشر عاماً التي حكى عنها شامير تتضاعف عدداً؛ ولازال الأمريكيون يتحدثون عن عملية سلام مروراً بأوسلو وبـ»واي بلانتيشن» وبالوساطة التركية أيام العسل السوري- التركي. وكل ذلك كان مريحاً للأسد الذي مرر في تلك الأثناء توريث ابنه إثر وفاته.

وإذا ما قفزنا إلى مايو عام 2000، نجد إيهود باراك يتخذ قراراً من جانب واحد بالانسحاب من جنوب لبنان، ليصبح حزب الله الحاكم بأمره في الجنوب وصاحب الثقل السياسي في لبنان ربما بتكليف ايراني ـ اسرائيلي ـ سوري. كان وجود شخص كرفيق الحريري عظمة في زور المشروع الثلاثي أعلاه والمبارك أمريكياً. كان لابد للبنان من اهتزاز من نوع ما، بعد أن دخل الحريري على خط إعطاء لبنان هيبة الدولة التي تحرج اسرائيل، إثر عناقيد غضبها. يخرج جيش بشار من لبنان إثر اغتيال الحريري، وتقع المهمة على حزب الله أن يعيد النفوذ السياسي السوري إلى لبنان ولكن بالشروط وبضوابط الإيقاع الإيرانية. 

تنتفخ فعالية حزب الله بدخوله في سورية لقتال الشعب السوري المنتفض على سلطته. ايران تتحول بعلنية إلى المتصرف في الشأن السوري وفي الشأن اللبناني من خلال إدخالها مقاتلي حزب الله وغيرهم إلى سورية. لتصل الأمور مع ايران أن تعبّر رسمياً عن ارتباط نظام الأسد باسرائيل. وما العلنيه إلا لوصول الوضع السلطوي السوري إلى لحظته الحرجة الأخيرة. زد على ذلك ان الحدث الأخير في القنيطرة السورية ووجود الجنرال الايراني في الموكب يقول لإسرائيل «أصبحــــنا شخصياً على الحدود المباشرة». يأتي الرد أيضاً بالقفاز الايــــراني/حــــزب الله/…… مشهد بسيط عابر في مسرحية طولها نصف قرن وعرضها سورية. والرسالة: «إن كان لمطلب تغيير الأسد أن يُلبى فالعنوان هو طهران؛ خروف دمشق رغم اعتلاله، سمين بما يكفي لانجاز صفقة ايرانية ـ أمريكية ترمم الوضع الإيراني المهترئ.