أبعاد الحركة الديبلوماسية الروسية … وأسبابها

الحركة الديبلوماسية الروسية الحالية، تحت عنوان محاولة إنهاء الأزمة السورية، ليست جديدة. فقد سبقها، كما يعرف الجميع، «جنيف1» ثم «جنيف2» الروسيان بدورهما، على رغم الفشل الذريع الذي انتهيا إليه يومها. الجديد هذه المرة، أنها تتم بصورة انفرادية من جهة، وبالتنسيق مع طرفي الحرب المباشرين (إيران والنظام السوري) من جهة ثانية، لكن بعيداً عن الولايات المتحدة أو حتى عن التشاور المسبق معها، كما كانت الحال في المرتين السابقتين.

ذلك أن القيادة الروسية، كما يبدو، تعتقد أن التطورات التي شهدتها المنطقة في الشهور الماضية، وفي مقدمها الموقف العالمي من التهديد الذي تمثله «داعش» و»جبهة النصرة» لسورية والعراق بعد احتلال أجزاء واسعة منهما، ثم تشكيل التحالف الدولي/العربي لمحاربتهما ومحاربة الإرهاب في عموم المنطقة، تفسح في المجال أمامها لإعادة إحياء ما سمته منذ البداية «الحل السياسي» للحرب في سورية… وتحديداً، لمحاولة إنقاذ حليفها في دمشق وإطالة عمر نظامه، فضلاً عن تثبيت مواقع حليفها الثاني في إيران وتأكيد نفوذه على مساحة المنطقة وفي سورية والعراق، بما يخدم في نهاية المطاف استراتيجيتها الكونية القائمة على تعدد القيادة العالمية ومنع التفرد الأميركي بها.

وقد وجدت هذه القيادة، في ظل الأزمة الأوكرانية التي صعدت خلافاتها مع الغرب وبدأت تنعكس عليها في الداخل بنتيجة العقوبات والانخفاض الكبير في أسعار النفط، أن الفرصة مؤاتية لها ليس فقط لتثبيت مواقع حليفيها في دمشق وطهران على خلفية عدم حسم إدارة باراك أوباما موقفها من النظام السوري، إنما أيضاً محاولة اللعب على التناقضات بين واشنطن وحلفائها في المنطقة… كما حدث بالنسبة لتركيا التي زارها الرئيس فلاديمير بوتين أخيراً تحت عنوان التعاون بين البلدين في مجال النفط والغاز وطرق تصديرهما إلى البلدان الأوروبية.

لكن أي حل سياسي يقترحه بوتين للحرب السورية، عشية مرور أربعة أعوام كاملة على بدئها في آذار(مارس) المقبل؟.

لا تخرج الأفكار التي طرحها وزير خارجيته سيرغي لافروف مع نظيريه السوري والإيراني، وليد المعلم وجواد ظريف، كما مع الرئيس الأسبق لـ»الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة»، أحمد معاذ الخطيب، وكذلك التي جال بها نائبه ميخائيل بوغدانوف على أنقرة، حيث التقى قادة في المعارضة السورية، وعلى بيروت حيث التقى الأمين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله (دوره في الحرب السورية معروف)، عما ورد في وثيقة «جنيف1»… لكن، هذه المرة، مع تفسير لعبارة «المرحلة الانتقالية» ينطلق من الأخذ في الاعتبار، أو أقله عدم تجاهل، الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي مددت رئاسة بشار الأسد سبعة أعوام أخرى بدءاً من ربيع 2014.

والأهم في هذه الأفكار، والأكثر دلالة في هذه الفترة، اقتراح عقد مؤتمرين اثنين: أحدهما، لقوى المعارضة بما فيها ما يسمى «معارضة الداخل» بهدف الاتفاق على تشكيل وفد واحد، وربما على موقف موحد، من المفاوضات المتوقعة مع النظام. والثاني، لوفدي المعارضة والنظام للبحث في قضايا الحل السياسي ومبدأ تشكيل «حكومة وحدة وطنية كاملة الصلاحيات» وفقاً للتعبير المستخدم في وثيقة «جنيف1» الأولى.

ليس ذلك وحده، بل إن بوغدانوف الذي زار بيروت ثلاث مرات خلال عشرة أيام، كانت إحداها في طريقه إلى دمشق، زاد على مهمته السورية هذه تلميحات حول دور يمكن أن تلعبه بلاده في انتخاب رئيس الجمهورية في لبنان، وتحديداً حول «وساطة» تستطيع أن تقوم بها مع قادة الطائفة الأرثوذكسية فيه لتسهيل هذا الأمر.

… لكأن موسكو، التي عززت في الأعوام الأخيرة صلاتها (التاريخية منذ أيام القيصر) مع الكنيسة الأرثوذكسية في لبنان، تحاول من ناحية أن تستثمر علاقاتها هذه في الدور الإقليمي الذي تريده، كما تحاول من ناحية ثانية أن تعظم من شأن ودائرة حركتها السورية، عبر إبلاغ اللبنانيين، ومن خلالهم العرب والعالم، بأن الحل في سورية هو الذي يؤدي إلى حل في لبنان وإلا فلا حل لأزماته في المدى المنظور على الأقل؟!.

ولا يغرب عن البال هنا أن موسكو، في ربطها بين الأمرين، تظن أن حركتها السورية هذه يمكن أن تجد آذاناً صاغية وتشجيعاً ليس عند اللبنانيين وحدهم، بل عند العرب وحتى الغرب الأوروبي والأميركي كذلك، نتيجة الانعكاسات الخطيرة لاستمرار الحرب السورية على لبنان وعلى صيغته السياسية وتركيبته الديموغرافية.

وفي اعتقاد البعض أن الحركة الروسية محكومة بالفشل، لأسباب سورية تتصل بطبيعة النظام التي لم تعد خافية على أحد، كما بتعدد فصائل المعارضة وأهدافها، وأنها محاولة لكسب الوقت بانتظار تبدل ما على الصعيدين الإقليمي والدولي.

لكن واقع الحال يشير إلى أنها سعي لاستغلال الوقت، وليس كسبه، على خلفية الالتباس الحالي في أوضاع المنطقة… هذا الالتباس الناتج عن دوران حرب التحالف على الإرهاب في حلقة مفرغة، وتردد إدارة أوباما ثم ارتباكها أخيراً بعد الانتخابات النصفية وتزايد مشكلاتها الداخلية، وخلافات واشنطن مع حلفائها في المنطقة، وتهالك المعارضة السورية في الخارج وفي الداخل. لكن ما يهم موسكو بعد ذلك كله، هو حاجتها إلى «إنجاز» استراتيجي ما، ترى إمكان تحقيقه عبر تثبيت مواقع حلفائها في دمشق وطهران وبغداد، في مواجهة ما تعتبره حرباً أوكرانية/ أوروبية/ أميركية مشتركة على دورها وسياساتها في العالم.

ولعله من هنا فقط تحركت الديبلوماسية الروسية على جبهة سورية السياسية بعد غياب طويل.

قد يعجبك أيضا