أحداث باريس: المشهد الأخير من مسرحية محاربة الإرهاب

لم يعد خفياً على أحد أن المشهد الدولي صباح اليوم الذي تلا أحداث باريس أصبح بمجموعه أسير أولوية محاربة الإرهاب، أولوية حددتها لنفسها الإدارة الأمريكية بشكل واضح منذ نهاية صيف عام 2014، وتشترك معها موسكو اليوم في رسم استراتيجياتها وخططها في سورية على الأقل. لا يهم حقيقة مدى تقاطع هذه الأولوية مع إرادة دمشق، ولن يتمخض الشيء العظيم عن محاولات الناشطين السوريين المشتتة في محاولة إثبات تورط أجهزة النظام السوري في أحداث ليلة الرابع عشر من تشرين الثاني، فالإليزيه وأجهزة الاستخبارات الفرنسية تعلم تمام اليقين مدى ضلوع الأسد فيها، وتدرك أنه لا يمكن القضاء على الإرهاب دون وقف نزيف الشعب السوري والتخلص من النظام إلى الأبد.

نعم كل المؤشرات الأولية المتوفرة بين أيدينا، التوقيت، والرسائل الضمنية والصريحة المرسلة من خلال العملية، وصيحات الانتقام لسورية، وجوزات السفر العربية الملقاة في مسرح الجريمة، تشير إلى تعمد الجناة في توجيه أصابع الاتهام للإرهاب الذي يرتع في سورية والعراق. هذا “الإرهاب السني الهمجي” الذي لم يكن ليصل لشواطئ السين لولا “تلكؤ” الأمم في القضاء عليه بينما كانت مشغولة في الضغط على الأسد للرحيل عوض التعاون معه في محاربة تنظيم الدولة. قد يظن بعضهم أن الشعوب لا تقع ضحية مثل هذا المؤامرات المفضوحة وأن هزلية تركيب المشهد الدراماتيكي لـ “غزوة باريس” كفيلة في كشف المستور! وعلى الرغم من منطقية الفكرة إلّا أنه يمكنني التأكيد وأن أجزم بكل يقين أن الشعب الفرنسي على الأقل لن يبذل أي جهد في فهم وتفكيك عقدة المشهد السوري قبل أن يرى دماءً تسكب تشفي غليله من “الهمج”، وتطفئ لهيب النار الذي اشتعلت في شوارع عاصمته، ومخطئ من يظن أن للحكومة الفرنسية خيار سوى الانصياع لصيحات الانتقام. قد يسأل بعضهم عن سبب اختيار فرنسا عن غيرها، وللإجابة على هذا السؤال لا بد من العودة إلى الـ 30 من تشرين الأول من العام نفسه، تاريخ عقد الجولة الثانية من اجتماعات فيينا لمباحثات “السلام” في سورية.

عود لذي بدء: فيينا ووعود روسيا المسمومة للسلام

وقف بيان جنيف الشهير طويلاً عائقاً أمام المجتمع الدولي في تخطي عقدة إخماد الثورة السورية دون تحقيق تغيير حقيقي في البلاد، فعلى الرغم من خلو البيان من أي بند يحتم خروج بشار الأسد من السلطة إلّا أنه تضمن بنوداً أخرى مردّها الأخير الإطاحة بنظامه على الأقل. وبالفعل لم يوفر المجتمع الدولي جهداً في محاولة إقناع المعارضة في التخلي عن مبادئها وثوابتها الثورية، وباءت كل محاولاته بالفشل، سواءً على صعيد تكريس نموذج الهدن المحلية، أو من خلال تعويم برامج ومسارات موازية تركز جميعها على المشترك مع النظام عوض إيجاد حلول حقيقة ومديدة للمشكلة السياسية.

بدا هذا التململ واضحاً مع تعزز حالة المراوحة في المكان دون تحقيق أي تقدم يذكر على المشهد السياسي، ونتج عنه في نهاية المطاف بيان رئاسي لمجلس الأمن يؤيد فيه خطة المبعوث الدولي استافان دي مستورا في مفاوضات متعددة المسارات والمجموعات. وعلى الرغم من تأكيد البيان على التزام دول مجلس الأمن بما ورد في بيان جنيف من بنود، إلّا أن آليات العمل التي دعا إليها دي مستورا رسّخت يقيناً عند معظم المعنيين نية الأخير الوصول إلى صيغة ترضي النظام أولاً وتلزم داعمي الثورة إقليمياً لاحقاً. وفي الحقيقة، لا بد من الوقوف هنا عن بند هام للغاية في خطة دي مستورا، وهو دعوته لتشكيل مجموعة دعم دولية مكونة من الولايات المتحدة وروسيا بالإضافة إلى مجموع الدول الإقليمية ذات التأثير المباشر على المشهد العسكري والسياسي في سورية.

كان من البديهي بمكان تقييم هذا البند الأخير من الخطة كنقطة ضعف رئيسية فيها، فكيف للسعودية وتركيا على سبيل المثال لا الحصر التفاهم مع إيران حول دورها في سورية؟ وما هي صيغة الدعوة التي ستوجه للدول الفاعلة في المنطقة؟ وما هي المعايير التي سيتم تطبيقها في اختيار دول أعضاء المجموعة؟ بدا الأمر كله إشكالياً على أقل تقدير، وأن خطة دي مستورا ستواجه عاجلاً أو آجلاً حتمية الفشل! ولكن لم يكن بقدرة أحد من أفراد أو مجموعات المعارضة التنبؤ بالتدخل الروسي بعد شهر من صدور البيان.

لقد جاء التصعيد الروسي الأخير في سورية واشتراك سلاحه الجوي في ضرب المعارضة السورية كمتغير جديد في المعادلة السورية لينسف مجموعة من الثوابت في العلاقات الدولية التي ترسخت أثناء سنوات الأزمة، ونحج في إرساء قواعد جديدة للعبة. فلقد حال أولاً دون تدخل أي قوة إقليمية أو دولية أخرى في الصراع لصالح المعارضة السورية. ثانياً، ضمنت روسيا في تواجدها على الميدان السوري ضرورة إشراكها على نحو مرضٍ في أي تسوية سياسية في سورية.  ثالثاً، كفت موسكو واشنطن شر تصدر المشهد، وباتت الأخيرة راضية في موقعها المتفاعل مع الواقع الجديد، وتنازلت بمحض إرادتها لروسيا في قيادة المشهد العسكري وبالتالي السياسي في سورية. رابعاً، نجح بوتين ولأول مرة منذ اندلاع الثورة في ضبط شريكه المحلي الأسد، وشريكه الإقليمي إيران، وبات الأخيران أسرى إرادته السياسية وأضحى هو ضامن التزامهما في مخرجات الحل النهائي في سورية. وبناءً على ما تقدم، أقدمت موسكو سريعاً في الـ 23 من تشرين الأول بالتعاون مع واشنطن إلى دعوة السعودية وتركيا إلى لقاء تشاوري أول في فيينا للشروع بتشكيل مرجعية دولية بديلة عن جنيف.

بدت هذه الدعوة في بداية الأمر خديجاً وأنها ولدت قبل ميعادها، فكيف لروسيا الهرولة سريعاً لإيجاد حل سياسي ولم يمض شهر على تدخلها العسكري المباشر في سورية؟ وكان من الطبيعي سرعة الاستنتاج في أنها في مأزق وأنها تبحث عن مخرج مشرف لها قبل أن تصل إلى نهاية طريق مسدود. وفي الحقيقة لم تكن روسيا لتقدم على رهان من هذا الحجم لولا تيقنها من شراكة الولايات المتحدة. شراكة تقوم على ركنيين رئيسين، أولهما عدم نكوص واشنطن واستثمار الحدث في إغراق موسكو في المستنقع السوري، وآخرهما التزام البيت الأبيض في ضبط شركائها أو وكلائها الإقليمين. ولكن لم يتوقع قطبا العالم المتحضر أن يقوم الثلاثي “تركيا، والسعودية، وقطر” بمحاولة استثمار الانزعاج الفرنسي، الناتج عن دفع فرنسا خارج اللعبة، في اكتساب شريك دائم العضوية في مجلس الأمن. وفي الحقيقة لم يكن لفرنسا القدرة على الوقوف حائلاً دون أي توجه ناشئ عن الشراكة الروسية الأمريكية في سورية، ولم يكن لينتج عن عضوية فرنسا في مجلس الأمن أي فيتو يعرقل قراراً مدعوماً من أمريكا أو روسيا، إلّا أن عضويتها بالتأكيد ستعطيها الحماية الكافية لتسليح المعارضة فيما لو قررت ذلك. وهكذا نجحت عمليات الـ 13 من تشرين الثاني في تطويع فرنسا، وفي إرضاخها لمنطق القوتين العظميين في تعريف أولويات المرحلة.

أسدل الستار على مشهد أخير من الجولة الثالثة لمباحثات فيينا، ودي مستورا ممسك بيدي كيري ولافروف وابتسامة الرضا والإنجاز تعلو وجوه الثلاثة. حضور ثلاثتهم يكفي لإعلان نتائج هذه الجولة، ولا داعي لإشراك إيران “المضبوطة” أو فرنسا “الجريحة” أو أي من الثلاثي “المزعج” فلقد عادت المياه إلى مجاريها، لا خوف ولا مفاجآت ولا مكدرات. أمّا دي مستورا فلقد حقق أخيراً ما كان يصبو إليه: مجموعة دعم دولية ملتزمة في تنفيذ خطته “للسلام”، وأضحت بعد ضعف هي الجانب الأقوى من خطته.

قد يعجبك أيضا