الإرهاب إذ يستفيد أيضاً من تنافس محاربيه

لا شيء مؤكدا، لكن «الحرب على الإرهاب» -بالأحرى «على داعش»- قد تكون تلقت دفعة بفعل التنافس الدولي، من دون أن يعني ذلك أنها أصبحت أكثر جدية. ورغم الصدمة التي أحدثتها هجمات باريس إلا أنها تبقى فصلا هامشيا يستخدمه التنظيم لأغراض الدعاية أكثر مما يعول عليها لتحقيق أي أهداف محددة.
يعتبر كثير من المراقبين أن التدخل الروسي في سوريا أدى إلى تحفيز تلك الحرب وتحريكها، إذ بات الأميركيون أكثر استعدادا لتسليح مجموعات سورية على الأرض لتمكينها لاحقا من شن هجمات على تنظيم ما يسمى بـ «الدولة الإسلامية»، كما أن واشنطن تبدي حاليا حرصا أكبر على مضاعفة الضربات الجوية اليومية وتسليط الضوء عليها، رغم أن التقويم العالمي لهذه الضربات بأنها غير مجدية ولم تمنع التنظيم من مد سيطراته وتوسيعها. بطبيعة الحال لم يشأ الأميركيون أن يأتي الروس ويخطفوا منهم «حربهم»، لكنهم أدركوا أن الروس بصدد امتلاك أفضلية عليهم إذا ما استطاعوا استخدام القوات البرية التي يوفرها النظامان السوري والإيراني. 

وقد عانت خطط روسيا من نقطة ضعف تمثلت في أمرين: الأول اعتمادها على قوات لم تعد تمثل الدولة السورية وإنما النظام الذي فقد شرعيته داخليا وخارجيا، كما أنها قوات مؤلفة بمعظمها من مقاتلين جلبتهم من العراق ولبنان وأفغانستان وباكستان على قاعدة الانتماء المذهبي (الشيعي)، لذلك ينظر إليها كقوات غازية للمناطق ذات الانتماء المذهبي الآخر (السني). أما الثاني فهو أن الروس لم يميزوا بين «محاربة الإرهاب» التي جعلوها عنوانا لتدخلهم والصراع الداخلي بين النظام ومعارضيه، وبالتالي فقد تبنوا هدف تعزيز النظام واعتباره معارضيه «إرهابيين» ينبغي ضربهم تمهيدا لضرب «داعش»، وبالفعل تركزت الضربات الروسية على مواقع لا وجود فيها لهذا التنظيم. ومعروف أن القضاء على الشيشانيين والقوقازيين المنضوين في فصائل المعارضة المقاتلة ومنها «جبهة النصرة» هو أحد الأهداف الرئيسية للتدخل الروسي.

يعتقد خبراء عارفون بخريطة محاربة الإرهاب أن «التحالف الدولي» بقيادة الولايات المتحدة استغل السنة الأولى من الحرب في إقامة بنية استخبارية واسعة ومتطورة، وأنه أصبح أكثر قدرة على بلورة خطط لهجمات برية يمكن أن تقلص رقعة وجود «داعش» وإضعافه خطوة خطوة. يستدل إلى ذلك من بعض الهجمات التي كان أكثرها نجاحا في الآونة الأخيرة طرد مقاتلي «داعش» من قضاء سنجار شمال غربي العراق، وقد تم ذلك بواسطة قوات البيشمركة الكردية وبوجود «مستشارين» أميركيين ميدانيين أفادوا بأنهم يشاهدون ما يجري بالعين المجردة. يعني ذلك أنه حيثما تتوفر قوات برية قادرة يمكن إحداث تغيير، وهو ما يبدو مفتقدا في حال الرمادي حيث يفترض الاعتماد على قوات الجيش العراقي، رغم إنجازات متفرقة أخيرا، وكان مسؤولون أميركيون أشاروا سابقا إلى أن هذه القوات لا تتمتع بـ «إرادة قتالية». ولعل استهداف العديد من قادة التنظيم بطائرات من دون طيار يؤكد الاختراق الاستخباري لمناطق عراقية في مقابل إعلان التنظيم بين حين وآخر عن إعدام أشخاص للاشتباه بتعاونهم مع جهات خارجية.

لدى النظر في خريطة الحرب على الأرض السورية، يتضح أن «التحالف الدولي» حسم منذ البداية استبعاده التعاون مع قوات النظام، ليس فقط بسبب الطابع المذهبي وظروف الصراع الداخلي بل خصوصا لأن الأجهزة الاستخبارية جمعت معلومات كثيرة خلال العامين الماضيين عن العلاقة الملتبسة والمشتبه بها بين النظام وحلفائه الإيرانيين من جهة و «داعش» من جهة أخرى، إذ إن هناك وقائع موثقة عن تبادل خدمات وتنسيق بين الجانبين ضد فصائل المعارضة ولاسيما «الجيش السوري الحر». وخلال عام من الحرب لم يسجل أي تقدم لـ «التحالف» لكنه استطاع القيام ببعض العمليات ضد قادة «داعشيين» كان آخرهم البريطاني محمد الموازي، المعروف بـ «الجهادي جون»، الذي يعتقد أنه الشخص الذي ظهر في أشرطة الفيديو وهو ينحر ثلاثة رهائن أميركيين وبريطانيين ويابانيا. وقبل ذلك أعلنت باريس أن إحدى الغارات الأولى لطائراتها تمكنت من قتل فرنسيين منضوين في التنظيم. 

فيما حصر «التحالف الدولي» حربه بمناطق «داعش» من دون التدخل في الصراع الداخلي بغية إبقاء مجال لـ «حل سياسي»، جاء الدور الروسي ليخلط المسارين بطريقة دلت إلى احتمالين: إما أن موسكو بالغت في تقديرها لوضع قوات النظام والميليشيات التي تسانده، أو أنها أساءت قراءة الخريطة الاجتماعية للصراع بين النظام والمعارضة. ولذلك فإنها وبعد اندفاعها في شن الضربات الجوية على مواقع الفصائل، اضطرت للرضوخ لمنطق الواقع، خصوصا أنها لا تختلف عمليا عن أي من دول «التحالف» غير الراغبة في إرسال جنودها إلى الأرض والتورط في قتال من دون نهاية محددة. من هنا جاء اتجاهها إلى تفعيل مسار الحل السياسي للأزمة السورية كوسيلة مساعدة في دعم «الحرب على الإرهاب». غير أن موسكو أظهرت في لقاءات فيينا الموسعة والمصغرة أنها لم تقترب بعد من اتخاذ قرارات أو خطوات جريئة، رغم أنها لمست أن التمسك ببشار الأسد ونظامه ليست ورقة قوية في جعبتها سواء لدحر الإرهاب، كما اعتقدت سابقا، أو لبلورة حل سياسي، كما بدأت تدرك من خلال لقاءات فيينا. 

يستخلص من كل ذلك أن الدول الكبرى بلا استثناء لا تزال تعتبر محاربة الإرهاب فرصة لتحقيق مصالح أكثر مما تهتم بالقضاء على هذا الوباء الذي اجتاح المجتمعات العربية وفرض عليها أجندة لا تفضي إلا إلى مزيد من التفكك والانهيار لكل مقومات النهوض بالدولة والاقتصاد والتنمية. لعل هناك مبررات جدية للشكوى الدولية من عدم وجود قوات برية قادرة على مواكبة الضربات الجوية، إلا أن مرور 18 شهرا على انتشار «داعش» كانت كافية لسد هذه الثغرة الخطيرة. هنا نجد أن الانقسام السياسي الداخلي المرتبط باستقطابات إقليمية يشكل الوجه الآخر للانتهازيات الدولية، فلا غرابة بالتالي إذا كان «داعش» استفاد من الصراعات والتنافسات القائمة.

قد يعجبك أيضا