الانسحاب الروسي… إشارات وحسابات

الأرجح أنه لا تمكن المراهنة على الانسحاب الروسي كتغيير مهم وجوهري. نعم، فيه اشارات لكنها لا تتعلّق بالوضع الميداني، فالقوة الجوية التي قلبت المعادلة لمصلحة النظام باقية في قاعدة حميميم. هو بالأحرى سحبٌ لقدرات عسكرية استقدمت اضافياً وتحسّباً لاحتمالات ثلاثة: توجّه اميركي – اطلسي الى التصعيد، انخراط تركيا في مواجهة واسعة ولو بدعم أطلسي محدود، دخول قوات برّية تركية – سعودية. هذه احتمالات تراجعت الآن، لأن واشنطن لم تحِد عن تفاهماتها مع موسكو، وإنْ كانت الأخيرة هي التي تستخدم تلك التفاهمات بتصرّف مفرط أحياناً، كما فعلت أوائل الشهر الماضي عندما غطّت جويّاً هجمات النظام السوري والميليشيات الايرانية والكردية بالتزامن مع الانطلاقة المفترضة للمفاوضات في جنيف. بعد ذلك تفاوض الاميركيون والروس على وقف لإطلاق النار، وهو ما رفضه الاسد والايرانيون دائماً، ولم يكونوا يحبّذونه على الاطلاق. وبطبيعة الحال لم يُستشَروا قبل انجاز الاتفاق مثلهم مثل المعارضة السورية.

واقعياً، لم يحصل تغيير دراماتيكي يمكن أن يقلق النظام السوري أو ايران. لكن الاعلان الروسي يوم “استئناف” المفاوضات في جنيف، وعلى خلفية هدنة “صامدة” رغم هشاشتها، يضطر دمشق وطهران الى التواضع في طموحاتهما وحساباتهما. هذا ينطبق بالضرورة على أي سيناريوات تعتمدانها لنسف المفاوضات وإسقاط الهدنة للعودة الى خطة الحسم العسكري الشامل. لا يزال بإمكان الاسد والايرانيين القيام بخروقات خطيرة لوقف اطلاق النار، لكن أي تصعيد بهدف الحسم لا بدّ من أن يمرّ بموافقة الروس. وهؤلاء اتفقوا مع الاميركيين على اعطاء فرصة حقيقية للمفاوضات، ولا يريدون أن يكون النظام الطرف الذي يُفشلها. لذلك نبّه جون كيري موسكو الى أن تصريحات وليد المعلم عن “الاسد خط أحمر” و”الانتقال السياسي هو حكومة قائمة يشارك فيها الطرف الآخر” تعبّر عن تصميم مسبق على عرقلة المفاوضات وافشالها، وبادر سيرغي لافروف الى انتقاد تلك التصريحات من دون تحديد، لكن دمشق تلقّت الرسالة.

الجديد في الموقف الراهن ورد عابراً في أحد تصريحات ستافان دو ميستورا، الذي شرح أن المفاوضات ستكون على ثلاث جولات وإذا فشلت سيعاد الملف الى مجلس الأمن. هذا يعني، بالنسبة الى الاسد والايرانيين، أن التفاهمات الاميركية – الروسية تفرض عليهم أقصى احترام ممكن للهدنة وبذل جهد لإنجاح المفاوضات. وهي التزامات فُرضت أيضاً على المعارضة (وداعميها). لكنه يعني تالياً أن ما بعد فشل المفاوضات سيكون شأن اميركا وروسيا أولاً، وبشكل ثانوي شأن “مجموعة فيينا”، قبل الوصول الى مجلس الأمن. قد تشكّل هذه مرحلة المباشرة في اخراج سيناريوات التقسيم أو الفدرلة الى العلن. صحيح أن الاسد والايرانيين لا يرفضونها، بل يرحّبون بها، لكنهم يفضّلون أن تأتي الخطوة الأولى من حلفائهم الأكراد، وهذا حاصل.

قد يعجبك أيضا