fbpx

الثلاثي الذي يحكم إيران

ستظل إيران، على ما يبدو، تحتل عناوين الأخبار فترة طويلة، فبعد إخماد الاحتجاجات أخيرا، يتجه التركيز خلال الأسابيع المقبلة إلى الانتخابات العامة للبرلمان الحادي عشر للجمهورية، والتي تجري في شهر فبراير/ شباط المقبل. وعلى الرغم من أن الانتخابات البرلمانية تعد محطة مهمة في حياة إيران السياسية، وتعكس في العادة حجم (وأوزان) التيارين الرئيسيين في النظام، الإصلاحيين والمحافظين، إلا أن الواضح أن هذا التقسيم بات جزءا من الماضي، بعد أن جرى التنكيل بالإصلاحيين واجتثاثهم تقريبا بعد احتجاجات الحركة الخضراء عام 2009، واقتصار التنافس بعدها على دوائر التيار المحافظ نفسه، بين جناح من يسمّون الواقعيين الذين يعد الرئيس حسن روحاني ووزير الخارجية جواد ظريف من رموزه، وجناح المتشدّدين الذين يعبر عنهم الحرس الثوري ومراكز النفوذ المرتبطة به حول المرشد. ولكن حتى هذا التقسيم لم يعد صالحًا لفهم ديناميات السياسة الإيرانية اليوم، بعد أن قوّض الرئيس الأميركي، ترامب، مواقع الواقعيين، بإعادة فرض حزم متنوعة من العقوبات الصارمة على إيران، وفشل رهان الثنائي روحاني -ظريف على الاتفاق النووي في تحقيق العوائد السياسية والاقتصادية المرتقبة.
وفيما كان يجري التركيز على اتساع الفجوة بين النظام وقاعدة دعمه الاجتماعية خلال الاحتجاجات التي انفجرت أخيرا، والقمع المرعب الذي تعرّضت له، أظهرت التسريبات التي نشرتها صحيفة نيويورك تايمز تحت اسم “رسائل إيران” (Iran Cables) وجود انقساماتٍ أكثر أهميةً في دوائر النخبة الحاكمة، أبرزها الحرب المكتومة بين قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، ووزارة الاستخبارات الإيرانية. من مظاهر هذه الحرب، زرع الاستخبارات الإيرانية مثلا جواسيس لها في دوائر سليماني القريبة، بما فيها عناصر حضرت معه اجتماعات مختلفة، جرى تنظيمها في تركيا وسورية والعراق. وتعترض الاستخبارات الإيرانية على ما تراها عملية “أسطرة” لسليماني الذي تحول إلى ما يشبه “رامبو” إيراني، حيث يتم التركيز بشكل مفرط على نشاطاته، وتحرّكاته، ويجري تصوير حتى الفاشل منها نجاحات.
وتفيد مصادر مختلفة أيضًا بأن سليماني ليس إلا صورة يجري تركيز الأضواء عليها بشكل مقصود، لإخفاء الدور الأهم لحسين طايب، وهو رئيس استخبارات الحرس. ويعتقد أن طايب هو رجل النظام الأقوى اليوم، وأن التحالف الثلاثي الذي يضمه إلى نجل المرشد، مجتبى حسيني خامنئي، الذي فرضت واشنطن عقوبات عليه أخيرا، وإبراهيم رئيسي، المرشح السابق للانتخابات الرئاسية في 2017، والذي تم تعيينه رئيسا للسلطة القضائية قبل أشهر، بفضل دعم طايب ومجتبى، هو الذي يحكم فعليا إيران اليوم، وإن أولى تحرّكات هذا الثلاثي (طايب – رئيسي – مجتبى) تمثلت في القضاء سياسيا على الإخوة لاريجاني (صادق، الرئيس السابق للسلطة القضائية، وعلي، رئيس البرلمان الحالي الذي أعلن اعتزاله العمل السياسي قبل أيام). وتذهب أكثر التقديرات إلى أنه بعد تهميش صادق لاريجاني الذي تم تداول اسمه خليفةً محتملا للمرشد، بعد أن تولى منصب رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام في ديسمبر/ كانون الأول 2018، بعد وفاة محمود هاشمي شاهرودي الذي كان أيضا مرشحا بقوة لخلافة المرشد، تدور أكثر التقديرات اليوم أن خلافة المرشد، في ظل موازين القوى الراهنة، لن تخرج عن الثنائي رئيسي – مجتبى، المدعوم من طايب. ويبدو أن المرشد الذي أعطى الضوء الأخضر للبدء بترتيبات خلافته يقف بقوة إلى جانب هذا التحالف.
سوف تتركز الأنظار خلال الفترة المقبلة على مجلس الخبراء الذي يضم في عضويته 88 من “فقهاء” النظام وأركانه، والذي يضطلع بمهمة اختيار المرشد من بين أعضائه. الملفت أنه تم تعيين رئيسي في منصب نائب رئيس مجلس الخبراء في الأسبوع نفسه الذي صدر فيه قرار تعيينه رئيسا للسلطة القضائية في مارس/ آذار الماضي، ما يفيد بأن فرص الرجل الذي ينتمي إلى أقصى يمين التيار المحافظ في أن يغدو مرشد إيران المقبل باتت الأكبر الآن، ومعها فرص عودة النظام إلى التقوقع على نفسه. ولكن يجب ألا ننسى أن حديثنا هنا يدور عن إيران، حيث لا يكون الشيء أكيدا، إلا حين يغدو أكيداً.
قد يعجبك أيضا