جهاد النكاية والثأر والأفق المسدود

من الأردن إلى تركيا إلى السعودية وحتى إندونيسيا وبنجلاديش، فضلا عن دول أوروبية، تتواصل التفجيرات العشوائية، والهجمات «النكائية» أو «الثأرية» التي ينفذها أنصار لتنظيم الدولة، أو مبايعون، ما يطرح أسئلة حول الهدف من وراء هذه الموجة، وما يمكن أن تفضي إليه.
حين أصدر العدناني تسجيله ما قبل الأخير، ثم الأخير، قلنا إن التوجيهات التي أطلقها للمريدين بالثأر من دول التحالف، ستترجم بالفعل، وهو ما كان، فيما يعلم الجميع أن أكثر تلك العمليات تمت بطريقة لا مركزية، أي في غياب خطوط حقيقية للتواصل بين قيادة «الدولة» وبين المنفذين.
تنظيم الدولة، وكما القاعدة من قبل، ليس شبكة مركزية تدير الأتباع في كل مكان، وإن صح ذلك في سوريا والعراق نظرا للوجود الكبير، وربما في دول قليلة أخرى مثل ليبيا واليمن، فهو يتعامل بالتوجيه الإعلامي، ويترك للأتباع حرية اختيار الأهداف والتنفيذ، ومن هاجم النادي الليلي في أورلاندو لم يثبت عليه أي اتصال بتنظيم الدولة.
ليس مؤكداً أن من أطلقوا نداء الثأر قد حسبوا حسابا لما يمكن أن يترتب عليه من أعمال سترتب بدورها مزيدا من العزلة الشعبية للتنظيم، مع أن حساسيته لهذا البعد تبدو أقل بكثير من القاعدة، بخاصة «بن لادن» الذي كانت عينه مصوبة بشكل دائم نحو جماهير الأمة.
لكن مخاوف العزلة هي ما يفسر عدم إعلان المسؤولية عن هجوم مطار اسطنبول وتاليا تفجير المدينة المنورة، وبالطبع بعد اتضاح حجم السخط حيالهما، بخاصة اسطنبول الذي قتل فيه مسلمون من كل الجنسيات، الأمر الذي لا يصلح معه القول إنه رد على المشاركة في التحالف، وقد ينسحب ذلك على هجوم المدينة المنورة تبعا لقدسية المكان.
المشكلة أن المقاربة السياسية لهذه الأعمال لا تبدو مقنعة، وبالطبع لأن التنظيم لا يمثل المسلمين بحسب قناعة غالبيتهم الساحقة، بحيث تكون المشاركة في تحالف ضده سببا كافيا رغم الرفض الشعبي لتحالف (عماده الأميركان هم عماده والباقي «كومبارس»)، كما أن التنظيم لم يستثن من برنامجه المستقبلي حتى الفصائل الجهادية، فضلا عن قوله إنه ذاهب لروما، وسيزيل «عروش كل الطواغيت».
 
أما الأهداف، فهي أيضا لا تتجاوز النكاية، إذ من قال إن الدول، بخاصة الكبرى تغير سياساتها بسبب أعمال كهذه (يحدث أحيانا من دول صغيرة)؟ هل فعلت ذلك فرنسا أو أميركا أو حتى الدول العربية؟! بل إن الشواهد تقول إن بعضها يزداد شراسة في العداء.
ما فعلته تلك الأعمال هي تكريسها لعزلة التنظيم عن الغالبية الساحقة من الأمة، وهو ما سيرتب تراجعا في المدد الشبابي، وليس هناك من تنظيم يمكنه الاستمرار من دون حاضنة شعبية ومدد، فضلا عن أن يكون العالم كله ضده، والبعد الأخير وحده يكفي، فما من تنظيم أو دولة يمكنها محاربة العالم كله وتكسب المعركة، لأن موازين القوى تفعل فعلها، والإيمان يمنح القوة، لكن إلى حدود معينة ، ولكنه لا يكسر كل موازين القوى ، ومن يعتقدون ذلك إنما يستندون إلى قراءة خاطئة لتجربة التاريخ.
وفي حين مارس تنظيم القاعدة جهاد النكاية، فإن الفارق كبير بين تنظيم و «دولة» ستدفع ثمنا أكبر (طالبان نموذجا)، ما قد يحولها لاحقا إلى تنظيم مطارد، كما حصل من قبل في تجربة الدولة الإسلامية في العراق، والتي أصبحت مجرد تنظيم سري مطارد بعد ذلك، مع التذكير بأنه في الحالة الأخيرة قد يغدو أكثر خطورة؛ أقله في البداية.;
 
 
 

 

قد يعجبك أيضا