fbpx

دوائر واشنطن المفرغة ورمال الشرق الأوسط المتحركة

 

على بعد آلاف الأميال من الشرق الأوسط تبدو الحيرة على الباحثين والمسؤولين الأمريكيين حيال الخطوات الصحيحة لجلب الاستقرار لهذه المنطقة المنكوبة. سجال فكري قوي يجري داخل أروقة الإدارة الأمريكية ويتردد صداه في المراكز البحثية المختلفة حول مدى وجود “الرغبة” في التدخل لحل مشكلات سوريا ومصر، ويلحقها نقاش آخر حول “القدرة” على ذلك من جهة نجاعة الاستراتيجيات المطروحة على تحقيق أهدافها. تدور النقاشات بين فريق يدعو إلى حسم الخيارات والتحالف مع النظم القديمة للتخلص من خطر الإسلاميين المتطرفين، يقابله فريق آخر يحذر من العودة إلى السياسات التى انتجت أحداث الحادى عشر من سبتمبر والربيع العربى ويطرح الإنتظار “الإستراتيجي” بديلاً حتى تنضج الظروف للحسم. تكشف هذه السجالات الفكرية عجز الدولة القطب عن الحركة الفعالة في مستنقع بلا قرار وتوضح حدود القوى الخارجية على التدخل فى منطقة أقسم أهلها على ألا يتركوها لأحد، حتى لأنفسهم.

يرى جون ألترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط بمركز الدراسات الدولية والاستراتيجية، بأن الجهاديين خطر على المنطقة ومن أجل التخلص منهم يجب أن تنتهي الحروب التى هى في الحقيقة من أفرزت الفراغ الذى شرعن لوجودهم في المقام الأول. يركز ألترمان على أهمية الدور الأمريكي في الحل، ويقترح استراتيجية جديدة تقوم على قيادة أمريكا لعملية تفاوض طويلة النفس مع اللاعبين على الأرض من جهة وداعميهم الإقليميين من جهة أخرى– وفي نفس الوقت- وذلك من أجل الوصول إلى اتفاق يحقق التوازن بين اللاعبين وينجح في التوفيق بين المصالح المتعارضة. لم يحدد ألترمان ماهية المصالح المتعارضة، وكذلك لم يقدم تفاصيل استراتيجية التفاوض المقترحة. لا نعرف هل ستقوم أمريكا بهذا بشكل جماعي تشاركي مع دول المنطقة، أم منفردة وبشكل ثنائي بينها وبين كل طرف، بحيث يصبح اتفاقها المرتقب مع إيران باكورة نتائج هذه الاستراتيجية. في حالة كون هذا صحيحاً،  يمكن توقع إبرام أمريكا لاتفاقات ثنائية مع السعودية ومصر وإسرائيل بحيث تنسج كلها خيوط الاستراتيجية الجديدة. كل ما يوضحه ألترمان هنا هو أن مثل هذه الاستراتيجية تحتاج إلى مزيد من  الصبر وكثير من المهارة وقدر غير قليل من الإلتزام.

في مقابل هذه الرؤية ترى كارولين بارنيت، الباحثة في نفس البرنامج، أن الولايات المتحدة غالباً مترددة في التدخل في مصر، وبالتأكيد هي غير قادرة علي ذلك في حالة رغبتها. الولايات المتحدة مختلفة مع دول الخليج حول مستقبل مصر ومع ذلك فهى غير قادرة على منعهم من المضى في مسارهم الذى تراه ضاراً. ترى دول الخليج أن مصر يمكن أن تستقر بمزيج من الدعم الاقتصادي، وإقصاء الإسلام السياسي، مع تدعيم نموذج إسلامي مطيع في إطار سلطوي. هذه وصفة كارثية في نظر الولايات المتحدة، فناهيك عن فشلها فى السابق، فهي لا يمكن أن تحقق لمصر أي معدلات مقبولة للنمو في ظل احتياجاتها الهائلة بدون تمثيل سياسي يضمن مشاركة واسعة للجميع بدون استثناء. ترى بارنيت أن الولايات المتحدة عاجزة عن صد هذه المخططات على الرغم من اختلافها معها نظراً لتضاؤل نفوذها في القاهرة. لا ندرى إلى أي مدى يتفق جون مع كارولين حول مدى الإرادة والقدرة الأمريكية، لكن من الواضح أن جون يرى ضرورة التدخل وإن كان غامضاً حول اتجاهاته واستراتيجيته ومداه.

مزيد من التفاصيل حول النقاشات الأمريكية يمكن استقاؤها من نقاش صاخب آخر اندلع فى معهد بروكنجز، على بعد أمتار من مركز الدراسات الدولية والإستراتيجية، حول استراتيجية التدخل في الشرق الأوسط بعدما وصلت الأمور لمستويات مقلقة فى سوريا واليمن ومصر وليبيا. بدأ النقاش بمقالين نشرهما السفير مارتن انديك، نائب رئيس المركز، حول ضرورة حسم أمريكا استراتيجيتها في أحد اتجاهين: إما التحالف مع إيران أو التحالف مع النظم القديمة مثل السعودية ومصر وإسرائيل وتركيا، وذلك من أجل منع انفجار الشرق الأوسط. يرى إنديك أن إيران لن توقف برنامجها النووي، ولن تتوقف عن دعم حزب الله وحماس والجهاد الاسلامي والحوثيين، وكذلك لن تقوم بتفكيك الحرس الثوري وفيلق القدس مهما قدمت لها أمريكا من تنازلات، لذلك لن يمكن التحالف معها. البديل الوحيد المتبقى عندئذ لمواجهة خطر الجهاديين هو التحالف مع السعودية ومصر وتركيا وإسرائيل، ومن أجل تحقيق ذلك يجب الصمت على انتهاكات حقوق الانسان في هذه البلدان حيث أن هذه السياسة تهدد باغضاب العرب وإسرائيل من أمريكا وتدفعهم الي العمل بعيداً على حماية أمنهم وتقويض مصالحنا.

لم تمض أيام على مقالة إنديك حتى اشتبكت تمارا ويتس، نائب مدير برنامج الشرق الأوسط في نفس المركز، مع أفكار مديرها المباشر موضحةً اتفاقها مع جزئية عدم إمكان التحالف مع إيران، واختلافها مع ما طَرحهُ بشأن التحالف مع النظم القديمة. ترى تمارا، المسؤولة السابقة عن الربيع العربى في الخارجية الأمريكية، أن هذه النظم التى يقترح التحالف معها هي نفسها من أنتجت الفوضى الحالية برفضها للإصلاح من الداخل، وأنها بالإضافة إلى عجزها وعقمها، أيضاً منقسمة على نفسها بما سيمنعها من إنتاج أي توافق إقليمي مرجو. ترفض تمارا الإنجرار لرغبة مارتن بالإنخراط الفورى في إقامة حلف ترى أن خطرهُ أكبر من نفعهِ. في مقابل ذلك تقترح الاستمرار في التعامل الفردى مع كل قضية على حدة، وتكثيف العمل مع المجتمعات المحلية عبر إقامة علاقات أقوى مع مكونات ذات تمثيل أكبر للمجتمعات مع تجنب الانخراط فى أى خلافات عربية-عربية، وذلك حتى يظهر لاعبين جدد يمكن الاعتماد عليهم استراتيجيا في تحقيق استقرار يدوم.

انطلق رد تمارا على مارتن من منطلق عملى، بينما أتي رد مايكل أوهانلون، الباحث بشؤون الأمن والاستخبارات بنفس المعهد، عليه طارحاً مسألة أخلاقيةً هامة وهى كيف أن تجاهل الديمقراطية وحقوق الانسان في السياسة الخارجية يناقض القيم الأمريكية. يرى أوهانلون أنه لا يمكن العودة إلي الماضي ولا يجب إعادة انتاج ظروف الربيع العربي بالتحالف مع نفس الديكتاتوريات التى أنتجته في المقام الأول. يسير أوهانلون مع تمارا في نفس الخط الذى يرى أن أمريكا قوية بما يكفي وأن الجميع يحتاجها وأن الإنتظار الإستراتيجي هو الحل عن طريق التعامل مع كل مشكلة علي حدة. يمكن مثلاً مقايضة مصر علي تقليص المعونة مقابل حفظ حقوق الانسان وتحقيق انفتاح سياسي، ويمكن أيضاً الضغط علي السعوديين لقبول حكومة تمثيليه في سوريا، وكذلك يمكن تهديد البحرين بسحب الأسطول الخامس في حالة عدم احترام حقوق البدون. قد يكون من الصعب وسم كل ما سبق من سياسات مقترحة من قبل أوهانلون باللاعملية، لكن أوهانلون انطلق في صياغتها كلها من منطلق أخلاقي مستشهداً بمقولة لمارتن لوثر كنج تؤكد على أهمية العمل علي تغيير مسار التاريخ فى اتجاه العدالة، حتى لو استغرق ذلك بعض الوقت.

قد تبدو مثل هذه الردود مقنعة، وهي كذلك، حتى لمارتن إنديك نفسه الذى نشر رداً قويا على ما ذهب إليه كلاً من تمارا ويتس ومايكل أوهانلون. للمفاجأة، أعلن مارتن إنديك اتفاقهُ التام مع كل ما قالوه، لكنه عاد ليقدم نفس وجهة نظرة من منطلق آخر وهو منطق الضرورة الاستراتيجية واللحظة الحاسمة التي لا وقت فيها للمفاضلة بين الإستقرار والعدالة، ولا الإعتماد على شركاء ضعفاء واستبعاد آخرين أقوياء وموثوقين. بدا إنديك ماكراً في اللجوء إلى مثل هذا التكتيك، فكأنه يقول لهم: لا وقت لترددكم وعدم حسمكم، عندما يتعلق الأمر بأمن أمريكا القومي ومصالحها العليا سنختار الإستقرار على العدالة وسنفضل الشركاء الأقوياء على الضعفاء فى منطق امبراطوري تقليدي.

لا ندري هل انتهي السجال عند هذا الحد أم ستقوم تمارا ومايكل بالذود عن حُجَجِهِمَا ولا نعرف أيضا حجم تمثيل المتحاورين من المعهدين في الإطار الأمريكي الأوسع، لكننا نعرف أن مثل هذه الافكار متداولة داخل أروقة الإدارة الأمريكية بكثافة. بشكل عام، يمكن الخلوص من النقاشات الحالية إلى سيادة حالة من عدم الفهم لمآلات تفاعلات المنطقة مترافقة مع عدم ثقة في إمكان التدخل الفعال في ظل هذا الغموض. يحاول البعض في واشنطون خلق حالة من الاستعجال قد تدفع الإدارة للتدخل العاجل بشكل تقليدي أو غير تقليدى. يمثل مارتن إنديك الفريق الأول الذى يقترح العودة إلى التحالفات التقليدية وطمئنة الحلفاء القدامى بالتوقف عن انتقاد مصر والمضى مع السعودية في خططها للإطاحة بالأسد. بينما يمثل كلاً من تمارا ويتس ومايكل أوهانلون الفريق الثانى الذى يرى عدم جدوى العودة إلى الماضى، وعدم إمكان عقد تحالف موسع مستدام في ظل هذه الظروف، وبذلك يكون التدخل انتقائيا ومؤقتاً بغرض تجميد الوضع القائم من الانفجار والتمهيد لحلول طويلة المدى حال نضوج ظروفها. لا يمكن وضع ألترمان كلياً مع المعسكر الأول رغم غموض استراتيجيته “المبتكره” نظراً لإدراكة لاستحالة العودة إلى الماضى، ولا يمكن وضعة تماماً مع المعسكرالثانى لاختلاف مدخله للحل عنهم، حيث يقترح استراتيجية تفاوض شاملة لإنهاء الحروب وتجفيف منابع الجهاديين.

في العمق من هذا النقاشات تبرز مشكلة عدم وجود حليف يمكن الإعتماد عليه أمريكياً، وهى وإن كانت معضلة أمريكية فهى قضية عربية بالأساس. تنكر النظم المحافظة حقيقة حدوث تغييرات هيكلية كبيرة تمنعها من الحفاظ على استقرارها الداخلي ومواصلة دورها الإقليمي متمثلة في التغييرات الجيلية المترافقة مع فشل سياسات التنمية الاقتصادية واستنفاذ الإحتواء السياسي لحدوده، وهو ما أفرز أجيالاً غاضبة ترفع مطالب جذرية يسهل تحولها مع تنظيمات جهادية إلى قوى تدميرية. في المقابل، تبدو قوى الإسلام السياسي غير قادرة على استيعاب تناقضات صعودها المفاجئ للمسرح السياسي المحلى والدولي على حد سواء. فمن جهة هي تملك شعبية جارفة وقادرة على اجتذاب الأصوات، لكنها من ناحية أخرى غير قادرة على الحكم منفردة ولا على التواصل الفعال مع النخب القديمة  والنظام الدولى. حتى يستطيع الفرقاء التوصل لتفاهمات حول قضاياهم، ستظل الولايات المتحدة فى تلك الحيرة وستستمر النقاشات في تلك الحلقات المفرغة حتى تستقر رمال المنطقة المتحركة.

قد يعجبك أيضا