مأزق “حزب الله” وسلاحه العاجز أمام الثورة اللبنانية

بعد مرور أكثر من شهر على الثورة اللبنانية لم يظهر سلاح حزب الله على جدول أعمالها، بل بدت مشغولة بما أنتجه وتسبب به ولكن من دون الإشارة إليه. يجد حزب الله نفسه أمام هذا الانتقال المفاجئ من الحديث عن السلاح إلى الثورة ضد آثاره ومفاعيله خائفا وعاجزا عن ابتكار وسائل الدفاع والصدام. لم يسبق أن كان سلاحه مشلولا وعاجزا عن إنتاج معادلات التفوق والغلبة مثل هذه اللحظة.

سقطت بسرعة فائقة المعادلات التي يستند إليها ويعمل من خلالها، معادلة تقديس السلاح بوصفه معمل إنتاج للكرامة سقطت بشراسة تحت عنوان الكرامة نفسه، الذي أظهر توالي الأزمات وتسارعها في مختلف ميادين الاقتصاد والاجتماع والأمن والعيش اليومي أنه بات مفرغا وخاليا من المعنى.

تحولت الكرامة التي كانت تبرر السلاح وتمنحه شرعية إلى ذل عارم وشامل، والمفارقة أن هذا السلاح نفسه كان الصانع والمنتج الأساسي لهذا الذل. ما يقرؤه حزب الله بشكل خاص في يوميات الثورة يكاد يكون الأخطر بالنسبه إليه لأنها تصب جميعها في نهاية المطاف في خانة التصويب على مآلات سلاحه وإفرازاته.

إزاء هذا الواقع يسعى حزب الله بشكل محموم إلى سحب العصب المطلبي من الثورة وردها إلى السياسة وإعادتها إلى جادة الانقسامات المألوفة أو إلى أي ثنائية ما تضعه مع جمهوره وتحالفاته في مواجهتها.

يستعين تارة بإحياء ثنائية 8 و14 آذار أو سني شيعي أو بلعبة العملاء الصهاينة في مواجهة الشرفاء. كل تلك الثنائيات لم تعد قائمة لانتفاء أي تجانس بين مكون محدد يسمح بخلق ولو الحد الأدنى من تماسك الخطاب والأهداف، فالعناوين المطلبية العامة والشراسة والحماسة في مواجهة كل بنى السلطة فككت كل إمكانية لخلق الثنائيات المتصادمة، وسمحت بإنتاج كائن لبناني بصفة مواطن.

لا ينظر هذا المواطن الوليد إلى كل السلطة إلا بوصفها مرايا لخراب سلطة من إنتاج حزب الله، لذا لا يجد نفسه مضطرا لمنح الحزب الحجة لاستخدام سلاحه للدفاع عن السلاح، فكل استهداف للصيغ التي خلقها الحزب بما يتلاءم مع مشروعه إنما تستهدفه وسلاحه مباشرة.

كان لافتا أن الحزب لم ينجح في أن يحول استقالة الحريري إلى هزيمة للطائفة السنية، أو أن يخلق من الاستهدافات التي طالت رئيس الجمهورية مقدمة لخلق تروما مسيحية عامة، بل سارت الأمور دائما وفق سياق معنى خرج على سيطرته، وبات في كل لحظة يستهدف سلطة أنتجها وصممها على منواله.

لأول مرة ربما منذ لحظة نشأته في الثمانينيات يجد حزب الله سلاحه مجمدا وعاجزا عن الحركة، فهو قبل كل شيء لا يستطيع أن يجد عدوا ولا أن يخلقه، وخصوصا بعد أن خسر في الأيام الأولى من عمر الثورة القدرة والحق في النطق باسم الشيعة وإن كان لم يفقد القدرة على قمعهم.

الجديد في علاقته بالشيعة يتمثل في ظهور الفجوة الكبيرة بينه وبين جمهور يطالبه بترجمة ما يبيعه له من كرامة وعزة في ميادين الاقتصاد والوظائف والإنماء والحياة اليومية، في اللحظة نفسها التي يصر فيها على فصل اقتصاد الحزب عن اقتصاد الدولة الذي يضم اقتصاد عموم الشيعة، ساخرا من الأزمة الاقتصادية العامة، ومؤكدا على قدرة حزبه على الاستمرار في دفع رواتب موظفيه وجنوده في حين أن الدولة ستكون عاجزة عن ذلك.

الجمهور الشيعي كان يوالي حزب الله انطلاقا من بُعدين أحدهما مصلحي نفعي خالص والآخر أيديولوجي ولكنه كذلك موصول بسياق منفعة ما مباشرة أو رمزية على شكل شعور تميز وغلبة. كان خطاب الموالاة هذا يجد في المنطقة ما يعززه ويتماهى معه إذ إنه قبل هذه الفترة كان حزب الله في علاقته مع جمهوره الشيعي يمثل النموذج الأبرز الذي يكرره الشيعة في العراق وإيران، ويمثل عنوانا عريضا لفكرة التشيع في العالم بوصفها منتجا من صناعة إيران تمتلك الحق في تصديره وتسويقه والتعامل معه على هواها.

جاءت رياح الثورات على عكس ما تشتهيه سفن حزب الله وبات مضطرا أن ينفصل عن السياق الإقليمي للتشيع، لأنه بات عنوانا شديد الإحراج بالنسبة له فالسلطات التي يستمد منها الشرعية تذبح الشيعة في أقدس أماكن التشيع التاريخية في العراق، وتمارس مجزرة مفتوحة في حقهم في إيران تحت ظلال تعتيم إعلامي وأنترنتي يحيل إلى زمان القرون الوسطى.

من هنا بات حزب الله مضطرا إلى العودة إلى الداخل اللبناني والحرص على تثبيت حضوره من خلال هذا الداخل الذي يغلي حاليا في ثورة يعلم بوضوح تام أنها، مهما تشعبت وتفرعت وكثرت عناوينها، تتوجه ضده في لحظة لا يمتلك فيها سبل المواجهة بالتخوين أو بخلق شارع مضاد أو غيرها من الأساليب السابقة لأن الثورة تخترق كل فئات الشعب اللبناني ما عدا هؤلاء الذين يتلقون الرواتب من عناصره وموالي التيار الوطني الحر.

لا يوجد أمام الحزب من وسيلة سوى خلق لحظة تتيح له إعادة إنتاج السلطات المتداعية بواسطة سلاحه، وهو خيار دونه الكثير من المخاطر والمحاذير لذلك  يسعى إلى أن يخلق إشكالا دمويا بين الجيش والثوار كي يدخل على الخط بسلاحه تحت عنوان حماية الجيش.

كان لافتا مدى النزق الإلهي من عدم ركون الجيش إلى سيناريو القمع العنيف والدموي لدرجة أن النائب الإلهي علي عمارعلَّق على نجاح الثوار في منع انعقاد جلسة نيابية تشريعية منتقدا بحدة أداء الجيش متهما إياه بعدم التدخل بينما كان نواب الأمة يتعرضون للإذلال على يد الشعب.

أمام فشل هذا السيناريو لم يبق أمام الحزب سوى ورقة الإرهاب الداعشي لاستدعائها خصوصا بعد أن بدا أن أميركا تتخذ فعليا دور المتفرج والناصح والمعلق ليس إلا، ويواجه  الثوار تصريحاتها بشأن ما يحدث في لبنان بالانتقادات العنيفة والرفض التام. يضاف إلى ذلك أن ما يروّج له من منح روسيا الضوء الأخصر لإيران وحزب الله باللجوء إلى الحل الأمني العنيف في لبنان لا يعدو كونه تحليلات تفتقد إلى الدقة لأنه لو كانت إيران قادرة على إنفاذ هذا الحل لما تأخرت، كما أن روسيا التي سمحت مؤخرا للطائرات الإسرائيلية بتنفيذ ما يوصف بأنه قد يكون الغارات الأعنف على مواقع إيرانية في سوريا لا تعمل في خدمة إيران بل يتجلى تعارض المصالح بينهما في أكثر من ميدان.

التباين الروسي الإيراني الجلي والواضح ينعكس على سلوك حزب الله  في لبنان، الذي يحاول تنظيم العلاقات بينه وبين الروس من خلال الانفتاح على الأسد الذي تعتبره روسيا عنوان نفوذها الشرعي في المنطقة، وقد ردّ بنفسه على إشارة الضعف الإيراني هذه بتوجيه توصيف ماكر للثورة اللبنانية، يعلن فيه أنها تمثل ناحية مطلبية وليست مؤامرة خارجية كما يتهمها نصرالله.

بناء على ما سبق ليس أمام حزب الله سوى اللجوء الى فتح صندوق داعش الأسود، وقد بدأ الترويج لمثل هذا السيناريو عبر مقالات لصحافيين يدورون في فلكه تتحدث عن توجه مجموعة من قيادات داعش إلى المخيمات الفلسطينية.

يحاول حزب الله إعادة تظهير سلاحه وشرعنته من مدخل الحرب على الإرهاب الداعشي، الذي سيسمح وفق وجهة نظره بالتسليم له بالحق في إعادة إنتاج السلطة المتداعية.

يستدعي الكارثة الداعشية على عجل متجاهلا مآلات الأمور في البلد التي جعلت من القبول بإعادة إنتاج السلطات المترهلة موتا أكيدا بالنسبة لعموم اللبنانيين. هكذا وفي حال ذهب حزب الله بعيدا في الركون إلى مثل هذا السيناريو يرجح أن يضعه اللبنانيون مع داعش في الخانة نفسها، ويجدون أنفسهم أمام تنويعين لعدو واحد يقع على عاتقهم محاربته عبر قوة الجيش والشرعية والثورة.

قد يعجبك أيضا