هل يمكن رأب الصدع في العلاقات الأميركية التركية؟

وصل التأزم في العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية وتركيا إلى درجة الفرض المتبادل للعقوبات على شخصيات سياسية، وزراء الداخلية والعدل في البلدين، الأمر الذي يشير إلى بداية مرحلة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات بينهما، تُذكّر بالتي بدأت عام 1975 وفرضت فيها الولايات المتحدة الأميركية عقوبات على تركيا، من خلال فرض حظر شامل للأسلحة عليها، على خلفية اجتياح الجيش التركي شمالي جزيرة قبرص عام 1974، وردّت تركيا بإغلاق القواعد الأميركية في أراضيها، في قرارها إلغاء جميع الاتفاقيات العسكرية مع الولايات المتحدة من جانب واحد، ونقل السيطرة والسيادة على جميع القواعد العسكرية التي يستخدمها الجانب الأميركي في تركيا. ولم تعد العلاقات بينهما إلى طبيعتها إلا بعد مفاوضات وحوارات بين ساسة البلدين وقادتهما العسكريين، استمرت ثلاث سنوات، وأفضت إلى تراجع الإدارة الأميركية آنذاك عن قرار حظر الأسلحة إلى تركيا. 
 ولعل من اللافت أن يصادف التصدع الحالي في العلاقات الأميركية التركية الذكرى الأربعين لتلك الخطوة التي يعتبرها القوميون الأتراك تاريخية، ومعهم المحافظون الإسلاميون، لذلك احتفى الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي بالحادثة، واعتبروها نموذجاً لمواجهة ما سمّوها “غطرسة الولايات المتحدة الأميركية”. وقد سبق وأن هدد مسؤولون أتراك مراراً بإغلاق قاعدة إنجيرليك في وجه القوات الأميركية، خصوصا بعد تصاعد التوتر بين البلدين، بعد تقديم الولايات المتحدة الدعم العسكري واللوجستي لمليشيا “وحدات حماية الشعب” الكردية، الذراع العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الذي تصنفه أنقرة منظمة إرهابية، واعتبر أكثر من مسؤول تركي إغلاق القاعدة “حقا سياديا” للدولة التركية وحكوماتها، ويمكنها اتخاذه حينما تريد. 
وإذا كان ظاهر الأزمة بين البلدين هو مسألة سجن القس أندرو برونسون الذي تحاكمه محكمة في مدينة إزمير، بتهم إرهاب وتجسس، وأخرجته بقرارها من السجن لتضعه تحت الإقامة الجبرية، إلا أن الأزمة تمتد إلى أبعد من ذلك، ولها جوانب سياسية واقتصادية متعدّدة. 
وإن كان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قد قرّر فرض عقوبات على وزيري العدل والداخلية التركيين، عبد الحميد غول وسليمان صويلو، بسبب احتجاز القس برونسون، إلا أن قراره جاء، في حقيقة الأمر، بمثابة محاولة إرضاء ناخبيه من المتشدّدين الإنجيليين، وكسب أصواته خلال الانتخابات النصفية المقبلة في نوفمبر/ تشرين الثاني، ولذلك رفض الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، تقديم تنازلات فيما يتعلق “باستقلال القضاء”، معتبراً أن تهديدات “العقلية الصهيونية الإنجيلية” في الولايات المتحدة غير مقبولة. 

في المقابل، تسجن الولايات المتحدة الأميركية المصرفي محمد هاكان أتيلا، الذي كان يتولى منصب نائب رئيس بنك هلق التركي، بتهمة غسل أموال إيرانية، إلى جانب أن واشنطن تحاكم 15 عنصراً من حراس الرئيس أردوغان، بتهم ضرب متظاهرين خلال زيارته لها في مايو/ أيار المنصرم، لكنها أسقطت أخيرا التهم عن عدد كبير منهم. وتبقى مسألة تسليم الداعية فتح الله غولن، المتهم بالوقوف وراء المحاولة الانقلابية الفاشلة في منتصف تموز/ يوليو 2016، من أهم ملفات الخلاف بين البلدين، وسبق للرئيس أردوغان أن عرض مبادلة بروسنون بغولن، لكن واشنطن رفضت هذه المبادلة. 

ويبدو أن التأزم في العلاقات الأميركية التركية قد وصل إلى مرحلة من التّصدّع الذي يتطلب جهوداً كبيرة من أجل رأبه، في ظل أجواء من العداء الشعبي في تركيا حيال سياسات الولايات المتحدة نحوها، وغياب أي دور فاعل أو مؤثر للمؤسسة العسكرية التي كانت تدور في فلك حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وترضخ، في معظم الأوقات، لما تطلبه الولايات المتحدة، إذ بات المشهد السياسي التركي يتصدّره اليوم الرئيس أردوغان والحكومة التي شكلها، وبات العسكر في الصف الثالث. 
ويدرك ساسة الولايات المتحدة جيداً أن قدرتهم في التأثير على ساسة تركيا محدودة جداً في أيامنا هذه، خصوصا أن الرأي العام التركي، في معظمه، بات رافضاً السياسة الأميركية، وكان لافتاً أن تعرب الكتل النيابية لأربعة أحزاب سياسية في البرلمان التركي، في بيان مشترك أصدرته، عن رفضها الشديد قرار العقوبات الأميركية، ما يعني أن حزبي المعارضة الرئيسيين، حزب الشعب الجمهوري والحزب الصالح أو الجيد، تضامنا مع حزبي التحالف الحاكم، حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية، بما يملكانه من “تضامن وعزيمة مشتركة” لدى الشعب التركي، لكي يقولوا “لا للتهديدات الأميركية”. وذهب الأمر إلى حدّ مطالبة أحد المسؤولين في الحزب الصالح المعارض بالاستيلاء على أبراج الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في إسطنبول. 

ولعل بداية التّصدّع الذي أصاب العلاقات الأميركية التركية تعود إلى تعامل الولايات المتحدة من القضية السورية، على خلفية حصر واشنطن أولوياتها في دعم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سورية، والذي تعتبره تركيا الذراع السوري لحزب العمال الكردستاني التركي، من أجل محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وغضّت النظر عن ممارسات النظام السوري الذي كانت أنقرة تعتبر أصل المشكلة. والأهم هو تخلي الغرب والولايات المتحدة عن تركيا، حين توتّرت علاقاتها مع روسيا، بعد إسقاطها إحدى مقاتلاتها في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني من العام 2015. وزاد الموقف الموقف الأميركي، الملتبس من المحاولة الانقلابية الفاشلة من توتر العلاقات بين البلدين، إضافة إلى رفض الولايات المتحدة تسليم غولن الذي يقيم في بنسلفانيا الأميركية. 

والملاحظ في خط سير العلاقات الأميركية التركية المتعرّج أن قضايا منطقة الشرق الأوسط الإقليمية باتت العامل الأساس المحدّد لها، والمساهم الأول في توتّرها وتصدّعها، بدءاً من الموقف من القضية السورية، ومروراً بالعلاقات بين تركيا وإسرائيل، ووصولاً إلى علاقات تركيا مع نظام الملاليالإيراني، خصوصا في الجانب الاقتصادي، إضافة إلى علاقات تركيا مع روسيا الاتحادية، وما نتج عنها من تفاهمات سياسية بين الثلاثي، الروسي والملالي الإيراني والتركي، حيال الملف السوري، ولذلك اعتبر المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، أن من الممكن “إنقاذ العلاقات وتحسينها إذا نظرت الإدارة الأميركية بجدّية إلى مخاوف تركيا الأمنية، ذلك أن تركيا لا يمكنها غض الطرف عن تصرفات أحد حلفاء حلف الناتو عندما يهدّد أمنها القومي في الداخل والخارج”. 
ونتيجة تراكم الخلافات بين أنقرة وواشنطن بشأن ملفات المنطقة، أخذ الساسة الأميركيون بتغيير لهجة خطابهم حيال تركيا، وارتفعت حدّته إلى مستوىً غير مسبوق، مع إطلاق تهديدات وفرض عقوبات، فيما قابل المسؤولون الأتراك ذلك بخطابٍ معاكس، رافض لغة التهديد والعقوبات، مع التشديد على أن بلادهم لن تخضع للتهديدات، وأنها ستلجأ إلى مبدأ المعاملة بالمثل حيال العقوبات، وذهب وزير الخارجية التركي، مولود جاووش أوغلو، إلى القول: “لا أحد يمكنه إصدار أمر لتركيا، ولن نقبل أبداً التهديدات أيا كان مصدرها”. 

وبات جلياً أن كل المساعي التي قام بها وزير الخارجية الأميركي السابق، ريكس تيلرسون، في فبراير/ شباط الماضي، حينما زار أنقرة، لم تنجح في رأب الصدع وإعادة العلاقات الأميركية التركية إلى طبيعتها بين حليفين عضوين في حلف شمال الأطلسي، إنما استمرت الخلافات وتصاعدت، على الرغم من أن ساسة الولايات المتحدة ينظرون، على الدوام، إلى تركيا بوصفها إحدى ركائز السياسة الأميركية المهمة في منطقة الشرق الأوسط والبلقان وآسيا الوسطى، وهم يدركون جيداً أن استمرار التصدّع في علاقاتهم معها، سيفضي إلى تغيير وجهتها السياسية نحو موسكو كلياً، خصوصا بعد أن أوصد الحلفاء الغربيون أبوابهم أمام عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، بينما يترقب الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بمزيد من الرضا هذا التصدّع الذي يلبي طموحاته في توسيع نفوذ بلاده جنوباً نحو حوض البحر الأبيض المتوسط. 

وقد تلت تهديدات ترامب وعقوباته ضد تركيا خطوة عملية، تجسّدت في مشروع قانون، وافقت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، يقيّد حصول تركيا على قروض من المؤسسات الدولية، وربما يصادق عليه مجلسا النواب والشيوخ والرئيس ترامب، بالتزامن مع تشديد العقوبات الأميركية على طهران، وتطبيق الحزمة الثانية منها في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، خصوصا إذا واصل الساسة الأتراك إصرارهم على عدم الرضوخ للعقوبات الأميركية الجديدة على نظام الملالي الإيراني، وبالتحديد فيما يتعلق باستيراد النفط والغاز. ولذلك هناك خشية لدى قطاع المال والأعمال في تركيا من أن توسّع إدارة ترامب عقوباتها على تركيا، الأمر الذي انعكس على تراجع سعر صرف الليرة التركية وزيادة نسبة التضخم، وسيتفاقم ذلك إذا وصل الأمر إلى التضييق على التبادل التجاري بين البلدين، وخصوصا التضييق على الصادرات التركية إلى الولايات المتحدة. إضافة إلى أن هناك تخوفا لدى الأتراك من أن يوافق ترامب على مشروع قانون أقرّه مجلس الشيوخ، يقضي بإلغاء بيع تركيا طائرات مقاتلة من طراز “إف 35″، إذا مضت في صفقة منظومة أس 400 الصاروخية من روسيا، والتي تم التوقيع على عقد شرائها في 12 سبتمبر/ أيلول 2017، بحجّة أن “أي جهد تقوم به تركيا لتعزيز علاقاتها مع روسيا سيمس بأمن حلف شمال الأطلسي (الناتو) وبأمن الدول الأعضاء في هذا الحلف”. وقد يتعدّى الأمر ذلك إلى تمرير قوانين تحظر أنواعا أخرى من الأسلحة والقطع العسكرية التي تستوردها تركيا باستمرار من شركات صناعات الأسلحة الأميركية. 
في المقابل، يرى الساسة في أنقرة أنهم لن يحيدوا عن مواصلة العلاقات مع إيران، وخصوصا في جانبها الاقتصادي، إذ جدّد وزير الخارجية التركي، مولود جاووش أوغلو، رفض بلاده قطع علاقاتها التجارية مع إيران، ورفض كذلك وقف استيراد النفط والغاز منها، لأن ذلك يخص أمن الطاقة التركي، بوصفها دولة غير منتجة لمصادر الطاقة. 

وتستورد تركيا من إيران حوالي 50% من مجموع الإمدادات النفطية، و20% من إجمالي “يرى الساسة في أنقرة أنهم لن يحيدوا عن مواصلة العلاقات مع إيران، وخصوصا في جانبها الاقتصادي”واردات الغاز، ولذلك لا يرغب الأتراك في الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة في الالتزام بالعقوبات التي تفرضها على النظام الإيراني. ولذلك يحاجج وزير الخارجية التركي بتمسّك الدول الخمس الكبرى، روسيا وفرنسا وبريطانيا والصين وألمانيا، بالاتفاق النووي الإيراني، على الرغم من انسحاب إدارة ترامب منه، وبرفض الهند الالتزام بأي قرار أميركي أحادي الجانب في شأن العقوبات الأميركية، حرصاً على المصالح التركية مع إيران. 

ويبقى أن العلاقات بين الدول يحدّدها حجم المصالح والمنفعة بينها، وخصوصا الاقتصادية، إذ يعي الساسة الأميركيون والأتراك ما تمثله العلاقات الاقتصادية بين البلدين، حيث مثلت الولايات المتحدة، العام الماضي خامس أكبر سوق للمنتجات التركية، وبلغت نسبة الصادرات التركية إليها 5.5% من إجمالي صادراتها، وذلك بعد أن زادت الصادرات التركية إلى الولايات المتحدة في 2017، بنسبة 30.7%، مقارنة بعام 2016، حيث بلغت القيمة الإجمالية للصادرات التركية إلى الولايات المتحدة 8.7 مليارات دولار خلال العام الماضي. بينما كان مجموع التبادل التجاري بين الولايات المتحدة وتركيا 22.4 مليار دولار عام 2016، وبلغت قيمة الصادرات الأميركية إلى تركيا 12.5 مليار دولار، والواردات 9.9 مليارات دولار، بحيث وصل الفائض التجاري الأميركي مع تركيا إلى 2.5 مليار دولار. ومنذ بداية 2018 وحتى نهاية أبريل/ نيسان الماضي، بلغ رأس المال الأميركي الوافد إلى تركيا من أجل الاستثمار 120 مليون دولار، مقارنة بـ 20 مليون دولار في الفترة نفسها من العام 2017، الأمر الذي يشير إلى أهمية الشراكة التجارية بين الولايات المتحدة وتركيا، وإلى صعوبة التفريط بهذه الشراكة، على الرغم من الصدع الذي أصاب العلاقات الأميركية التركية. 

والحاصل أن الصدع الذي أصاب العلاقات التركية الأميركية لن يُفضي إلى قطيعة بينهما، بل هناك محاولات لاحتوائه عبر ترتيباتٍ تجري خلف الكواليس وبعيداً عن الأضواء، حيث تلوح في الأفق بوادر تهدئة وإعادة شيءٍ من الثقة بين ساسة البلدين، ويدخل في ذلك توجه وفد من الخارجية التركية إلى واشنطن، لبحث سبل رأب الصدع، والحدّ من التداعيات والإرهاصات السلبية في علاقات هذين الحليفين الإستراتيجيين، والأيام المقبلة كفيلة بكشف ما ينتظر علاقات البلدين

قد يعجبك أيضا