اللجنة الدستورية كمؤشر إضافي على موت القرار 2254

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

25 سبتمبر/أيلول 2019
السورية.نت
المؤلف: 

مع اعلان تشكيل اللجنة الدستورية عاد النقاش المحلي مرة أخرى حول الموقف العام ومساحات الفعل المطلوبة؛ لذا من  الأهمية بمكان استعراض الحركية السياسية التي جُعِلَ فيها الحل السياسي مختصراً بلجنة دستورية، فهي ستوفر لنا معرفة على أي أرض تقف المعارضة وقوى الثورة وإلى أين تمضي العملية السياسية؟

 كشفت مجريات الأحداث في المشهد السوري منذ نهاية أيلول 2015 (تاريخ التدخل الروسي في سورية) عن استراتيجية موسكو وحلفائها الدبلوماسية في التعاطي مع المحددات الناظمة للعملية السياسية؛ والتي قامت ولا تزال تقوم على الالتفاف التدريجي على التوافقات الدولية المنجزة، وتطويع جملة المصالح المتشابكة في المسرح السوري لخدمة إعادة تعريف العملية السياسية بشكل دوري ودائم، وبما ينسجم مع موازين القوى العسكرية وطموحات الحل الصفري، وترك الفتات كمحل نقاش وتفاوض؛ فخلال أقل من شهرين من تدخلها العسكري ولتوفير دفع سياسي دولي يتوافق مع حجم المتغير الجديد (التدخل) دفعت الدبلوماسية الروسية باتجاه عقد مؤتمري فيينا في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2015 و14 نوفمبر/تشرين الثاني 2015 (تحت اسم محادثات فيينا للسلام)، والذي كان له دور مهم في دفع العجلة باتجاه استصدار القرار 2254،  وهو ما اعتبر قفزة نوعية أفرزت  تعريفاً تنفيذياً لبيان جنيف، والذي استطاع تغييب نص" تشكيل هيئة حكم انتقالية ذات صلاحية كاملة" عن صيغة القرار الجديد.

كما أفرز المؤتمران توكيلاً للأردن في إعداد قائمة للتنظيمات الإرهابية والتي استخدمت كسيف مسلط على رقاب المعارضة المسلحة، لاجبارها على التماهي مع المناخ السياسي المتشكل، وتوكيلاً للمملكة العربية السعودية لتوحيد المعارضة بغية ضمان تكسير بعض الاذرع الصلبة ضمنها وتطعيمها بأجسام مرنة، ليغدو المنتج جسماً مليء بالتناقضات البنوية وفيه من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، فكانت اجتماعات الرياض (1)، يومي 8-9 ديسمبر/كانون الأول 2015، والتي أفرزت "الهيئة العليا للمفاوضات" (كمرجعية سياسية)، والهيئة بدورها شكَّلت منها وفد التفاوض (كفريق تفاوض).

وخلال عام 2016 استطاع الروس أن يغيروا موازين الصراع بعد إخراج حلب الشرقية من معادلات التأثير العسكري؛ وُبعيد ذلك سارعت موسكو لتكوين منصة استانة  استثماراً لتثبيت المكتسب العسكري، وتمهيداً منها لإعادة التعريف مرة أخرى، فمنذ الجولة الاولى لمفاوضات أستانة طرحت مسودة الدستور؛ وعلى الرغم من أن السمة العامة للمسار تتبلور في البعد الأمني؛ إلا أنها -أستانة- حاولت  سحب بعض الوظائف السياسية المنوطة بمسار جنيف، واستطاعت بعد مؤتمر سوتشي مطلع عام 2018 أن تصدر مخرج اللجنة الدستورية، لتتلقفه الأمم المتحدة وتتشارك مع استانة مرجعية العملية السياسية،  بعد أن كانت وحيدة، وبذلك ضمنت موسكو أستنة جنيف.

أمنت سياسات القفزات تلك تغيير تموضع الدستور في المستندات الدولية، فبعد أن كانت قضية الدستور في بيان جنيف مبلورة بعبارة "إعادة نظر" وفي القرار 2254  متموضعة كخطوة لاحقة لـ"عملية سياسية بقيادة سورية تيسرها الأمم المتحدة، في غضون ستة أشهر، حكماً ذا مصداقية يشمل الجميع ولا يقوم على الطائفية"  فها هو الدستور بات مدخلاً "وحيداً" للحل السياسي، والمهم هنا أنه يتم -بكل سلاسة-  تجاوز التسلسل الزمني لل2254؛ أي القفز فوق أي حديث حول حكم انتقالي أو أي حكم، وحصر الاستحقاقات التي يتضمنها الجدول الزمني المذكور بالقرار ضمن خانة "تحديات حكومية".

إذاً؛ وبصمت دولي مقصود؛ بات تعريف العملية السياسية محصوراً بدستور وتصريحات بروتوكولية حيال السلل المتبقية؛ لتنطلق بعدها مارثونات دبلوماسية تتحدث  وتتباحث حول اللجنة بينما السيطرة العسكرية للنظام تتسع وتتنامى؛ خاصة بعدما أمنت له الاستانة تثبياً للصراع ومن ثم قضماً ممنهجاَ لمنطقة تلو أخرى بسياقات سياسية متباينة وتصدير كافة التحديات إلى ادلب، التي باتت اشكالاتها البنيوية فوق طاقة أحد، وليعود الروس ليفرضوا شروطاً جديدة على هذه اللجنة واضعة العصى تلو العصى في العجلة الأممية، وليستغرق الاعلان عن تشكيل اللجنة قرابة العامين، استطاع النظام والروس من خلالها الدخول في أدق التفاصيل وتحويلها لشد وجذب بغية اتمام المشهد محلياً بما ينسجم مع زاويتي النظر الخاصة بالنظام، الأولى الزاوية التنموية (طرق الامداد الدولية وما تعنيه من انفراجات وتنفيذاً لاستحقاقات النظام التنموية بعد الحرب) وهذا ما حاول ابتداءاً تحصيله "سلماً" من اتفاق سوتشي في الجولة التاسعة من مسار أستانة إلا أن تعثر تنفيذ الاتفاق جعل النظام والروس يمضون في تطبيقه عنوة، مما أسفر عن خسارة جيب بالغ الأهمية والمتمثل في مناطق ريف حماه  الشمالي وجنوب ادلب، لتبدو سيناريوهات تحصيل الطرق الدولية أسهلها.

أما الزاوية الثانية فاهتمت بقضايا "تثبيت الشرعية" وذلك عبر استغلال الالتفافة الواضحة لبعض الدول العربية من جهة، واستثمار عبء اللاجئين على القارة العجوز لتقديم صفقة إعادة اللاجئين مقابل إعادة الإعمار من جهة أخرى.

مع كل قفزة؛ تدخل المعارضة ذات الأحجية لتركن إلى تبرير خاص يتكئ على فهم مجتزئ للواقعية السياسية، ويتمثل هذا التبرير بأن "الواقعية تتطلب منا الانخراط" وإدعاءات "مقارعة النظام" و"عدم ترك هذا المقعد شاغراً" وبـ"أن المساحة المتبقية كفيلة بتحقيق الانتقال" ...إلخ؛ ورغم إدراك صعوبة الخيارات وتقلب الموازين واختلاف العناصر المكونة للمشهد والتحولات الكبرى في مواقف الدول، فإن هذا لا يعفي المعارضة من تخليها التدريجي عن أوراق القوة التي تمتلكها قبل أن تصبح بقايا ورقة تطير كيفما هبت الرياح الاقليمية والدولية.

لكن القفزة الأكبر (الحاسمة والمتوقعة)، ستتمثل في تجاوز اللجنة الدستورية، والتي ستبقى أسيرة الاستعصاء ومتاهات التفاصيل وكثرة النقاشات والاستعراضات وكثرة الاجتماعات، وسيعمل النظام صاحب الكتلة المتماسكة في هذه اللجنة على مسارين؛ الأول فرض محدداته والمتمثلة بمناقشة الدستور وليس تعديله أو تغييره، أي بمعنى آخر توصيات دستورية ناهيك عن تثبيت "الدولة الدسورية"كمرجعية قانونية ودستورية للجنة ومخرجاتها، والمسار الثاني فهو ما يعرف باسم "متاهة التفاصيل" بغية كسب الوقت وتزمين الاستعصاء؛ ليلتقي المسارين في عام  2021 ليصبح الحديث أكثر "واقعية"  آنذاك حول الانتخابات باعتبارها ستكون "أمراً واقعاً".

وبذلك يكون قد اختُبِرت كل عناصر القرار 2254 وتم تجاوزها بنداً بنداً وفترةً فترة، وبحجة "عدم الصلاحية" تتحول الاستحقاقات الكبرى في المشهد السوري إلى أجندة غير ملزمة وغير مستعجلة في جدول أعمال النظام.

نعم مشهد قاتم؛ لكن السياسة ميدان الفعل بكافة الظروف، ولتحسين الشروط الوطنية أمام ضائقة الخيارات وللانتقال من دائرة المفعول به إلى الفاعل ينبغي أولاً الانتباه أن يكون الدستور تفصيلياً يضيق مساحات المشرع وتفسيرات السلطة التنفيذية، وأن يكون مرناً حتى لايغدو اتفاق دايتون السوري، وأن تبنى لبنات الدستور على اللامركزية، التي تضمن انهاء تغول السلطة المركزية وتدخلها المباح في المحليات، واستحداث هيئات قضائية مستقلة، وتثبيت عملية إعادة الهيكلة واستراتيجيات DDR، وأن يكون دستوراً مؤكداً  على تنفيذ استحقاقات العودة الكريمة والآمنة وما تستلزمه من سياسات وحقوق  وشروط وطنية.

والأمر الثاني التحضير من الآن للقفزة المتوقعة والاستعداد لمواجهة استحقاق الانتخابات وضرورة امتلاك القدرة على اتخاذ رؤية واضحة وحاسمة وموحدة تجاه مستوياتها الثلاثة الرئاسية والبرلمانية والمحلية.

وبموازة ذلك هناك العديد من التحديات سواء الحقوقية أو الانسانية أو المتعلقة باللاجئين والنازحين، والتحدي الأبرز في ظل المشهد الاخير ومقولاته هو تحدي داخلي سواء غرب الفرات أو شرقه وبكليهما معاً، والمتمثل بنفس مظلات التدخل الأجنبي  والمتمثلةPYD  وهيئة تحرير الشام، فلا مجال للفشل في تحديات الحكم المحلي ولا مجال أمام جعلهما مبرراً للتدمير، وهذا يستوجب مجتمعياً تظافر الجهود على طرفي النهر وانجاز إطار قانوني وقضائي موحد، وتصدير تجربة حكم محلية رشيدة.

كما أن الأمر الأكثر نتاجاً على المستوى الاستراتيجي، فهو الانتقال نحو العمل السياسي المنظم، فخلق جبهات مجتمعية  متماسكة محلياً  وخارجياً فإنه من شأنه فرض نفسه لاعباً مؤثراً بامتلاك قدرة الرفض والمقاومة على أقل تقدير.

حكماً؛ ووفقاً لنتائج المشهد الذي لاكته المعادلات الأمنية ومزقته موسكو قبل أن تعيد هندسته بما ينسجم واطروحات التسيد والحل الصفري؛ فإن القرار 2254 صار خارج السياق وأضحى عبئاً على الدول؛ فقفزهم عليه أضحى ديدن وسنة، لدرجة ماعاد يُرى أويلحظ؛ وهو ليس بجديد على منظومة الامم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، فيكفي أن نذكر القرارات المتعلقة بالقضية الفلسطينية لنعرف أنها لم تساوي ثمن الحبر التي كتبت به، وما هي إلا برتوكول لإدارة الأزمة واحتوائها، ومخدراً ريثما يتم القص والتفتيت، قرارات تغطي عجز المنظومة واستسلامها لمنطق "الكبار".  وبهذا عبرة للمعارضة بألا تضع كل البيض بتلك السلة المهترأة،

معن طلّاع 
باحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية