ماذا أعددنا لانتخابات ستفرض علينا، شئنا أم أبينا؟ (2)

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

8 نوفمبر / تشرين الثاني 2019
تلفزيون سوريا

تشكّلت اللجنة الدستورية، والمفروض -بعد مماحكات وتعطيل طويل متوقعين- أن تنتج دستورا، وسواءً كان دستوراً جديداً أم مجرد تعديلات شكلية على الدستور القائم، فسوف يقودنا هذا الدستور إلى اختيار هيئات حكم بشكل من الأشكال! ولا أتصور أنه سيكون هناك اختلاف كبير بين الأشكال القائمة والأشكال التي سيقررها الدستور الجديد.

أولاً، لنكرر مسألة، الأسد لديه حق الفيتو على أي مقترح لا يناسبه في مناقشات اللجنة الدستورية بحكم ملكيته لثلث الأصوات على الأقل، والفيتو لا يحتاج سوى ربع الأصوات، فاعتماد المقترحات يستلزم موافقة 75% من الأعضاء، وبالتالي قد تستمر النقاشات إلى الأبد ما لم تتوافق مع مصالح الأسد، وبالتالي فإن انتخابات عام 2020 و2021 وحتى 2028 قد تجري في ظل الدستور الحالي، الذي لا يسمح بمرور مرشح إلى الانتخابات ما لم يوافق عليه الأسد.

ولكن على فرض أن مصلحة أصحاب القرار تقتضي التعجيل قليلا في بعض الإجراءات، فما هو المتوقع منها؟ أولى إشارات المتوقّعة تظهر من خلال الشروط الفرنسية الأربع للاعتراف بنتائج الانتخابات القادمة في سوريا! وملخص هذه الشروط أنه يمكن القبول بنتائج الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة في سوريا والاعتراف بشرعيتها إذا تحقق ما يلي:

أولاً، "إرساء تدابير بناء الثقة على أرض الواقع، بهدف تهيئة الأجواء والبيئة الآمنة والمحايدة، قبل وأثناء وعقب انعقاد الانتخابات، وذلك لضمان تمتع العملية الانتخابية بالمصداقية، في ظل الشروط الأمنية الكافية، مع حماية حقوق الأطراف كافة. ويشمل ذلك وقف النار وإطلاق المعتقلين".

ثانياً، "ضمانات تؤكد على مشاركة ووصول النازحين واللاجئين إلى مراكز الاقتراع، فضلاً عن حملات التثقيف والتوعية الانتخابية".

ثالثاً، "شروط قانونية وعملية ميسرة لإجراء الاقتراع التعددي. وفي ظل وجود 12 مليون لاجئ خارجي ونازح داخلي في سوريا، من الأهمية البالغة أن يتمكن جميع المواطنين السوريين في الشتات من التصويت، مع حيازتهم لحق الترشح أيضاً في الانتخابات المقبلة".

رابعاً، "إشراف منظمة الأمم المتحدة على الانتخابات، وتوفر الحياد الصارم في العملية الانتخابية. ومنعاً لوقوع أي شكل من أشكال التلاعب، مع ضمان الإعداد الجيد للانتخابات في مرحلة ما بعد الصراع، ينبغي لإشراف الأمم المتحدة أن يكون شاملاً، يتضمن تنظيم وإجراء الانتخابات، مع الدعم الأممي للبيئة الانتخابية الآمنة، ومراقبتها بعناية فائقة".

شروط جميلة الصياغة والإصدار، تستبق الدستور الذي قد يكون بدوره جميل الصياغة والإصدار، ولكن هذا لا يعني أنه سيكون دستورا متناسبا مع العدالة ومع حق الشعب السوري في أن يختار قياداته وهيئاته بحرية! فضمن الوضع الحالي لسلطات الحكم في سوريا، لا يمكن لأية عملية انتخابية مهما أُرفقت بعبارات الشفافية والنزاهة والديمقراطية أن تكون في حقيقتها شفافة ونزيهة وديمقراطية، حتى ولو قامت المنظمات الدولية بدور الإشراف الكامل على تجهيز مراكز الانتخابات واختيار الهيئات المشرفة ومراقبة عملية الانتخابات من ألفها إلى يائها.

وبالذات لا يمكن لانتخابات برلمانية تجري في العام القادم أو انتخابات رئاسية تجري في العام الذي يليه أن تكون انتخابات حرّة!

واستباقا لأي تفسيرات أو استنتاجات خاطئة أقول أن هناك الكثير جدا من الأسباب التي تحول -مهما تمّ توفيره من ضمانات- دون إجراء انتخابات حرة ونزيهة، ويأتي في مقدمة هذه الأسباب أن النظام القائم سيكون موجوداً على رأس السلطة حين إجراء هذه الانتخابات، فأجهزته هي من ستعد القوائم وتحدد الناخبين وتقدّم التسهيلات للحصول على الوثائق الشخصية التي تسمح بممارسة الانتخابات في ضوء وجود شريحة كبيرة جدا من السوريين الرافضين لهذه السلطة دون وثائق، سواء لكونهم فقدوها أثناء تهجيرهم تحت القصف أو لكون أبنائهم الذين بلغوا سن الرشد خلال السنوات الأخيرة لم يتمكنوا أو لم يمكّنوا من استخراج بطاقاتهم الشخصية وجوازات السفر أصلا. يضاف إلى ذلك أن السلطة الحاكمة وفي سبيل تنفيذ سياسة التغيير الديمغرافي قد قامت بمنح الجنسية السورية لأعداد كبيرة من المقاتلين الأجانب مع عائلاتهم بطرق يصعب كشفها من خلال قراءة ظاهرية غير خبيرة للوثائق التي باتت بحوزتهم أو قيود السجل المدني التي يديرها هذا النظام.

والأهم من ذلك والأدهى، والذي يفترض أن لا يغيب عن ذهن الدبلوماسية الفرنسية التي اشترطت تلك الشروط، أنه لا يمكن قراءة هذه المبادرة بحسن نيّة على الإطلاق، ففرنسا تعلم الآثار السيئة جدا التي زرعتها أحداث السنين الفائتة في قلوب السوريين، وهي تعلم يقينا أن الألم الذي أصاب السوريين على اختلاف مشاربهم ورغباتهم قد أنتج خوفا ورعبا سيكون مؤثرا جدا في اختياراتهم القادمة ما دامت هذه السلطات قائمة؛ فالسوريون في مناطق سيطرة الأسد والذين يزيد عددهم عن نصف السوريين عموما، والذين خبروا جيدا عجز المجتمع الدولي والمبعوثين الدوليين عن حمايتهم من القتل والقصف والإخفاء القسري والتعذيب، وشاهدوا بأم أعينهم عجز المجتمع الدولي حتى عن إيصال الدواء والغذاء في أقصى أوقات حاجتهم إليه، وتابعوا فضائيا المستوى الأخلاقي المنحطّ لأعضاء مجلس الأمن وهم يبررون جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية للنظام ويلصقون بالشعب السوري تهم الإرهاب حتى في موته جراء القصف الكيماوي... هؤلاء السوريون لن يثقوا أبدا بأية حماية يعدهم بها المجتمع الدولي ما دامت الانتخابات ستجري بينما عصابات النظام وميليشياته لا تزال تنتشر بين الأحياء وفي القرى ويدها لا تزال على الزناد وتوجّه الرسالة تلو الرسالة بأن عدم المشاركة في الانتخابات "عمل إرهابي"، وأن عدم إظهار الحماس في مسيرات التأييد "المليونية" "تفكير إرهابي"، وأن التجمّع الذي سينتج عنه أصوات معارضة سيثبت أنه "حاضنة إرهابية"... سيذهب الجميع إلى مراكز الانتخابات التي تشرف عليها اللجان الدولية، ويدخلون إلى الغرف السرّية، ويجرحون أصابعهم بما يتيسر لهم من وسائل ليبايعوا بالدم بشار وابن بشار وحفيد بشار.

طبعا سيخطر للبعض التساؤل عن دور المهجّرين نازحين ولاجئين ووزنهم الانتخابي؟ لن تتوفر للكثير من هؤلاء فرصة الانتخاب، وسيعزف بعضهم الآخر عن المشاركة في الانتخابات لاستشعاره عدم الجدوى أو حتى الخيانة، وسينقسم الباقون بين الأعداد الكبيرة المتصارعة لمرشحي المعارضة في مواجهة المرشح الواحد أو المرشحين المتفق عليهم للطرف الآخر.

إن أي دستور يصنع في الظروف الحاضرة، وضمن الآليات والأدوات التي اعتُمدت لن ينتج عنه إلّا نظام الأسد. وأي انتخابات تجري بهذه الطريقة ومهما كانت الاشتراطات الدولية -الخلّبية- لن يفوز بنتائجها إلّا نظام الأسد. وكل ما يفعله "المجتمع الدولي" دون تحقيق فترة حكم انتقالي وهيئة حكم انتقالي حقيقية تطمئن خلالها النفوس وتتأكد أن آلة القتل الجهنمية قد تعطلت وانتهت، كل ذلك ليس إلا تمثيلية ترمي إلى إعادة شرعنة نظام الأسد، بشخص الأسد أو بشخص بديل يقدّم ذات الضمانات والخدمات التي يقدّمها الأسد.

وإذ نرى بأعيننا الأمور تُسَيَّر بهذا الاتجاه، هل نستسلم؟ أم ما زال في جعبتنا ما يمكن فعله؟ ومن باب التزوّد؛ أن نجيب عن السؤال: ماذا أعددنا لانتخابات ستُفرض علينا، شئنا أم أبينا؟