«إنقاذ» الأسد ثمنه ثلاث مناطق عازلة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

29/9/2014
القدس العربي
المؤلف: 

ليس كل أعضاء «التحالف الدولي ضد الإرهاب» ملتزمين المشاركة في القتال ضد «داعش» في العراق وسوريا. بعضهم قال ذلك ضمناً للولايات المتحدة. بعضهم الآخر قالها علناً. ابرز الاعضاء غير الملتزمين، تركيا. السبب عدم اتضاح الثمن الذي ترى انها تستحقه لقاء مشاركتها.

ماذا تريد تركيا؟
المطلب الاول للرئيس التركي رجب طيب اردوغان ازاحةُ الرئيس السوري بشار الاسد. ضرب «داعش» في سوريا يؤدي عملياً، في رأيه، الى تقوية الاسد، لذا يطلب إلتزاماً بأن مشاركة تركيا في الحرب على الإرهاب سيرافقها او يعقبها تحرّك ضد سوريا يضمن اضعاف الاسد تمهيداً لإزاحته.

المطلب الثاني لاردوغان اقتران ضرب «داعش» بضرب خصومه الاكراد في شمال شرق سوريا. الاكراد الموالون لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (صالح مسلم) يناصرون اكراد تركيا الذين يؤيدون زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله اوجلان. كِلا الفريقين يعادي اردوغان ويؤيد ضمناً سوريا الدولة في وجه المعارضة المسلحة.

المطلب الثالث تأسيس منطقة عازلة في شمال سوريا وإعلان حظر الطيران فوقها وتأمينها.

ادارة اوباما لم تتخذ بعد موقفاً من مطالب اردوغان.. تبدو شديدة الحذر بسبب اضطرارها الى مراعاة مصالح حلفائها ومنافسيها وحتى اعدائها الإقليميين. هي لا تستطيع الظهور بمظهر حليفة تركيا في معاداة الاكراد حرصاً منها على مصالحها مع الاكراد العراقيــــين ودورهم المؤيــــد لها في سعيها لبسط نفوذها على العراق مجـــدداً. غير أن رئيس اركان الجيوش الامريكــية الجنرال مارتـــن ديمبسي، لمّح اخيراً الى إمكانية استجابة مطلب المنطقة العازلة.

يتردد ان واشنطن تُهندس مخرجاً من مأزقها يقوم على اساس تسوية ترضي تركيا جزئياً من دون الإساءة الى «اسرائيل» او لحلفائها الاقليميين. جوهر التسوية المرتقبة غضُ النظر عن مخطط تركي له جذوره الاطلسيـة يقضي بإقامة مناطق عازلة على الحدود التركية ـ السورية، وعلى خطوط الفصل بين سوريا و»اسرائيل» في منطقة الجولان المحتل، وعلى الحدود السورية ـ اللبنانية في منطقتي القلمون وعرسال. وتعتقد واشنطن ان هذه التسوية لن تستفز إيران وروسيا لأن من شأنها «انقاذ» الرئيس الاسد!

الواقع ان اردوغان طرح خطةً على اوباما خلال اجتماعهما الاخير في نيويورك، تقضي بإنشاء منطقة عازلة على الحدود بين تركيا وسوريا بعمق 30 كيلومتراً داخل الاراضي السورية، مدعومةً بحظر للطيران فوقها لمنع سلاح الجوّ السوري من ضرب قوات المعارضة السورية المسلحة في شمال البلاد وشرقها.

الى ذلك، جرى تسريب معلومات مصدرها حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض، مفادها ان اردوغان اصدر امراً رئاسياً بتحديد نقاطٍ لتمركز القوات البرية التركية على الارض تمهيداً لفرض المنطقة العازلة، قبل ان يعلن رئيس وزرائه احمد داوود اوغلو إنه سيطلب من البرلمان التركي اوائل اكتوبر/تشرين الاول المقبل تجديد الاذن للحكومة بإرسال قوات الى العراق وسوريا.

في الجولان، سبقت جبهة النصرة اردوغان في تنفيذ المنطقة العازلة. فقد حرصت، بادىء الامر، على إقصاء بقايا «الجيش السوري الحر» عن قرى الجانب المحرر من الجولان قبل ان تقوم بمدِّ سيطرتها، على مرأى من قوات الفصل التابعة للامم المتحدة، الى بعض القرى والمواقع شرق خط الفصل ومن ثم ازاحة القوات الأممية من منطقة وجودها في الشطر السوري من المنطقة المجردة من السلاح.

الى ذلك، كانت «اسرائيل»، وما زالت، تستقبل جرحى قوات المعارضة السورية المسلحة، وتساندها بقصف مدفعي لمواقع الجيش السوري في الجوار. كما قامت مؤخراً بإسقاط طائرة سوخوي سورية كانت متجهة لقصف مواقع جبهة النصرة في المنطقة العازلة المستحدثة.

في لبنان، قام مقاتلو «النصرة» و»داعش» منذ اشهر عدة بالتسلل الى بلدة عرسال الحدودية وتوظيفها في مستلزمات الإمداد اللوجستي. وعندما حزمت الحكومة اللبـــنانية امرها وقررت، تحت ضغط القوى الوطنية، إخراج مقاتلي «النصرة» و»داعش» من عرسال، تظاهر المقاتلون بالخروج لينقضّوا لاحقاً على جنود الجيش اللبناني وقوى الامن الداخلي، وليقتلوا منهم ضباطاً وجنوداً، وليختطفوا نحو 40 عنصراً عسكرياً للمساومة والمقايضة.

فيما يتصاعد ضغط المسلحين على قوات الجيش على طول حدود لبنان الشرقية مع سوريا بالتساوق مع ضغوط اهالي العسكريين الاسرى على الحكومة لمقايضتهم بعناصر «جهادية» مسجونة كانت صدرت بحقها احكام قضائية، واخرى موقوفة للتحقيق معها بشأن عمليات ارهابية، تتجه البلاد نحو مفترق سياسي وأمني بالغ الخطورة. ذلك ان قوى 14 آذار المحافظة، ولاسيما «تيار المستقبل»، تضغط من اجل التسليم بمبدأ المقايضة لأسباب ثلاثة: الاول، عدم قدرة الجيش اللبناني في رأيها على مواجهة «النصرة» و»داعش»، واستحالة استكمال تسليحه في مدة وجيزة. الثاني، معارضتها التنسيق مع سوريا وحزب الله لمواجهة القوى «الجهادية»، بدعوى ان ذلك يخرق مبدأ نأي لبنان بنفسه عن الازمة السورية. الثالث، ان التنسيق مع سوريا وحزب الله يؤدي الى الإخلال بميزان القوى الداخلي لمصلحة قوى 8 آذار، ما يؤثر بدوره على انتخابات رئاسة الجمهورية وتالياً على الانتخابات النيابية.

تُدرك جبهة «النصرة» و»داعش» مأزق لبنان واللبنانيين في هذه الآونة وعجز الحكومة عن اتخاذ قرار بالمقايضة او بالمواجهة، فتراهما يتجهان الى انتهاز الفرصة المتاحة للهجوم على عرسال او مباغتة الجيش وحزب الله على غير خط التوقعات بغية تحقيق جملة اغراض:
المباشرة في انشاء المنطقة العازلة.
احتلال بلدات وقرى تحتوي منازل ومنشآت صالحة ليحتمي فيها مقاتلوها من امطار الشتاء القادم وثلوجه في منطقة تعلو لا اقل من 1500 متر عن سطح البحر.
تأمين الإمداد اللوجستي لوحداتها المقاتلة.
محاولة اخراج الجيش اللبناني من حلبة الصراع لاستفراد حزب الله والعمل على مشاغلته وإضعافه.
إحداث خلل في ميزان القوى الداخلي لمصلحة قوى 14 آذار المعادية لسوريا.

في حال بادرت جبهة «النصرة و»داعش» الى الهجوم فإن ذلك سيؤدي الى ردٍّ سريع من الجيش، كما من حزب الله. الى ذلك، فإن أعضاء الحكومة، وإن ليسوا مجمعين على مباغتة «الجهاديين» بهجوم، إلاّ انهم متفقون على وجوب الدفاع عن النفس. رئيس الحكومة تمام سلام، اكد في تصريح من نيويورك لصحيفة «النهار» بأن لبنان «جزء من الجهد الدولي لكبح الإرهاب ومكافحته»، مستدركاً ان ذلك يتم «بصيغة دفاعية»، لأن قدراته لا تسمح بعمليات هجومية.

وثمة من يؤكد أيضاً انه، اياً كان موقف الحكومة، فإن الجيش اللبناني عندما يجد نفسه هدفاً لهجوم مباشر فسيبادر تلقائياً وبلا تردد الى الرد على العدوان، وانه احتاط لهذا الاحتمال بالتنسيق مع حزب الله، وان الحزب ربما يكون قد نسق مع الجيش السوري لتنفيذ خطة دفاعية متكاملة من شأنها صدّ العدوان ودحره.

ما موقف ايران وروسيا من التسوية الامريكية بمناطقها العازلة الثلاث؟
المقول في بيروت انهما ترفضانها، وانهما ستساعدان سوريا وقوى المقاومة، بشكل او بآخر، على اسقاطها.
مع ذلك، يبقى سؤال مقلق مطروحاً اليوم في بيروت: متى هجوم جبهة «النصرة» وداعش»، قبل عيد الاضحى أم بعده؟