«براءات» متلاحقة من مسلسل«دقيقة صمت»… واليمن:«لكنّا نحب القات أكثر»

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

28مايو/أيار 2019
القدس العربي
المؤلف: 

«إنا نحب القمح، لكنّا نحب القات أكثر»، عبارة يكاد تقرير لـ «سي أن أن» من مدينة صنعاء اليمنية أن يقولها حرفياً.

يطرح مراسل القناة الأمريكية أسئلته بحيرة واضحة: «أصغر كيس قات للاستهلاك اليومي ثمنه خمسة دولارات، أي ما يكفي قوت عائلة ليوم»، ولن يلقى سوى التأكيد على ذلك من مواطن يجيب بفم ممتلئ بالنبتة المنشطة!

يسأل زعيماً حوثياً: «أغلب أراضيكم تستخدم لزراعة القات لا المحاصيل الغذائية!». يضحك الحوثي: «إنها عادة سيئة، لدينا برامج حكومية لمكافحة زراعة القات وزرع أشجار البن».

يقول التقرير المصور «استحوذ القات على جبال ومزراع اليمن، وهو مهم لليمنيين لدرجة أنه يوزع في اليوم نفسه الذي يقطف فيه، ما يعني قيادة المزارعين بسرعة جنونية للوصول إلى المستهلكين في الوقت المناسب».

تصور الكاميرا وادياً تقول إنه كان قبل 25 عاماً يزرع بالقمح لكنه الآن غالباً ما يزرع بالقات، «ففي زمن الحروب المحاصيل النقدية هي ما يهم».

هنا يقول مزارع: «نحن نحصل على الفائدة من القات فقط، باقي المحاصيل لا تكفي نفقات المنزل».

كذلك يشير التقرير إلى أن ثلث الأراضي لزراعة القات، الذي يستهلك ثلث كمية المياه، في البلد المحاصر والجائع والمدمر. ويختم: «تقدّر وزارة الزراعة أن اليمنيين ينفقون 12 مليار سنويا على هذه المنشط. وهذا يساوي 3 أضعاف ما تقول الأمم المتحدة إنها تحتاجه مساعدات لليمن».

مع كل ذلك، ليس في الوسع أن يلوم الناس أهل اليمن، تماماً كما ليس في وسعك أن تلوم منتحراً، فلا يدري الناس على أي حال تكون نفسه قبل أن يلقي بها إلى الهلاك. جلّ ما في الأمر أن «اليمن السعيد» مريض أكثر من اللازم، طغاة متوحشون وحوثيون، حصار وجوع وشحّ لكل مصادر الحياة، وفي النهاية العيش في نعيم القات، كمن يرشّ على الموت سكّر!

البراءة

الكل يريد التبرؤ من مسلسل «دقيقة صمت»، أو على الأقل التبرؤ من وجهة النظر التي أراد كاتب المسلسل، السيناريست السوري سامر رضوان، أن يسحب عمله -الناقد لفساد أجهزة الأمن – نحو تصنيفه كـ «صرخة احتجاج في وجه السلطة»، معلناً خصومته مع النظام.

الشركتان المنتجتان للعمل أعلنتا براءتهما من وجهة نظر الكاتب. حتى مغني شارة المسلسل، اللبناني معين شريف، ظهر في مقابلة ليوضح أنّ كلام رضوان لا يمثّل أحداً غيره. (فظيع فعلاً حين يزاود لبناني على سوري يقول إن النظام في بلده فاسد).

وزارة الإعلام السورية كانت كذلك على رأس المتبرّئين، حيث مؤسساتها معنية بمنح العمل الموافقات الرقابية الضرورية التي سمحت ببدء التصوير داخل البلاد، وبالتالي دفع ممثلين موالين للنظام للمشاركة في «دقيقة صمت»، ما يشي بأن الأيام المقبلة قد تشهد «براءات» جديدة من أبطال العمل أنفسهم.

الوزارة قالت في بيان اتهامي غاضب إن العمل حصل على الموافقة الأولية لكنه «لم يقدم أصولاً إلى لجان المشاهدة لرقابته ومنحه بالتالي موافقة العرض والتصدير»، كما اتهمت الشركة المنتجة «بتهريب المادة المنتجة من أراضي الجمهورية العربية السورية وعرضها على قنواتٍ عربية، الأمر الذي يُعتبر سرقةً واحتيالاً موصوفين وخرقاً سافراً للأنظمة النافذة والآليات المتبعة في عملية الإنتاج والتسويق الدرامي».

اللافت، بعد بيان الوزارة، أن الشق اللبناني من نظام الممانعة، يحاول أن يعطي نظيره السوري درساً في أصول البروباغندا، إذ اعتبر بعض الإعلام الممانع أن بيان الوزارة هزيل، وأنه كان بالإمكان «تجيير الموضوع لصالح الجهات الرقابية في سوريا أصلاً، واعتبار الموافقة أمراً يؤكد على رفع السقوف الرقابية، والتعاطي المرن مع صنّاع الدراما والوسط الفني، والرغبة في تكريس حالة الاشتباك مع الفساد على جبهات القطاعات كافة، وفضحه إعلامياً بوسائل عدّة أوّلها الدراما، ثم التذكير بمجموعة كبيرة من الأعمال التي تحوّلت لاحقاً إلى كلاسيكيات، رغم مقارعتها الفساد وانتقادها السلطة على أعلى مستوياتها… لكن الرؤية الحكومية راحت نحو خيار التنصّل من أي مسؤولية رغم أنّ العمل سيصب في نهايته لصالح رجل الشرطة الوطني!».

مع العبارة الأخيرة، أي مع قراءة «النقد الممانع» بأن العمل يأتي لتلميع صورة «الشرطي الوطني» يمكن التكهّن بأن معارضين كثراً سيجدون ضالتهم هنا، سيساعدهم ذلك على إعلان براءتهم هم أيضاً بضمير مرتاح!

الكل يريد التبرؤ إذن، ولعلها، فوق ذلك، واحدة من مرات قليلة لا تسمع فيها لمخرج (وهو هنا التونسي شوقي الماجري) صوتاً، فقد يجد الأمر برمته شأناً سورياً داخلياً، ما يطرح سؤالاً كبيراً هنا حول ما إذا كان المخرج التلفزيوني مجرد تقنيّ لا صاحب رؤيا.

لمن «دقيقة صمت» إذن؟ ومن هم محبّوه الذين دفعوه إلى رأس أرقام المشاهدة؟ لماذا كل هذا الجدل والصخب الاستثنائي حول مسلسل؟ هذا ما يحتاج إلى وقفة أخرى، ومشاهدة متأنية، لم تُتح بعد، للعمل كاملاً.

مسلسلنا أفضل

«هل تعبّر دراما رمضان عن واقعك الحقيقي؟»، سؤال كان محور الحلقة الأخيرة من برنامج «نقطة حوار» على «بي بي سي». كان من بين ضيوف الحلقة السورية ديانا جبور، حيث قدمها المحاور محمد عبدالحميد على أنها ناقدة ومديرة شركة إنتاج تلفزيوني. ويبدو أن هاتين الصفتين يصعب اجتماعهما معاً، فقد جاء الاختبار سريعاً: «ما هو مسلسلك المفضل هذا العام؟»، يسأل المذيع الناقدة جبور، فتجيب بـ «هو المسلسل الذي أنتجناه، فهو يقدم الدراما الوطنية المحلية البحتة».

ليس في الإجابة مفاجأة، هذا ما يجب أن نتوقعه، إذ لا يمكن للتاجر إلا أن يسوّق بضاعته، خصوصاً حين يكون وصف «الناقد» مجرد حبر على ورق، من دون فاعلية تذكر.