«حزب الله» وإسرائيل: ثلاث مجازفات قبل التقاط قفاز التحدي

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

23/1/2015
القدس العربي
المؤلف: 

في مفردات الردّ على الغارات الإسرائيلية، سيما تلك المهينة منها، والجارحة معنوياً، والقاتلة من حيث طبيعة الأهداف والتوقيتات؛ انتقلت العدوى، اللفظية أساساً وحصراً، من النظام السوري إلى النظام الإيراني، مروراً بإعلام «حزب الله» الرسمي وإعلام «محور المقاومة» عموماً. الأميرال علي شمخاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، أكد أنّ «المقاومة ستردّ بقوّة على العدوان الإسرائيلي في القنيطرة، في المكان والزمان المناسبين لها»؛ دون أن يفوته الإفتاء بأنّ اعتداء القنيطرة يأتي في إطار «استمرار التعاون بين الكيان الإسرائيلي والجماعات الإرهابية»، وهو «استكمال لتوجّه تل أبيب في استخدام التيار التكفيري لإيجاد منطقة عازلة على الحدود المصطنعة للكيان الإسرائيلي».

على موقع قناة «المنار»، يقرأ المرء هذه الخلاصة، التي تبدو وكأنها قفزت من إحدى افتتاحيات صحيفة «البعث» الناطقة باسم حزب النظام في سوريا: «فات البعض بأنّ حزب الله لن يردّ الآن ربما، تاركاً الموضوع إلى مستقبل قريب أو بعيد بحسب ما تفرضه طبيعة الرد، حيث يعود لقيادة المقاومة تحديد هذا الرد بدقة وروية واختيار المكان والتوقيت المناسبين له، كي لا يأتي الرد متسرعاً وغير ذي جدوى أو بدون فعالية أو دون مستوى الاعتداء الإسرائيلي، وهنا قد يكون سلاح الرد المتأني أو تأجيل الرد حتى تحين الساعة المناسبة، أفضل أنواع الردود على هذا الاعتداء»! فإذا ذهب المرء إلى إعلام «حليف»، مثل صحيفة «السفير» اللبنانية ـ وليس إلى إعلام محض بوق، مثلاً، فسيقرأ التالي: «حزب الله لن يتصرف بانفعال وتسرّع، وإنما سيأخذ الوقت اللازم لدراسة الخطوة القادمة للردّ على الهجوم الصهيوني!«

غنيّ عن القول أنّ سُبُل قراءة واقعة الغارة الإسرائيلية يمكن أن تتعدد وتتباين وتتقاطع، طبقاً لزوايا نظر مختلفة، واعتماداً على ما يدرجه هذا الفريق أو ذاك من اعتبارات سياقية، وربما توقيتية، تسند هذه القراءة أو تلك. فليس عسيراً، في التماس مسوغات مبسطة للغارة، التفكير بحاجة بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، إلى مناخ استعراض العضلات العسكرية والأمنية، لتسخين الحملة الانتخابية الراهنة (وهذا رأي بعض جنرالات إسرائيل المتقاعدين أيضاً، في كلّ حال). وليس إفراطاً في الترجيح أن يذهب بعض التفكير إلى جوانب معنوية صرفة، لا تخلو من مكاسب عسكرية وأمنية أيضاً؛ مفادها حاجة نتنياهو إلى «صيد» ثمين يضمّ محمد عيسى (أو النظير، من جانب «حزب الله»، للجنرال الإيراني قاسم سليماني في الملفّ العسكري على الأرض السورية)، وجهاد عماد مغنية (الفتى، ربيب سليماني، وحمّال القِيَم الرمزية الكبرى لأبيه الذي اغتيل في واحدة من أنجح، وأوجع، عمليات الاستخبارات الإسرائيلية ضد «حزب الله»)، والجنرال الإيراني محمد علي الله دادي (والرموز، هنا، محتشدة وافرة، خاصة في صفّ «الحرس الثوري» الإيراني). ولا حاجة، في المقابل، إلى استنباط بُعد بالغ الخصوصية ربما، يخصّ تكذيب حسن نصر الله؛ الذي صرّح، قبل ثلاثة أيام سبقت الغارة، أنّ حزبه غير متواجد في الجولان؛ أو إلقاء قفاز التحدّي إزاء تصريحه بأنّ إسرائيل ذاتها عاجزة عن تخيّل أنواع الأسلحة المتطورة، والرادعة، التي بات الحزب يملكها الآن.
هذه السُبُل مسار منطقي، بالطبع، لا يلوح أنّ القراءات المختلفة والمتباينة والمتقاطعة، يمكن أن تتجاهل جاذبيته؛ لكنها، وسواها، لا تجيز، ويصعب أن تفلح في، طمس ثلاثة عناصر حاسمة، على الأقلّ؛ إلا إذا نهض فعل الطمس على أفعال التجهيل والتضليل والتعمية، عن سابق قصد وتصميم، وانتهج أنماط التبرير المشابهة لتلك التي يجترها الإعلام «الممانع».

وأوّل العناصر هو أنّ الغارة الإسرائيلية على «مزرعة الأمل»، في القنيطرة السورية، تعيد تسليط الضوء على ذلك الاتفاق المدهش ـ الضمني كما يبدو للعيان فقط، أغلب الظنّ ـ بين إسرائيل و»حزب الله»»؛ حول تجميد المواجهة على امتداد خطوط التماس الحدودية اللبنانية ـ الإسرائيلية؛ الأمر الذي لم يشمل امتناع إسرائيل عن استهداف مصالح الحزب، التسليحية بصفة خاصة، على أية أرض متاحة، سواء في سوريا أم في لبنان. ومنذ 2006، تاريخ آخر الحروب بين «حزب الله» وإسرائيل، لم تقع أية مواجهة عسكرية ذات عمق ملموس يوحي بنقض ذلك الاتفاق الضمني.
العنصر الثاني هو تقدير، ثاقب والحقّ يُقال، عبّر عنه ذات يوم المعلّق الإسرائيلي ألوف بِنْ؛ وكان كمَنْ ينوب في الرأي عن عدد من الساسة وأجهزة الأمن والقادة العسكريين الإسرائيليين، صَعُب عليهم البوح بالمسكوت عنه: أنّ صاروخاً فلسطينياً من طراز «القسام»، محمّلاً بمواد انفجارية بدائية، ولا يتجاوز مداه 12 كيلومتراً، يسقط على سيدروت أو عسقلان، ويتسبب في أضرار طفيفة لا تتجاوز جرح مستوطن أو حفر طريق إسفلتي؛ أخطر، على إسرائيل، من صاروخ «سكود»، محمّل برأس كيماوي، يمكن أن يُطلق من سوريا ويسقط على تل أبيب، ويوقع مئات الإصابات والأضرار البالغة. لماذا؟ لأنّ الـ»سكود» لن ينطلق، في كلّ حال، إذْ يعرف بشار الأسد، كما عرف أبوه من قبله، العواقب الوخيمة لقرار كهذا؛ والحكمة، إذاً، ليست في تكنولوجيا الصاروخ ذاته، بل في السياسة التي تقف خلفه وتضبط إطلاقه.

استطراد المعلّق الإسرائيلي لم يكن أقلّ أهمية: نصر الله قد «لا يكره إسرائيل والصهيونية أقلّ من قادة حماس، وخاطفي شاليت، وفصائل القسام. ولكنه، على نقيض منهم، يمتلك السيطرة ويتحلى بالمسؤولية، ولهذا فإنّ التكهن بسلوكه ممكن عقلانياً ومنطقياً. وهذا، في الظروف الراهنة، هو الوضع الأفضل لنا: إنّ حزب الله يقوم بالحفاظ على الهدوء في الجليل على نحو أفضل بكثير مما فعل جيش لبنان الجنوبي الذي كان موالياً لإسرائيل». والخلاصة هي أنّ قواعد اللعبة التي سادت بين إسرائيل ونظام «الحركة التصحيحية»، الأسد الأب مثل الابن، ومنعت إطلاق طلقة من بندقية صيد في الجولان المحتل منذ 1973؛ يمكن أيضاً أن تُقتبس، مع تعديلات ضرورية بالطبع، على خطوط تماس «حزب الله» مع إسرائيل. ليس هذا بسبب العلاقة الوثيقة بين الحزب والنظام السوري، فحسب؛ بل كذلك لأنّ تاريخ علاقات إسرائيل مع إيران، مرجعية «حزب الله» الفقهية والعقيدية والعسكرية والسياسية والأمنية، كان تاريخاً عاصفاً في مستوى السطح فقط، في اللفظ والبلاغة والضجيج والجعجعة، ليس أكثر.

العنصر الثالث يتفرّع عن هذا التفصيل الأخير، تحديداً: أنّ أية مواجهة عسكرية بين «حزب الله» وإسرائيل باتت معادلة إيرانية مباشرة، ثمّ اكتسبت طبيعة أشدّ حساسية بعد تدخّل الحزب المباشر في القتال إلى جانب نظام الأسد، وباتت بالتالي تقتضي هذا المستوى أو ذاك من التورّط الإيراني المباشر؛ فكيف إذا كانت إسرائيل، وليس الحزب، هي المبادرة إلى الاستفزاز؟ وكيف، ثانياً، إذا وقعت الواقعة على أرض سورية محتلة، مشحونة بشتى صنوف الرموز حول «الممانعة» و»المقاومة»؟ وكيف، ثالثاً، إذا اتفق أن تسفر العملية عن مقتل جنرال إيراني بارز، من النواة الصلبة لفريق المرشد الأعلى علي خأمنئي، ومن قلب «الحرس الثوري» الإيراني؟ المدهش، في المقابل الجدلي لهذه التساؤلات، أنّ إيران ذاتها كانت الطرف الرادع، أو بالأحرى: المقرِّر، في تجنّب لجوء «حزب الله» إلى استفزاز إسرائيل على امتداد بطاح الجولان، والاكتفاء بـ»إدارة الأزمة» بين الفصائل المسلحة المعارضة للنظام، و»جبهة النصرة» بصفة خاصة، وما تبقى من وحدات النظام هناك، والاحتلال الإسرائيلي.
وهذه العناصر أقرب إلى مجازفات ثلاث، يصعب أن يتفادى الانزلاق إليها الحزب؛ إذا شاء التقاط قفاز التحدّي، بالطبع!