«داعش» تتمدد… في باريس!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

7/6/2015
القدس العربي
المؤلف: 

أغلب الظنّ أنّ ما عجز مؤتمر لندن عن ترجمته فعلياً على الأرض، في كانون الثاني (يناير) الماضي؛ لن يفلح مؤتمر باريس، قبل أيام، في تحقيقه على أيّ نحو مختلف. وكما في كلّ مرّة، لا تكمن الإعاقة في عجز 20 دولة، بين كبرى ومتوسطة وصغرى، شرقاً وغرباً، عن تأمين عدّة مادية وعسكرية ولوجستية لإنزال خسائر فادحة تضعف قدرات «داعش»؛ بل كانت منذ البدء، وتظلّ اليوم أيضاً، كامنة في استخلاص رؤية متكاملة لأسباب بقاء هذا التنظيم، وتمدده أكثر فأكثر، ونجاحه في بسط السيطرة على مزيد من المساحات، بما فيها مدن كبرى، في العراق وسوريا، خلال أزمنة قياسية.

على سبيل المثال الأوّل، يصرّ رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي على نفي الأبعاد المذهبية التي ساعدت على الدوام في انتشار «داعش»؛ ويتعامى عن دور الممارسات الفاشية الشائنة لما يُسمّى «وحدات الحشد الشعبي» داخل مناطق السنّة، في انفضاض شرائح شعبية واسعة عن الجيش والدولة، وتفضيل وجود تنظيم الدولة، بل الانضمام إلى صفوفه أيضاً. هذا إذا وضع المرء جانباً حقيقة وجود 25 ألف مقاتل أجنبي في صفوف التنظيم، حسب إحصائية أخيرة للأمم المتحدة. في المثال الثاني، المكمّل/ لم يجد وزير الخارجية الأمريكي جون كيري مفراً من عزف الأسطوانة القديمة المشروخة، حول دور الولايات المتحدة الريادي والقيادي في «الحرب على الإرهاب»، ليس دون توبيخ الجيش العراقي على «نكسة» الرمادي.

بعيداً عن المؤتمر ذاته، كان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يعزف، من جانبه، أسطوانته القديمة، المشروخة بدورها، حول ضرورة فكّ الارتباط بين «الهوس» بإسقاط فرد اسمه بشار الأسد، من جهة؛ ومحاربة «داعش» بشكل فعال، من جهة أخرى. «البعض يضع مصير شخص واحد يكرهونه، فوق المعركة ضدّ الإرهاب»، تابع لافروف، وكأنّ جيوش ذلك الشخص لم تنسحب من ميدان المعركة وأخلت الأرض في تدمر، أو كأنّ الشخص كلّف خاطره فوفّر برميلاً واحداً من عشرات البراميل التي يلقيها على الشعب السوري الأعزل، فخصّ به قوافل «داعش» الزاحفة بارتياح تامّ في صحراء مكشوفة.

ومع ذلك، ورغم تباشير الفشل التي أناخت على مؤتمر باريس سلفاً؛ فإنّ أحد كبار مسؤولي وزارة الخارجية الأمريكية تنطح، بوصف الولايات المتحدة قائدة التحالف الدولي، فأوجز أهداف المؤتمر في خمس مناطق: الحملة العسكرية المباشرة، وهي سائرة على قدم وساق كما يُفهم؛ وتفكيك تدفق المقاتلين إلى «داعش»، عبر تركيا بصفة خاصة؛ وتجفيف منابع التنظيم المالية، أياً كانت أشكالها؛ ومعالجة الأزمات الإنسانية الناجمة عن وجود التنظيم، في العراق وسوريا؛ ومواجهة حملات «داعش» الإعلامية، خاصة على شبكة الإنترنت؛ ثمّ، أخيراً وليس آخراً، توفير الأموال والموارد لتأمين استقرار المناطق التي يتمّ تحريرها في العراق.

وهكذا فإنّ واشنطن اعادت إنتاج الخطاب ذاته الذي ساد في لندن، قبل خمسة أشهر، واتضح سريعاً أنه ليس خائباً وأجوف ومنقطعاً عن الواقع الفعلي، فحسب؛ بل هو وصفة مثالية للعطالة والشلل والعجز، من جهة، وخدمة ممتازة مجانية تتيح لـ»داعش» أن تخرج رابحة، حتى ضمن منطق بسيط مفاده أنها تكسب حين لا تخسر. وليس عجيباً، إذاً، أن يلمّح كيري إلى «حملة طويلة وصعبة»، وأن يواصل العبادي اللطم والصراخ والمناشدة، وأن يستطيب لافروف القهقهة عن بُعد!

ففي اجتماع باريس كان كلٌّ يغنّي على ليلاه، كما في القول الشهير، رغم أنّ الحرب على «داعش» ظلّت الراية المرفوعة المتفق عليها؛ في انتظار المؤتمر الثالث، في مكان ما، وسط مخاوف أكثر غالباً، وإنجازات على الأرض أقلّ، و»داعش» تتقدّم و… تتمدد!

تعليقات