«داعش» والحرب البرية المحتملة

صورة عصام فاهم العامري

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

15/10/2014
القدس العربي

يثور جدل بين الأوساط الاستراتيجية والسياسية في أرجاء العالم بشأن مستقبل الحرب على «داعش»، وتكاد معظم هذه الأوساط تجمع على ان القصف الجوي الذي يشنه الحلفاء على مواقع «داعش» سواء في العراق أو سوريا لا يستطيع ان يحقق انتصارا عليها. بل يرجح بعض المحللين الاستراتيجيين ان «داعش» تتغذى بالتحديد على بعض النجاحات العملياتية والتكتيكية لغارات التحالف عليها، فهي تستفيد استراتيجياً من أخطاء بعض الغارات كما حصل قبل أيام عندما اسهمت بعض الغارات بمقتل 22 مدنيا في بعض المواقع التي تسيطر عليها «داعش» في سوريا، مما تسبب بولادة ضغينة ضد غارات التحالف من قبل السكان المدنيين السوريين. كما تستثمر «داعش» القصف الأمريكيي – الاوروبي وتصور القصف بأنه حملة ضد « المجاهدين المسلمين « في الأراضي الإسلامية، بغية تجنيد أعداد إضافية من الأمريكيين والبريطانيين والبلجيك والدنماركيين والأوروبيين الآخرين من خلال دعوتهم إلى حمل السلاح والقتال بين صفوفها.

غير ان التطورات الميدانية جراء تقدم مسلحي تنظيم «داعش» في مدينة عين العرب في سوريا في ذات الوقت الذي يبدو فيه ان مسلحي التنظيم يوسعون من سيطرتهم على مدن محافظة الانبار القريبة من بغداد أثارت أجواء من القلق والإحباط والإرباك في الولايات المتحدة في الوقت الذي ظهرت الأوضاع في العراق وسورية أكثر إرباكاً مع مرور كل يوم. وانعكست الأوضاع الميدانية على الرأي العام الأمريكي الذي انقلب مرة أخرى على الرئيس أوباما، في ظل توسيع مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية من سيطرتهم على المزيد من الأراضي في العراق وسوريا .. وتلقى «الخليفة» ( أبو بكر البغدادي ) المزيد من المبايعة من التنظيمات الجهادية في شمال افريقيا وجنوب آسيا. واعتبرت أوساط بين قادة الرأي في أمريكا تصريحات الإدارة الأمريكية من ان كوباني أو عين العرب لا تمثل أهمية استراتيجية وبالتالي سيطرة داعش عليها لا تشكل مصدر قلق رئيسيا للولايات المتحدة. وأوضحت هذه الأوساط ان هذه التصريحات محاولة لإخفاء الهزيمة أمام «داعش». وأشار بعض المعلقين الأمريكيين ان عين العرب ليس المكان الوحيد الذي فشلت فيه قوات التحالف في ردع مسلحي تنظيم الدولة الذي استطاع ان يوسع من سيطرته في محافظة الانبار وبات نحو عشرة آلاف من مقاتلي التنظيم يهددون العاصمة العراقية باقترابهم من سجن ( أبو غريب )، حتى ان الجنرال ديمبسي اعترف ان «داعش» كادت تصل إلى مطار بغداد.

وشكلت حالة الارباك والتضعضع التي برزت عليها استراتيجية اوباما لحرب «داعش» والنتائج الميدانية الأولية لها رافعة للتشكيك في الدور الأمريكي بل واتهام أمريكا بانها وراء ظهور «داعش» وبغض النظر عن فظاعتها وبالتالي التمهل في مواجهتها. حتى ان البعض خرج ليقول علنا ان القوات الأمريكية باستطاعتها تدمير تنظيم «داعش» بسرعة فائقة، لكن واشنطن تهدف من وراء مماطلتها تلك إلى إبقاء المنطقة في أزمة متواصلة لاستنزاف إيران أولا والحصول على الدعم المالي المستمر من دول المنطقة في حربها المعلنة ضد «داعش» في مرحلة ثانية. وتحدثت أرقام عن ان شركات السلاح الأمريكية تدفع باتجاه إطالة أمد المواجهة بهدف تحقيق المزيد من الأرباح خصوصا مع ارتفاع مبيعات الأسلحة لدول المنطقة .. وبالتالي فإن الاقتصاد الأمريكي من المرجح ان يتجاوز أزماته على نحو أسرع مما كان متوقعا. وفي هذا الإطار زعم تشارلز شويبردج، الضابط السابق في جهاز مكافحة الإرهاب البريطاني ان وكالة المخابرات الأمريكية «سي.آي.آيه» والاستخبارات البريطانية دفعتا دولا إلى تمـويل وتسليح تنظيمات مسلحة في مقدمتها تنظيم «الدولة الإسلامية»، متهما جهازي الاستخبارات البريطانية والأمريكية بأنهما يقفان وراء كل الأحداث الدراماتيكية التي تعصف بدول الشرق الأوسط، متهما إياهما بصناعة الإرهاب في المنطقة وبتأجيج الأوضاع هناك.

وبعيدا عن التفكير التآمري فإن أسئلة عديدة تدور في الأذهان عما إذا كان هدف التحالف هو إخراج تنظيم « الدولة « من العراق واحتواؤه في سوريا، فلماذا لم يحصل شيء حتى الآن ؟ هل الحملة الجوية الدولية على «داعش» في كل من سوريا والعراق مجرد عرض جوي أم ان لها أهدافا لتحقيقها على الأرض؟ فما نفع الضربات الجوية إذا كانت «داعش» تحقق المزيد من المكاسب على الأرض سواء في سوريا أو العراق؟
والحقيقة ان المخططين الاستراتيجيين الأمريكيين كانوا يتوقعون ان تُضعِف الحملة الجوية «داعش» وتحد من مصادرها وقدراتها على التمويل، ولكن ذلك لن يقضي عليها أو يلحق الهزيمة النهائية بها. ولعل هزيمتها تحتاج إلى أمرين أساسيين: الأول قوات برية مؤهلة والثاني العمل على تغيير وجهة نظر الأهالي الذين يعيشون في المناطق الموجود فيها «داعش» ويشكلون بيئة حاضنة لها. وبالنسبة للعراق كان المخططون الاستراتيجيون يسعون إلى تشكيل قوات للحرس الوطني من شأنها ان تلعب دورا حاسما في الحصول على دعم السكان المحليين وبالتالي ابتعادهم عن «داعش». كما ان تدريب عناصر المعارضة السورية المعتدلة وتجهيزها بالسلاح من شأنه ان يلحق هزائم متوالية بـ «داعش « كما بالنظام السوري. ولذا كانت التوقعات ان تتم هزيمة «داعش» إذا سارت الأمور وفق ما هو مخطط له في العراق خلال ستة أشهر وفي سوريا خلال سنتين.

بيد ان هذا التخطيط يقع في ذات الأخطاء السابقة التي ارتكبتها أمريكا في مخططاتها للمنطقة على الأقل منذ عام 1980 وحتى الآن، حيث خاضت نحو أربع عشرة حربا مباشرة في المنطقة، وكثيرا ما تكرر الأخطاء نفسها .. فالتخطيط لهزيمة «داعش « في العراق يرتكز على إنشاء قوة حرس وطني مقاتلة تمثل «البلدوزر» الذي يطرد «داعش» من الأماكن التي استولت عليها. والسؤال المطروح: لو كان قُدر للعراق ان ينشئ قوة أمنية فعالة لما تمكن مقاتلو»داعش» من تحقيق أية امكانية للبقاء والتمدد والانتشار. ولكن ما حدث هو ان الجيش العراقي الذي أنشأه الأمريكان لا يمتلك عزيمة وحميّة القتال. ويعود سبب ذلك بكل بساطة إلى ان الحكومة العراقية التي أوجدها الأمريكان أنفسهم أيضاً غير قادرة على بناء البلد.
وبغض النظر عن كل ذلك فالواضح ان قدرات العراق القتالية الحالية غير قادرة على هزيمة «داعش» أو على الأقل وقف زخمها، ولذلك فقد تحدثت تقارير مؤخراعن ان المسؤولين العراقيين طلبوا من واشنطن إعادة جنودها إلى العراق للقتال على الأرض، وخاصة مع اقتراب قوات تنظيم « الدولة « من أعتاب بغداد. وبحسب مسؤولين في وزارة الدفاع العراقية فإنه من المفترض ان يعقد قريبا اجتماع لرؤوساء أركان القوات المسلحة لنحو 20 دولة عضوا في التحالف للحرب على «داعش» لبحث إمكانية تشكيل قوة برية لدعم الضربات الجوية. ولكن الواضح حتى الآن ان الرئيس اوباما يرفض ان يكون هناك دور بري مباشر للقوات الأمريكية.

ولكن بعض السيناريوهات تتحدث عن مشاركة استرالية ومن جانب دول غربية أخرى في هذه القوات ولكن تحت إشراف وقيادة أمريكية. ولم تستبعد سيناريوهات أخرى الاستعانة بمرتزقة وشركات أمن من أجل خوض المواجهة على الأرض مع مقاتلي «داعش». والسؤال الآن هل يستطيع مرتزقة أو مقاتلون مأجورون من هزيمة تنظيم عقائدي؟ أو هل يستطيع مقاتلون من جنسيات مختلفة لا ينتمون للبيئة الاجتماعية والجغرافية للمنطقة من هزيمة عناصر «داعش» الذين معظمهم ينتمون للمنطقة ويتغذون في مواقفهم وثباتهم من «إيمان عقائدي « موجود أصلا في المنطقة، فالفكر المتطرف الذي تنتمي له «داعش « ليس وليد الساعة، بل هو ضارب في التاريخ، وظهر بمسميات وأزمان مختلفة، وكان يتوالد، وفقاً للظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية السائدة، ويستند إلى مرجعيات دينية وفتاوى وكتب أساسها التكفير للمخالفين واستحلال دمائهم وأموالهم. وكانت تتطور مع تطور المجتمعات وتتعسف في أحكامها في تطبيق الشريعة فكراً وممارسة بناء على تصور يقوم بتقسيم العالم إلى دار كفر ودار إيمان.
ومهما يكن من أمــــر، فالواضح حتى الان ان الحرب على «داعش» ســــتكون حربا طويلة وصعبة جدا وعالمية.