«فيتو» ضد إنهاء الاحتلال... «فيتو» ضد إنهاء الإرهاب!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

5/1/2015
العرب القطرية

لا بد أن يكون هناك منطقٌ ما يربط بين الأحداث، يتساوى في ذلك أن تكون هناك استثناءات (غير منطقية) أم لا. فالنظرة من زاوية القانون الدولي إلى الشعوب متساوية مبدئياً، إلا بمنظار حكومتي الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الجماعات العنصرية في بلدان الغرب. وقد بلغ هذا الاستثناء عند أميركا حدّ التغوّل المفرط، بحيث إنها تفعل ما هو معلن ونقيضه في آنٍ، والأرجح أنها تفعل المعلن لتحصل على نقيضه، من دون أن تهتم بالنتائج اللاحقة. هذا ما يتأكد حين النظر إلى ما تدّعيه من محاربة للإرهاب، وأكثر حين تحاضر بضرورة معالجة «أسباب» الإرهاب مع أنها تتولّى بكامل الوعي صنع واصطناع أسباب مباشرة لهذا الإرهاب. فبعد الآن يصعب تصديق أميركا؛ إذ تقول إنها تريد القضاء على «داعش» طالما أنها لا تريد إنهاء الاحتلال الإسرائيلي.

خذوا مثلاً «الفيتو» الذي ارتكبته الأسبوع الماضي ضد مشروع قرار فلسطيني- عربي يطلب وضع زمني بحلول نهاية سنة 2017 إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. كان بإمكانها الامتناع عن التصويت، لأن القرار لم ينل غالبية، لكنها أصرّت على «الفيتو»، تأكيداً لمغزاه، ولأنها وعدت سلطة الاحتلال بأنها ستستخدمه. لم يكن القرار لعطّل دور الولايات المتحدة في إدارة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، بل على العكس كان سيدعمه، سيحفزه، سيضع في يده إمكان الضغط على الحليف الإسرائيلي ليتخلّى عن تطرفه وعرقلته لأي حل أو تسوية للقضية الفلسطينية. لكن مَن قال إن واشنطن تريد فعلاً مثل هذا الحل، ومَن قال إنها تتناقض فعلاً مع بنيامين نتنياهو وعصابته، بل إنها تصرفت في مجلس الأمن كما لو أنها تقوم بالواجب المتوقع منها وتنفذ تماماً ما أملاه عليها الإسرائيليون.

ما الفارق هنا بين تعطيل روسيا (والصين بالتبعية) مجلس الأمن لمصلحة النظام السوري وإيران؟ إنه الدور نفسه، وتقوم به العقلية العفنة نفسها، وللأهداف القذرة عينها. الفارق يكمن في أن الولايات المتحدة لم تصوّت ولا أي مرّة في تاريخ الأمم المتحدة إنصافاً للعرب أو للشعب الفلسطيني الذي لا يزال يعيش تحت الاستعمار بأسوأ نسخه العنصرية السوداء. والفارق أن هذا الصراع مستمر منذ نيّف وستين عاماً، ولم يكن لأميركا فيه سوى هذا «الفيتو» وكأنه سوط تستخدمه لترهيب العرب وإذلالهم. اثنان وأربعون «فيتو» أميركي لمنع أي إدانة لإسرائيل ولقطع الطريق على أي قرار دولي ضدّها، ومن أصلها ثلاثون ضد الفلسطينيين وقضيتهم. وإذا كان مشروع القرار الأخير يتلخّص بكلمتين هما «إنهاء الاحتلال»، فإن الموقف الأميركي بات واضحاً أنه يتلخّص أيضاً بكلمتين: «إدامة الاحتلال». لم يكن عند الرئيس الروسي شيء آخر سوى «الفيتو» يهديه إلى الشعب السوري، مع آلاف الأطنان من الأسلحة إلى النظام كي يواصل حربه على الشعب ويستكمل تدمير المدن والبلدات السورية. والكل يتذكر الكلمات القوية للمندوبين الأميركيين في مجلس الأمن تعبيراً عن السخط على الموقف الروسي الذي يحمي جرائم نظام دمشق. لكن الإدارات الأميركية المتعاقبة برهنت بدورها أن لا شيء عندها سوى «الفيتو» للشعب الفلسطيني، مع الاستعداد الدائم لسدّ حاجات إسرائيل من الأسلحة المتطورة كي تواصل القتل والتدمير، بل إنها فعلت ذلك خلال حرب غزة الأخيرة وفيما كانت إسرائيل ترتكب أفظع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وسط ازدراء العالم وذهوله. لا فارق، إذن، بين فلاديمير بوتن وباراك أوباما، فلكلٍ «أصدقاؤه» و «حلفاؤه» من المجرمين والقتلة.

أما التبريرات الأميركية لـ «الفيتو» غير المبرر فأصبحت سلسلة من الأكاذيب البالية. كالقول إن ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين من «اتفاقات» لا يسمح بـ «إجراءات أحادية الجانب»، أو إن «إنهاء الاحتلال يجب أن يتم من خلال التفاوض»، أو إن «الجدول الزمني (3 سنوات) عشوائي»، أو أخيراً بالقلق على «متطلبات أمن إسرائيل»... فهذه كلّها لا تراعيها إسرائيل، وبشكل أحادي الجانب؛ إذ تزيد عليها المزيد من سرقة الأرض الفلسطينية تحت اسم «الاستيطان»، وتضاعف الإجراءات التي تقوّض أي حل على أساس الدولتين لأنها ترفضه قولاً وفعلاً، بل إنها تشرّع لـ «يهودية الدولة» بقصد مفاقمة التأزيم والتسبب بـ «نكبة» جديدة من خلال تهجير فلسطينيي الداخل. الواقع أن بين دوافع «الفيتو» الأخير الحؤول دون عودة ملف الصراع إلى مجلس الأمن، ودون أن تكون القرارات الدولية مرجعية أي مفاوضات. وكان يمكن لهذه الدوافع أن تكون مفهومة لو أن لدى الولايات المتحدة بدائل جدية؛ إذ ليست لديها خطة لحل الصراع بإنهاء الاحتلال ولا قدرة على إدارة الملف، كما أثبتت أعوام ولايتي أوباما حتى الآن.

كيف يمكن الأميركيين الذين يقودون تحالفاً دولياً لمحاربة الإرهاب باسم قيم الحرية والاعتدال فيما هم يرتكبون سياسات تنكر على الشعب الفلسطيني أبسط حقوقه في الحرية والاستقلال. لا شك أنها سياسات تقود حتماً إلى العنف والتطرف والإرهاب طالما أنها تسفّه المقاومة السلمية بالتوجه إلى الشرعية الدولية طلباً للإنصاف. هذه السياسات الأميركية كانت ولا تزال تنطوي على البذرة المؤسسة للإرهاب، لكنها في هذه المرحلة الحساسة وفي ظل تحالف مع دول عربية بهدف القضاء على تنظيم «داعش» لا تزال أولويتها مصالح حليفتها الأولى إسرائيل من دون أي مراعاة للمصالح الاستراتيجية للحلفاء، حتى أن واشنطن لم تعد تخفي حقيقة دعمها لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي، وأن سيل الكلام عن تأييد السلام والعمل لتحقيقه ليس سوى ترهات. لذلك فالمنطق يقول: إن من لا يريد إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لا يريد في المقابل إنهاء الإرهاب، لأن لديه مصلحة في إبقائهما ابتزازاً للفلسطينيين والعرب.