«قنابل نووية» لإيران... والعرب في التحالف بلا شروط!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

20/10/2014
الحياة
المؤلف: 

إيران لن تسلّم بتعليق برنامجها النووي بلا مقابل. ولن تقبل بتقييد قدراتها على امتلاك قنبلتها الذرية غداً أو بعده بلا ثمن. ويدفعها استعجال المفاوضات بينها وبين الدول الست الكبرى إلى استعجال امتلاك أكبر عدد من القنابل في الإقليم تكون بديلاً من القنبلة النووية. فهي تعرف أنها لا تحتاج إلى هذه، لأنها لن تكون مبدئياً قيد الاستخدام في أي مواجهة. ليست من باب لزوم ما لا يلزم بالطبع. لكنها لزوم الحصول على بطاقة انتماء إلى نادي الكبار. تريدها قوة ردع وتوازن مع قوى تناصبها العداء، قريبة وبعيدة. إدارة الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد لم تخفِ تطلعها إلى يوم يقوم فيه تكتل يوازي مجلس الأمن قوة وتأثيراً يضمها وروسيا والصين ودول «البريكس». لذلك، دفعت حلفاءها وأذرعها في المنطقة إلى كسب مزيد من المواقع. وهذا ما أخرج الصراع السياسي والمذهبي من دائرة الحرب الباردة ليشعل عدداً من الجبهات، ويهدد بتغيير الخرائط.

لم تسلّم إيران بعودة الولايات المتحدة إلى العراق ومعها ركب من الحلفاء في التحالف، غربيين وعرباً. أوقفت التغيير العراقي في وسط الطـــريق. فلا حيدر العبادي قادر على إكمال عملـــية التغيير السياسي. ولا الأرض المستعـــادة من «داعش» تعود إلى خصـومها. تعـود إلى الميليشيات المرتبطة بها سياسياً وعسكرياً، والتي اتهمتها منظمة العفو الدولية قبل أيام بارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين السنّة. تريد الجمهورية الإسلامية أن يقاتل الأميركيون وحلفاؤهم تنظيم «داعش» مجاناً، أو على الأقل في مقابل القليل الذي لا يبدل الكثير في الصورة السياسية في بغداد. وتحض الحكومة العراقية على رفض أي تدخل بري على الأرض. وحتى رفض مشاركة الطائرات العربية في ضرب جماعة «أبو بكر البغدادي». باختصار تريد أهل التحالف في العراق ولا ترغب في تمدد عملياتهم في سورية، مخافة أن يطرأ تعديل على موازين القوى يدفعها إلى تقديم ما لا تريد من تنازلات. وهذا ما أعاق ويعيق انخراط أهل السنّة في الحرب المفتوحة على «دولة الخلافة». وهذا ما يوقظ مخاوف الأكراد وهم يرون إلى حكومة العبادي تكاد تتحول نسخة عن سابقتها في عهدة نوري المالكي. ويدفعهم إلى معاودة طرح الاستفتاء على الحق في تقرير المصير، أملاً باستقلال لن يولد من دون حروب داخل الإقليم وعلى حدوده المتنازع عليها مع الشيعة والسنّة على السواء، بل قد يفتح انفصال كردستان الباب واسعاً أمام تقسيم العراق في إطار خريطة جديدة لكل بلاد الشام.

تريد إيران أن تحتفظ بما لها في العراق وسورية، وإن تعرض البلدان لخطر التقسيم والتفتيت، بل تريد أن يكون لها المزيد من «القنابل». لم تسكت حتى الآن على ما جرى في البحرين. تصر على بقاء الوضع السياسي معلقاً عبر مقاطعة المعارضة في هذا البلد، الانتخابات النيابية. لن تسلّم بحضور مجلس التعاون الخليجي في المنامة. لن تعترف للآخرين بحقهم في حماية أمنهم الوطني والخليجي عموماً. ودفعت الحوثيين، في المقلب الآخر، إلى ما بعد صنعاء. إلى السيطرة على شمال اليمن وغربه، والاندفاع جنوباً إذا قدر لحليفها المقيم في ضاحية بيروت السيد علي سالم البيض، الرئيس السابق لما كان دولة اليمن الجنوبي، أن يلاقي عبدالملك الحوثي في وضع اليد على عدن وباب المندب. لم تراعِ مخاوف أهل الجنوب وحساسيتهم المذهبية. وحرّكهم تغولُ الحوثيين إلى استعجال استقلالهم عن الشمال. ولا يعني ذلك أن ولادة هذا الاستقلال ستكون سهلة. عليهم أن يستعدوا لخوض حروب وحروب تبدأ مع الحوثي وأنصاره في الجنوب، ثم بينهم وبين «القاعدة» الذي بات «حزب التجمع اليمني للإصلاح» وإخوانه يستعدون للوقوف وراء شياطينه لقتال أهل الشمال.

يجري كل هذا التمدد الإيراني، وسط شكوك في فعالية الحرب على «داعش». فالتنظيم يواصل هو الآخر حربه في العراق وسورية، ويستعد للتمدد أيضاً غرباً، وفتح جبهة جديدة في لبنان تحت شعار قتال حلفاء طهران. ووسط حرص أميركي واضح على تحقيق إنجاز في المفاوضات النووية. وهو حرص يلتقي مع رغبة مماثلة لحكومة الرئيس حسن روحاني. لذلك، يبدو كل حسم مطلوب حيال هذا التمدد وذاك مؤجلاً، ما دامت لا رغبة في تأجيل الاتفاق المحتمل بين إيران والدول الست إلى ما بعد الرابع والعشرين من الشهر المقبل. كل شيء يهون أمام حكومة روحاني والإدارة الأميركية في سبيل بقاء المفاوضات النووية نشطة وإنجاحها بأي ثمن. وثمة من يتوقع أن تثمر قبل الموعد المحدد. يجب أن يتحقق الإنجاز سريعاً.

إيران لم تعد ترغب في مهلة جديدة. تستعجل إعادة تحريك عجلة اقتصادها المكبل بالعقوبات والمهدد بمزيد من التدهور مع تدهور أسعار النفط الذي يرى إليه بعضهم حرباً أخرى لحشر الجمهورية الإسلامية وحليفها الروسي، ما دام الأخير لا يكف عن التلويح بورقة الغاز في وجه أوروبا. والرئيس أوباما هو الآخر لا يرغب في تمديد المفاوضات. يخشى وصول أكثرية جمهورية إلى مجلس الشيوخ الشهر المقبل لا تحبذ اتفاقاً مع طهران وتشكك في جدواه. يخشى ضياع رهانه الطويل على إنجاز تاريخي مع الجمهورية الإسلامية يعوض فشل سياسته الخارجية في أكثر من ملف، خصوصاً في «الشرق الأوسط الكبير». فهل يتحقق هذا الإنجاز ليكون أيضاً هدية إلى مفوضة الشؤون الخارجية الأوروبية كاثرين آشتون التي ستغادر هي الأخرى منصبها؟

كل الجبهات باتت مفتوحة في طول الإقليم وعرضه: الحرب على «الدولة الإسلامية» والحرب على تمدد الجمهورية الإسلامية، وحرب إيران عبر «قنابلها» هنا وهناك. كلها ترسم حجم التحول التاريخي المنتظر في الشرق الأوسط. وحجم التداعيات السياسية والعسكرية للاتفاق النووي المتوقع... إلا إذا فات الموعد المحدد الشهر المقبل، وحالت المواقف والظروف دون أي تقدم. عندها قد تنجر المنطقة إلى حرب واسعة. هذا ما يشي به تاريخ أزماتها. قد لا يضير الولايات المتحدة أن تتغير الأوضاع في المنطقة العربية، إذا كان الثمن إعادة بعث العلاقة التي كانت بينها وبين إيران أيام الشاه. وثمة رغبة دفينة في هذا الاتجاه. والاتهامات التي وجهها نائب الرئيس جو بايدن إلى تركيا والإمارات والسعودية بتسليح المتشددين في سورية تخفي استياء أميركياً واضحاً من هؤلاء الحلفاء التقليديين لا تبدده الاعتذارات التي قدمها لاحقاً. في حين تحاشى أن يشير إلى الدور الذي لعبته وتلعبه إيران في كل من العراق وسورية، والذي أدى بلا شك إلى اتساع رقعة المتعاطفين مع شياطين «داعش» وغيرها لوقف الزحف الإيراني على المنطقة.

لغة المصالح بعد ثلاثة عقود ونيف من الحرب الباردة، والجبهات النازفة في أكثر من ناحية وساحة، وخطابات التهديد والوعيد، لا بد من أن تتغلب على الأيديولوجيا، في الساحتين الأميركية والإيرانية. لم تعترف الولايات المتحدة بالاتحاد السوفياتي، على رغم كل الحروب البديلة بينهما، لكنها تعايشت معه وأبرمت معاهدات واتفاقات. وهي تفعل الشيء نفسه مع الصين التي لا تستسيغ سياساتها الداخلية وتخشى أطماعها في المحيط الهادئ، وتتواجه معها من آسيا الوسطى إلى أفريقيا. وما يسهل على إدارة أوباما مثل هذه الانعطافة نحو إيران أن الطقس العربي بات ملائماً، والأوضاع العربية لا توحي برؤية واحدة للأخطار وسبل مواجهتها. يكفي النظر إلى ما حل بالنظام العربي من ليبيا إلى مصر وجنوب شبه الجزيرة، وحدّث ولا حرج عما يحدث في بلاد الشام من شاطئ المتوسط إلى الحدود مع إيران.

ولعل أخطر ما في هذا التحول أن إيران تحقق نجاحات لم تتوافر لها من زمن طويل. فالقوى التي ستعوضها ربما خسارة قنبلتها النووية مرحلياً، قادرة على جعلها رقماً كبيراً وصعباً بين اللاعبين الكبار في المنطقة. هذه القوى الطوائف والمذاهب، من العراق إلى سورية ولبنان واليمن، مكونات أساسية في بلدانها أياً كان حجمها وتعدادها. ولا يمكن أن يساوم خصوم الجمهورية الإسلامية على مصيرها ووجودها التاريخي. هي «قنابل» ثابتة بخلاف «قنابل داعش» التي يرى إليها هؤلاء الخصوم تهديداً لهم ولمستقبلهم. يبقى أن إدارة أوباما التي تتمهل في حربها على «دولة الخلافة» وتغض الطرف عن حروب إيران، من بلاد الشام إلى شبه الجزيرة العربية، هل يمكنها أن تقيم توازناً بين ثوابت سياساتها السابقة والانعطافة المتوقعة؟ أي هل تتخلى عن «مبدأ كارتر» وحلفائها التقليديين في مقابل تخلي طهران عن برنامجها النووي العسكري بمثل هذه السهولة؟ جل الجواب في جعبة الدول العربية، ودول مجلس التعاون، خصوصاً التي تقاتل «دولة الخلافة» إلى جانب الولايات المتحدة ودول التحالف الأخرى... فهل تغير طائراتها الحربية مجاناً وبلا شروط على هؤلاء الحلفاء، أقله في ما يخص ما تزرعه طهران من «قنابل» في المنطقة؟