أحزاب جديدة من رحم العدالة والتنمية في تركيا

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

9يوليو/تموز 2019
عربي 21
المؤلف: 

 

ليس سراً أن هناك فئة من كوادر العدالة والتنمية وأنصاره باتت تسمى بالمتحفظين أو العاتبين على خطاب الحزب وبعض سياساته. كانت الإشارة الأولى في انتخابات حزيران/يونيو البرلمانية والتي فقد فيها الحزب الأغلبية البرلمانية، إلا أن الأمر تكرر في الاستفتاء على النظام الرئاسي في 2017  ثم في الانتخابات البرلمانية في 2018 وأخيراً في الانتخابات البلدية في آذار/مارس الفائت.

بالتوازي مع هذا “العتب” الشعبي بل ربما أحد أهم أسبابه، كان هناك غياب أو تغييب مستمر ومتدرج لقيادات سابقة في الحزب خلال السنين الماضية، لدرجة أنه لم يبق من الشخصيات القيادية الكبيرة التي بدأت المسيرة مع اردوغان أحد منهم تقريباً، اللهم إلا بولند أرينتش الذي قرّبه الرئيس مؤخراً بعد سنوات من الابتعاد.

شخصيات مثل الرئيس السابق عبدالله غل ورئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو ووزير الاقتصاد الأسبق علي باباجان وعدد كبير من الوزراء والقيادات السابقة مثل وزير الداخلية الأسبق بشير أطالاي ووزير العدل الأسبق سعدالله أرغين ورئيس البرلمان الأسبق جميل تشيشيك ونائب رئيس الوزراء الأسبق حسين تشيليك وغيرهم باتوا اليوم خارج دائرة صنع القرار في الحزب والحكومة والبرلمان ويصنفون على أنهم “معارضة داخلية”.

ومع استمرار منحى التراجع من جهة وعدم احتواء القيادات السابقة من جهة أخرى تنتشر أنباء عن نية هذه القيادات تأسيس حزب أو أحزاب لممارسة العمل السياسي الذي ما زالت تطمح له وتقديم حلول لما تراه مشاكل تركيا ومعضلاتها. وبمنطق السياسة، فإن الوقت الأنسب للإعلان عن حزب سياسي جديد هو تراجع الحزب الحاكم، ولذلك كانت الانتخابات البلدية الأخيرة ومن بعدها انتخابات الإعادة في إسطنبول فرصة سرّعت من خطط هذه القيادات.

بيد أن هذه القيادات ليست على قلب رجل واحد ولا تتحرك معاً حتى اللحظة. هناك تيار واسع من القيادات السابقة بقيادة علي باباجان ورعاية ودعم من عبدالله غل، وهناك داودأوغلو الذي يبدو حتى اللحظة وكأنه يعمل منفرداً ومستقلاً عنهم. يتمتع الطرفان بسيرة ذاتية ناجحة وإنجازات معروفة وأيد بيضاء على تركيا باعتبارهم من أكبر الأسماء التي ساهمت في مسيرة العدالة والتنمية، إلا أنهما يختلفان نوعاً ما في الخلفيات والخطاب.

علي باباجان، الذي يُوصف بأنه باني نهضة تركيا الاقتصادية مع العدالة والتنمية، من المؤمنين بالليبرالية الاقتصادية والنظام المالي العالمي، ولذلك يُعتقد بأنه يحظى بتأييد بعض الأطراف الدولية، إضافة لدعم الرئيس السابق غل وعدد كبير من القيادات السابقة.

أما داودأوغلو، مهندس السياسة الخارجية التركية قبل أن يُحمَّل وزرها بعد استقالته، فما زال الأقرب لحزب العدالة والتنمية متبنياً خطاباً “من داخل القلعة” كما يقال حتى اللحظة.

ولذلك، ورغم كل ما قيل عن “المانيفستو” أو البيان الذي أصدره عقب الانتخابات البلدية الأخيرة، إلا أنه ما زال يتحدث بمنطق “حزبنا”، متجنباً الانتقاد الصريح والمباشر لاردوغان ومركزاً على فرصة حقيقية أمام الحزب لحركة إصلاح تعيده إلى منطلقاته.

أما علي باباجان، فقد نشرت الصحافة التركية تسريبات – لم تنفها الرئاسة أو تؤكدها – عن لقاء جمعه أخيراً بالرئيس اردوغان، والذي يبدو أنه فشل في إقناعه بالعمل من داخل الحزب، حيث يصر باباجان بأن المشكلة الأساسية في البلاد اقتصادية وأن فريقه يملك حلها.

ولذلك، يمكن القول بأن باباجان ومن معه قد حسموا أمرهم، وأنهم متجهون لإعلان حزب جديد قريباً (الخريف القادم حسب التسريبات) يضع على أجندته الإصلاحات الاقتصادية من خلال سياسات ليبرالية وإصلاحات متناغمة مع المؤسسات الدولية، وبهوية “ليبرالية محافظة” أو موقع يمين الوسط في الساحة السياسية، بحيث يستطيع الحزب الجديد كسب أنصار ومؤيدين من مختلف الأطياف – وليس فقط المحافظين – وفي مقدمتهم أنصار العدالة والتنمية فضلاً عن أصوات من القوميين الأتراك والأكراد والليبيراليين وبعض العلمانيين، أي أنه يكرر سردية “حزب لكل تركيا” التي بدأ بها العدالة والتنمية.

أما داودأوغلو فليس مستبعداً أن يعلن عن تأسيس حزب جديد هو الآخر إن يئس من مساعي الإصلاح، لكن خطابه يوحي بأن بابه ما زال موارباً لتقبل تسوية ما مع حزبه. وبالنظر إلى أن خطابه يدعو إلى إصلاحات يقوم به حزبه، وأن أحد أهم انتقاداته لبنود النظام الرئاسي التي أقرت في استفتاء 2017 هو الجمع بين منصبي رئاسة الجمهورية ورئاسة الحزب، وترديده التأكيد على نجاح حزب وتقدمه خلال رئاسته وتدهور أوضاعه من بعد استقالته، بالنظر لكل ذلك يمكن التنبؤ بأن الرجل يلمح إلى فصل المنصبين ليبقى اردوغان رئيساً ويعود هو – أي داودأوغلو – لرئاسة الحزب.

السؤال الأهم، هل يمكن أن ينضم داودأوغلو للمجموعة الأخرى أو أن تنضم له في حزب واحد؟ الإجابة البديهية أن تجميع الجهود أفضل بالنسبة لتلك القيادات إن أرادت أن تكون منافساً حقيقياً للعدالة والتنمية واردوغان اللذّيْن ما زالا قويين، لكن منطق السياسة يفرض هنا نفسه مرة أخرى بأن كلاً منهما يرى في الطرف الآخر منافساً له فضلاً عن الاختلافات في الرؤى والأفكار والطروحات، ولذلك فلا يبدو أن هناك تنسيقاً بين الطرفين حتى اللحظة، وإن كان ذلك لا يمنع أن يحصل لاحقاً.

كان العدالة والتنمية ضالة المواطن التركي في 2001 بسبب الانسداد السياسي والأزمات الاقتصادية، ولذلك فقد كسب أغلبية البرلمان وشكل الحكومة منفرداً منذ الانتخابات الأولى واستمر حتى اللحظة. اليوم، ليس متوقعاً لأي حزب جديد أن يكون بنفس القوة في بداياته، فظروف البلاد اليوم مختلفة عنها في تلك الفترة، والحزب الحاكم ما زال قوياً رغم تراجعه النسبي.

لكن ذلك ليس مطمئناً للعدالة والتنمية بالضرورة. إذ أن التحدي الأكبر الذي يفرضه الحزب (أو الأحزاب) الجديد هو قدرته على السحب من قاعدة العدالة والتنمية الجماهيرية وخزانه التصويتي، وهو أمر سيكون له ارتداداته بالتأكيد في ظل حالة الاستقطاب وتقارب الحظوظ في المحطات الانتخابية الأخيرة وفي ظل توحد المعارضة مؤخراً.

وعليه، فإن العدالة والتنمية لا يمتلك رفاهية البقاء مكتوف الأيدي ومراقبة الأحزاب الجديدة وهي تتأسس، اعتماداً على تاريخ طويل من الأحزاب المنشقة التي يكون مصيرها الفشل، إذ يحتاج الحزب اليوم أكثر من أي وقت مضى لكل جهد وصوت وشخص.

ولذا، فالكرة في ملعب الرئيس اردوغان للعمل على جبهتين:

الأولى، إصلاحات وتغييرات حقيقية على صعيد الحزب والحكومة وآلية عمل النظام الرئاسي والخطاب والتحالفات وغيرها، بحيث تكون ذات مصداقية ومقنعة لأنصار الحزب وناخبيه.

الثانية، احتواء القيادات السابقة في الحزب وفي مقدمتها داودأوغلو وضمها لدوائر صنع القرار الحقيقية. استقطب اردوغان رئيسي البرلمان السابقين أرينتش وشيمشك في لجنة استشارية استحدثها، لكن ذلك لم يبدُ كافياً ومقنعاً، بدليل أن شيمشك نفسه ما زال أحد الشخصيات التي تجتمع مع فريق باباجان.

في الخلاصة، يواجه العدالة والتنمية اليوم أحد أكبر التحديات منذ تأسيسه لارتباطه بوحدته وقدرته على الحفاظ على قاعدته الجماهيرية، لكن المفارقة أن اردوغان هو من سيحدد السيناريو الأرجح أكثر من القيادات السابقة/المعارضة، إذ أن الإشارات الأولى منه تحدثت عن تغييرات قادمة لكنها أوصدت الباب أمام “من غادروا القطار” على حد تعبيره.