أحياء حمص مقفرة ومدمرة.. ونظام الأسد عاجز عن إعمارها رغم سيطرته عليها قبل سنوات

حي بابا عمرو ـ أرشيف
سبت 19 أغسطس / آب 2017

في حي بابا عمرو، رمز الثورة السورية في مرحلة سابقة، مازال ركام مبانيه التي لم يعد إليها إلا قلة من الناس رغم مرور خمس سنوات على سيطرة نظام الأسد عليه، وخروج المعارضة منه، شاهداً على فشل النظام في إعادة إعماره بعد أن دمره بقصفه العنيف.

وفي حي الزهراء الموالي للنظام في الجهة المقابلة عكس صخب الأسواق المزدهرة ما آلت إليه الحرب في حمص التي كانت يوماً ثالث كبرى مدن سوريا.

سيطر نظام الأسد على بابا عمرو عام 2012 وبعد عامين سيطر على أحياء حمص القديمة المجاورة. وكان حي الوعر عند مشارف المدينة آخر معاقل مقاتلي المعارضة المسلحة في مدينة حمص عندما استعادته قوات النظام أوائل العام الحالي بموجب اتفاق "مصالحة".

لكن على الرغم من مرور سنوات على عودة بابا عمرو وحمص القديمة إلى كنف النظام لم تشهد المنطقتان نهضة معمارية ومعيشية تذكر إذ تنعدم تقريباً مظاهر الحياة الطبيعية وتقف الأحياء المقفرة نموذجاً للضرر الدائم الذي ألحقته الحرب بمدينة اتخذت فيها الأحداث منحى طائفياً عنيفاً بين العلويين الموالين للنظام والسنة الذين فروا بأعداد كبيرة بدّلت المشهد السكاني في المدينة لغير صالحهم.

أما من آثر البقاء من أهل المدينة فقد عاش ليروي خسارة أقارب قتلوا في المعارك أو اعتقلتهم الأجهزة الأمنية أو اختطفوا في العمليات المتبادلة بين الأحياء أو ببساطة فقدوا ولم يعرف مصيرهم حتى الآن.

معتقلون وشهداء

يسكن فيصل الفطراوي (71 عاماً) حي بابا عمرو منذ سبعينيات القرن الماضي ولم يغادره إلا عام 2011 عندما احتدمت المعارك ليعود عام 2012 بعد سيطرة النظام عليه من جديد ويستقر في أطلال منزله شبه المهدم.

وقال: "أولادي الاتنين موقوفين وواحد استشهد وهناك اثنين آخرين في لبنان وفي ليبيا. واحد اعتقل عام 2012 والثاني صار له سنة وشهرين (..) لا نعرف عنهم شيئاً".

يقف الفطراوي ليروي حديقة الخضراوات المتنوعة التي زرعها في الجزيرة الوسطى التي تتوسط الشارع الخالي من حركة السير حيث يقع منزله المفروش بأثاث قليل. ولا يحجب الفطرواي، وهو نجار سابق، عن المارة سوى نوافذ خشبية صنعها بنفسه كي يمنح منزله بعض الخصوصية إذ أن مواد البناء ليست متاحة بسهولة.

ويطبق النظام إجراءات مشددة على هوية السكان وطبيعة المواد التي تدخل إلى الحي الذي رافق فيه جندي ومسؤول من وزارة الإعلام وكالة "رويترز" عند زيارتها للحي.

وفي الحي المجاور تعيش حفنة من العائلات التي نزحت من أماكن أخرى من المحافظة وسكنت مؤقتاً في منازل خالية من أصحابها في بابا عمرو.

وفاق عدد سكان حمص 800 ألف شخص قبيل الحرب لكنهم باتوا 472 ألفاً بينهم 192 ألفاً من النازحين الذين انتقلوا إلى حمص خلال الحرب، وفقاً لإحصاءات الأمم المتحدة. ويشكل السنة الأغلبية العظمى من الأشخاص الذين رحلوا.

وأسهم دمار السوق المركزي القديم في المدينة والأحياء المجاورة له في انتعاش اقتصادي بمنطقة الزهراء الآمنة نسبياً والموالية للنظام عند المشارف الشرقية للمدينة.

انتعاش في الزهراء

وفي ظل الأمان النسبي في حي الزهراء الذي لم يطله القصف الجوي تبدو الحياة طبيعية مقارنة بالمناطق المقفرة والمدمرة في وسط حمص.

وقال أحمد كاسر العلي النائب في برلمان النظام عن المنطقة: "الشوارع الرئيسية في الزهراء ازدهرت وأصبحت سوقاً مركزياً. بات وضع التجارة والقوام الاقتصادي أفضل بكثير مقارنة بما قبل الأزمة. بعد أن أقفل السوق (القديم بوسط المدينة) جاء التجار وفتحوا محلات ضخمة ومحلات وشركات وتحسن الوضع الاقتصادي".

وأشار العلي إلى أن "ثمانين بالمئة من شباب الزهراء في الجيش السوري أو مع القوات الرديفة". وأضاف "ما يحز بالنفس هو أنه في الزهراء لا تمشي في الشارع إلا وتجد من يعاني من إعاقة في جسده أو يده أو ساقه. قسم كبير من الشباب انعطب جسمه. هذا الجيل الصاعد من عشرين إلى أربعين عاماً. ومن ليس مصابا فهو على الجبهات".

وعلى طول الشارع الرئيسي في الزهراء والشوارع المتفرعة تطالع المارة صور قتلى النظام المعلقة على الشرفات وعلى الجدران وإلى جانبها صور الأسد ووالده حافظ الأسد الذي يشيرون إليه في الزهراء بلقب "أبونا".

وفي الشارع الرئيسي، كانت كريمة شعبان (57 عاماً) تسير متشحة بالسواد حزناً على ولديها اللذين قتلا في الحرب وتزين عنقها قلادة طويلة تتوسطها صورة ابنها الذي لاقي حتفه أثناء قتاله في جيش النظام في بابا عمرو عام 2013.

لكن الحرب انتهت في مدينة حمص الآن، وبحسب محافظ حمص طلال برازي فإن عمليات الإعمار "تحتاج إلى تمويلات كبيرة جزء منها سيكون من المصارف العامة والخاصة والجزء الآخر من المغتربين السوريين"، متوقعاً أن يكون العام المقبل هو "القاطرة" التي تطلق عملية إعادة الإعمار على حد زعمه.

وفيما يخص عودة السكان قال البرازي العودة مرتبطة بالتدقيق الأمني الذي يشمل كل شرائح المجتمع.

وتتطلب العملية وفق البرازي: "تقديم المواطن العائد وثيقة تعرف عنه بأنه من أبناء الحي مع أي وثيقة تثبت ملكيته في هذا الحي ويدقق وضعه لدى الشرطة إذا كان مطلوباً في أي جرم سواء كان أمنياً أو جنائياً ويعود بعدها إلى منزله مباشرة" موضحاً أن هذه الإجراءات موجودة منذ أكثر من عامين.

غير أن بعض المعارضين ينتقدون هذه الخطوة ويعتبرون أنها تخيف الكثير من السكان من العودة مما سينتج عنه عودة الموالين للنظام فقط إلى هذه الأحياء وهو ما حصل.

ومن جانبه طالب عبد الناصر الشيخ فتوح رئيس غرفة التجارة في حمص بضرورة إلغاء طلب العودة مشدداً إلى أن "السوق التجاري (المركزي) لن يعمل إلا إذا عاد الناس إلى الأحياء الشعبية المحيطة به وبالتالي يجب إلغاء طلب العودة للناس والتجار أيضاً".

لكن بالنسبة إلى من فقدوا أفراداً من عائلاتهم بطريقة أو بأخرى لا ترتبط العودة بالإجراءات الشكلية والأمنية، فهناك أرواح صعدت للسماء ولن تعود.

اقرأ أيضاً: نظام الأسد يقصف "جوبر" بغاز سام وحالات اختناق بين المدنيين

 

المصدر: 
رويترز ـ السورية نت

تعليقات