أراك عصي التأهيل.. شيمتك البطش!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

21/11/2014
السورية نت
المؤلف: 

ليس عنوان المقال الذي يحاول "معارضة" بيت الشاعر الكبير (أبو فراس الحمداني) في استعطافه لابن عمه (سيف الدولة)، إبان أسره لدى الروم، محاولة لفتح قنوات التواصل والحوار مع نظام الأسد في سورية، بعد أن خاض الشعب السوري في دمائه حتى الركب وهو ينشد التوصل إلى الحرية والديمقراطية والانعتاق. فموجة إعادة إحياء الحل السياسي الذي بات مطلباً دولياً أكثر منه مطلباً سورياً، تروج مؤخراً مع مبادرة المبعوث الدولي "ستيفان دي ميستورا" محاولاً استنساخ المبادرة الإيرانية "المعدلة" من قبل النظام، في مناطق الهدن التي عرفها جنوب دمشق ومدينة حمص، لكنها (أي مبادرات العودة إلى سكة الحل السياسي) تبدو منفصلة عن واقع ممارسات نظام الأسد.

لا يوفر النظام أي تيار أو شريحة مجتمعية إلا ويحاول إشراكه، لا في الحل السياسي (الرابض تحت سقف الوطن كما يحلو لأنصاره أن يروجوا له)، بل في معاني القتل والاعتقال والتعذيب الذي تطال كل السوريين بلا تمييز. فاعتقال الكاتب والمعارض السوري المنتمي إلى ذات طائفة النظام، كما يقول بعض أطراف المعارضة السورية، يهدف إلى منع نظام الأسد أن يكون على رأس معارضيه شخصية علوية، وبالتالي علمانية، تتبنى الخط السلمي، وتتجرأ على رفع سقف نقدها له بصورة تنال من هيبته وركائز قوته، حتى ولو بالتصريح. وهو ما ينطبق على لؤي حسين، رئيس تيار بناء الدولة، كما سبق وانطبق على عبد العزيز الخيّر، فغُيّب الأول، وإن بصورة أقل درامية من الطريقة التي غُيّب بها الثاني.

لكن هذا التحليل النابع من محاولات تسويق النظام للمفهوم الطائفي في سورية، عبر وسائل الإعلام الموالية له، يبدو مجرد ذر للرماد في العيون، فالكل يعلم أن نظام الأسد رفض كل محاولات إعادة تأهيله بما يمس قبضته الأمنية والعائلية، وأن استبداد الأسد وأسرته وفساد الطغمة الموالية له يتجاوز حدود الأقليات والمذاهب والطوائف في سورية، ولا يقيم وزناً لأي صوت معارض ولو كان من داخل طائفته أو متوافقاً مع توجهه المعتبر ما يجري في سورية "مؤامرة كونية" عليه (لا على البلد).

لقد حاول نظام الأسد إبعاد الأنظار عن التصريحات التي قادت إلى اعتقال لؤي حسين، فأشار في قرار توقيفه إلى مقالٍ كتبه حسين في صحيفة "الحياة اللندنية"، منذ أكثر من أربعة شهور. لكن قرار اعتقال "حسين" يبدو نابعاً من جُرأة تصريحات حسين التي سبقت اعتقاله بأيام.

المجموعة الأولى من التصريحات كانت مطلع الشهر الجاري، في بيانٍ صادرٍ عن "تيار بناء الدولة السورية"، الذي يترأسه حسين. أما الثانية، فكانت لـ "واشنطن بوست" الأمريكية، قبل أيام قليلة فقط على اعتقال "حسين".

لؤي حسين تجاوز مؤخراً بعض الخطوط الحمراء، وسبقه إلى ذلك عبد العزيز الخير المنتمي إلى تيار هيئة التنسيق الوطنية، لكن الأخير ينتمي إلى عائلة مرموقة في الوسط "العلوي" فكانت المسارعة إلى اعتقاله بطريقة درامية أسرع وأبكر، فيما شفع للؤي حسين ضعف ثقله العائلي فكان تأخير اعتقاله لانشغال النظام بما أو بمن هو أهم!

اعتقال لؤي حسين عمل مدان ومرفوض بكل المقاييس، ولا نسعى للتقليل من أهميته من خلال فضح لا طائفية النظام، واستناده إلى شريحة الفساد التي يستند إليها النظام (لا الطائفة فحسب)، لكن تضخيم عملية الاعتقال والإشارة بها إلى مخاوف النظام من تسويق حل سياسي يقوده سياسي علوي من طائفة النظام نفسه، بعد الحديث عن حراك روسي وتقارب مع أطراف من المعارضة السورية، هو كلام يجانب الصواب ولا يكاد يقاربه.

جل ما في الأمر أن لؤي حسين "هتك" هيبة النظام، وتطاول على ركائز قوته، وفي بيانه الصادر مطلع الشهر الجاري، تحدث حسين بجرأة عن أن النظام في سورية ينهار ويتهالك، وأنه عاجز عن حماية السيادة الوطنية، خلافاً لما يروج له أنصار النظام. وأن النظام عاجز عن حماية البلاد، خاصةً من خطر "تنظيم الدولة".

أما تصريحات لؤي حسين لصحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، منذ أيام، والتي أكد فيها أن صبر "العلويين" يقترب من النفاد حيال النظام بسبب عجزه عن إثبات أي تقدم يُذكر في إنهاء "الحرب الكونية" على البلد، فكانت محاولة لتهشيم فكرة سائدة في أذهان السوريين، من كل الأطياف، من جهة، وفي أذهان الكثير من المراقبين في الخارج، من جهة أخرى، مفادها أن ولاء "الطائفة العلوية" لنظام الأسد مُطلق، لا يمكن أن يتزعزع، وأنه حامي الأقليات في سورية والمنطقة، لا أن حلاً دولياً على الأبواب وأن من المحتمل أن يلعب "حسين" دوراً فيه بوصفه ينتمي إلى طائفة النظام!

فالنظام الذي تعامل بذكاء مع مبادرة "دي ميستورا" فلم يرفضها ولم يقبلها، ورحب بأي حراك سياسي يعترف به كزعيم أو طرف في مستقبل سورية، بعد أن بُحّت حناجر المسؤولين الدوليين في نزع شرعيته السياسية وسقوطه في نظر العالم والسوريين، يدرك أن أي حل دولي يروج له حالياً لا يمكن تسويقه من دون التأكيد على شرعيته التي اكتسبها خلال فترة قتله للشعب السوري بكل طوائفه، أما اعتقال "حسين" فيأتي بعد سنوات من اندلاع الثورة في سورية ليؤكد على شيء واحد، وهو كون نظام الأسد عصياً على الحوار أو قبول الآخر، أبياً ضد كل محاولات إعادة تأهيله وإصلاحه، شيمته البطش بكل من يجرؤ على انتقاده، فهل وصلت الرسالة إلى السيد "دي ميستورا" "عملياً" بعد أن راوغ النظام في قبولها وابتسم في وجه المبعوث الأممي!