أردوغان وفرص إحياء المسار السياسي الشامل للقضية الكردية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

4/5/2018
السورية نت
المؤلف: 

مما لا شك فيه؛ يمكن اعتبار  إعلان  "تقديم" الانتخابات التركية من قبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان "خطوة ذكية"  على الصعيد الداخلي، إذ فاجىء المعارضة بهذه الخطوة ولم يترك لها فرصة التحضير والاستعداد بشكل جيد ، إضافة إلى  "حُسنِ استثماره" للظرف الداخلي المؤيد له بقوة بعد القضاء على الانقلابين واجتثاثهم وهذا ما أعطاه زخماً شعبياً كبيراً في ابعاده لشبح الانقلابات عن تركيا والذي كان يقض مضاجع المواطنين بين كل فترة وأخرى  وتعود بتركيا عشرات السنين إلى الوراء، خاصة إذا علمنا أن تركيا وخلال الستة عشر الماضية من حكم حزب العدالة والتنمية قفزت قفزات تاريخية على الاقتصادي لم يسبق له مثيل في تاريخ تركيا الحديث، حيث احتلت المرتبة 16 من بين أغنى 20 دولة في العالم وارتفع مستوى دخل الفرد من 2000دولار سنوياً إلى 12000ألف دولار وهذا ما اكسب حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان تأييداً شعبياً منقطع النظير لدرجة لن يستطيع أي منافس في المعارضة من أن يفكر بأنه سيشكل ثقلاً شعبياً ينافس الرئيس أردوغان في المرحلة الراهنة، وعليه فإن فوز أردوغان في الانتخابات المقبلة في ظل الدستور الجديد يكاد يكون من "المسلمات السياسية" في الداخل التركي، وبالتالي ستعزز فرصه لتحقيق وعوده الانتخابية والتي ستسهم في جعل تركيا تمضي باتجاه تعزيز سياسات الاستقلال والاستقرار، كجعل تركيا من بين أغنى عشر دول في العالم ورفع مستوى دخل الفرد التركي ليصل إلى ضعف الرقم الحالي وذلك من خلال فتح وانجاز مشاريع عملاقة في كل انحاء تركيا يزيد من الزخم الشعبي له في المعركة الانتخابية القادمة،

بالمقابل فإن مسيرة الاستقلال والاستقرار مع بقاء القضية الكردية في تركيا دون حل مقبول سيجعل من تركيا الخاصرة الرخوة التي تسعى الدول المنافسة لها للولوج من خلالها واستغلالها وخلق حالة عدم استقرار داخلي لها بغية هدر اقتصادها وتبديدها في الصراع الداخلي، ومن ثم اضعافها وعدم قدرتها على تحقيق طموحاتها في التنمية الاقتصادية والبشرية أو الحد منها، لذلك يفترض والحالة هذه أن تولي الرئاسة التركية الأهمية القصوى لهذه القضية التي تستنزف طاقات تركيا الاقتصادية والبشرية منذ 34 عام من الصراع الدامي مع حزب العمال الكردستاني pkk   تخللتها بعد فترات الراحة أثناء التفاوض بين الطرفين.

صحيح أن أردوغان كان من أكثر رؤوسا تركيا جرأة في تناول القضية الكردية منذ 2005م، حيث أعلنها صراحة في مدينة دياربكر في خطاب جماهيري بأن "القضية الكردية قضيتي" وأنه سيقوم بإيجاد حل منصف لها بعيداً عن العنف، وصحيح أيضاً بأنه قد أولى اهتماماً بالمناطق الكردية من حيث التنمية الاقتصادية والبشرية والبنية التحتية وذلك ببناء المصانع والطرق والجسور والمطارات في كل ولاية، وكذلك أولى اهتماماً واضحاً بالريف وتمكين المواطنين من الاستقرار وذلك بتوفير كل الخدمات الضرورية من ماء وكهرباء ومدارس وتقديم القروض الميسرة للزراعة والثروة الحيوانية وتربية النحل وأحيانا كانت تقدم القروض المجانية للغرض نفسه، ويكفي أن نستدل بأنه في عام 2017م وحدها تم تقديم ميزانية خاصة قدرت ب 64 مليار دولار لتنمية المناطق الكردية من جميع الجوانب الاقتصادية وبذلك وفر أكثر من 200الف فرصة عمل للمواطنين للتمكين في مناطقه وابعاد شبح الهجرة إلى “المتروبولات” الكبيرة في غرب تركيا والعالم، كما أن المواطن شعر بنوع من الارتياح على مستقبله ومستقبل أسرته وإزالة الكثير من الفوارق المجتمعية داخل المجتمع التركي ككل.

لكن كل ذلك لم يترافق بالتقدم المطلوب باتجاه الحل السياسي للقضية الكردية ونزع فتيل العنف الداخلي وايجاد مخرج سياسي مقبول لحل القضية الكردية، على الرغم من أنه فتح باب الحوار الجدي مع PKK منذ 2009 في أوسلو ثم انتقل الحوار إلى سجن إيمرالي مع زعيم حزب العمال عبدالله أوجلان وتوج الحوار باتفاق بين الطرفين في 2013م، إلا أن بنود الاتفاقية للأسف لم ترَّ النور والتطبيق العملي لها على الأرض، على الرغم من تخطيها بعض الخطوات المهمة من أجل تعزيز بناء الثقة، لكن سرعان ما تبخرت واستؤنف القتال مجدداً في صيف 2015م ودخلت تركيا مجدداً في دوامة العنف، وبغض النظر عم من تسبب في فشل التفاهم بين الطرفين إلا أن الاتفاقية كان يشوبها نقطتي ضعف رئيسيتين:

الأولى: أن الاتفاقية تم توقيعها من قبل رئيس الحزب المسجون وبعد التوقيع عليها أعيد إلى السجن مجدداً وبالتالي لم يعد هناك من ينفذ الاتفاقية على الأرض، وكان يفترض والحالة هذه أن يتم الافراج عنه أو وضعه تحت الإقامة الجبرية ليتسنى له التواصل مع أنصاره وكوادره والخروج للإعلام لشرح الاتفاقية والضغط على أنصاره لتنفيذها وهذا ما لم يحصل ، خاصة إذا علمنا أن قوى إقليمية ودولية عديدة لم يكن من مصلحتها تنفيذ مثل هذه الاتفاقية والتي من شأن ذلك خلق حالة استقرار مستدام في تركيا وبالتالي سيؤثر هذا الاستقرار التقرب من القرار الكردي في الدول الأخرى وهذا ما يجعل من تركيا الدولة الراعية للقضية الكردية في الأجزاء الأخرى وهذا ما لا يحبذه هذه الدول.

الثانية: اقتصار الحوار على pkk وتجاهل القوى السياسية الكردية الأخرى في تركيا والتي لا تؤمن بالعنف والحل العسكري، وكذلك الفعاليات المجتمعية الكردية الأخرى من الأكاديميين ورجال الأعمال والنخب الثقافية والبرلمانيين السا بقين وشيوخ الدين وزعماء العشائر، وهذا التجاهل أضعف كثيراً من قوة استمراريتها، لأنه وبمجرد أن يتنصل طرف منه حتى ينهار الاتفاق كلياً، أما لوكان هناك أطراف عدة مشاركة في صنعها وتوقيعها فإن من شان ذلك خروج طرف منها لن يؤثر كثيرا على عدم تنفيذها على الأرض.

على ضوء ما تقدم فإن أمام الفترة الرئاسية الجديدة لأردوغان استحقاق تاريخي كبير ولا يتطلب ذلك سوى إعادة طرح المبادرات السياسية والتي أثبت الرئيس أنه يملكها، وذلك بإعادة النظر في العملية السياسية مجدداً وتلافي النواقص السابقة والبدء بحوار جدي وشفاف يشارك فيه كل الفعاليات المجتمعية والسياسية الكردية والتركية للوصول إلى أفضل صيغة يرضي جميع الأطراف وبما يحقق الأمن والاستقرار لتركيا، وعندها فقط يمكن لأردوغان تحقيق جميع مشاريعه الاقتصادية الطموحة لتتبوأ تركيا مركز الصدارة إقليميا ودولياً، وبدون ذلك ستبقى تركيا عرضة للتدخلات الاقليمية والدولية من خلال استغلال القضية الكردية من قبلهم، ووضع العصي أمام عجلات التقدم التركي وهدر الطاقات الضخمة في الصراع العسكري والتي اثبتت التجربة عدم نجاعتها وجدواه ولم يجلب للطرفين سوى الدم والدموع وهدر الطاقات.

تعليقات