أزمة أخلاقية وليست سياسية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

2 آب 2019
تلفزيون سوريا
المؤلف: 

الإصرار المتصاعد للمعارضة الرسمية السورية بالتبرؤ من كل سوءاتها قد يبدو أمراً مفهوماً ( وليس مقبولاً)، وما يبرر تفهّم سلوك المعارضة هو الصراحة التي بدأت تتوضح في خطاب أعضاء الكيانات المتعددة ( الائتلاف – هيئة التفاوض – الحكومة )، وذلك حين يؤكد هذا الخطاب رغبة أصحابه بالعزوف الكامل عما يريده السوريون المنحازون للثورة، بل تحوّل هذا العزوف إلى تحدٍّ سافر لإرادة وتطلعات القسم الأكبر من السوريين، حين غدا التموضع في الصفوف الأمامية امتيازاً شخصياً ينبغي العضُّ عليه بالنواجذ، وليس اندفاعاً نابعاً من الرغبة في خدمة قضية وطن، ولهذا بات معتاداً لدى جمهور الثورة أن يسمعوا ممن هم في عداد قاداتهم عبارات بالغة الدلالة والوضوح تقول: ( لستم أنتم من انتخبنا ولستم من قام بتعيننا، ولم يكن لكم أي خيار في انتقائنا ووصولنا إلى ما نحن فيه، وبالتالي ليس ما يشغلنا رضاكم أو سخطكم، فلا جدوى من اعتراضاتكم على سلوكنا أو نقدكم لأداء كياناتنا، وفّروا على أنفسكم  عناءاتها، - هنا على صدوركم باقون كالجدار- ).

الأطراف الإقليمية التي أنشأت كيانات المعارضة السورية، وحدّدت لها أجنداتها بدقة، وأشرفت على مسار عملها، هي مدعوّة – اليوم – للدفاع عن هذه الكيانات والحفاظ عليها من الانهيار، أمام خصومها، وهؤلاء الخصوم هم مواطنون سوريون ثائرون بوجه نظام الأسد، تماماً كحال حلفاء نظام الأسد حين يجدون أنهم مدعوون – اليوم أيضاً – للدفاع عن نظام الأسد في مواجهة أغلبية الشعب السوري.

قد تبدو هذه المقارنة بين النظام والمعارضة مرفوضة، بل ربما يرى فيها بعضهم كثيرا من التجنّي، ولكن لكي نخرج من إطار الاتهامات التي لا أساس لها، وسوء النوايا، أقول: إن من أسّس لطرفي هذه المقارنة هم أقطاب المعارضة، وليس أحداً آخر، فالذي اتهم المتظاهرين في إدلب غداة اتفاق سوتشي في إيلول 2018 ، بأنهم مدسوسون من جانب نظام الأسد، هو رئيس هيئة التفاوض، وكذلك فعل الناطق الإعلامي باسم هيئة التفاوض، ولا أعتقد أن الاعتذار أو تعديل الخطاب الذي جاء لاحقاً يغيّر من الأمر شيئاً، وكذلك النظر إلى أي كلام يتضمن نقداً للسلوك السياسي للمعارضة على أنه سباب وشتائم لا يرقى إلى مستوى التعبير عن الرأي، بل هو لا يخدم سوى نظام الأسد، هو من صنيع أعضاء كيانات المعارضة وليس من ابتداع سواهم، وكذلك الكلام المتواتر عن عقم الثورة السورية وافتقارها إلى قادة سوى الكيانات الموجودة، وتطابق هذا المنحى من التفكير مع تفكير جمهور الأسد، ليس إلّا من الذرائع التي يكررها أقطاب المعارضة في تبرير تجذّرهم في مناصبهم أو امتيازاتهم. أمّا الحديث الذي أدلى به الرئيس الأبرز لوفود أستانا لقناة ( الحرة ) فإنه لا يحتمل المزيد من التأويل، حين أكد على افتقار المعارضة السورية إلى ( حكماء وعقلاء وأصحاب خبرة)، إلّا أن هذا الافتقار لا يسلب كيانات المعارضة شرعيتها، ولا يدينها، ولا يوجب تغييرها، بل إن المشكلة تكمن في: ( بنية المجتمع السوري) على حدّ تعبير أول رئيس للحكومة المؤقتة، ورئيس وفد أستانا.

ليست المشكلة – إذاً – في تبرؤ المعارضة من واقع المآلات الراهنة والموجعة للقضية السورية، بل في إلقاء تبعات هذه المآلات على الشعب السوري، وتحديداً على من انحازوا إلى الثورة. بالتأكيد ، لا أنصّب نفسي ناطقاً باسم السوريين، ولا أدّعي تمثيل أحد، ولكن من حق أي مواطن سوري، بل من موجباته الأخلاقية، أن يجري جردةَ حساب تعتمد الوقائع وليس التحليل أو التأويل، وإن لم تك هذه ( الجردة) من أجل الإدانة، فهي – على الأقل – من أجل إنصاف شعب نجح في مواجهة أعتى الأنظمة المتوحشة، وقدّم أكثر من مليون شهيد، ومئات الآلاف من المعتقلين، وهُجِّر ما يقارب نصف سكانه، واقتلع قسمٌ كبيرٌ من مسكنه ودياره، وما تزال تضحياته مستمرة، في مقارعة أشدّ وسائل القتل قذارة ووحشية، هذا الشعب الذي – حين أطلق شرارة ثورته – لم يكن يعرف الكثير عن الذين ادّعوا تمثيله وقيادته، ولكنه آزرهم والتف حولهم حين قال عام 2012 ( المجلس الوطني يمثلني)، وحين تم استنساخ الكيان الثاني ( الائتلاف) تفاءل السوريون، على الرغم مما أحاط بنشأته من شكوك وارتياب، أملاً بأن يكون كياناً سياسياً يجسّد تطلعاتهم، وبفضل تضحيات هذا الشعب المُتّهم بـ ( العقم) صدر قرار جنيف 1 لعام 2012 ، حين كانت نسبة الجغرافية المحررة من سلطة النظام تقترب من الستين بالمئة.

طيلة ثماني سنوات مضت، لم تتوقف تضحيات السوريين، بل قدّمت مُنجزاً ثورياً عظيماً، لم تفلح قوى المعارضة في استثماره، فلم يكن جمهور الثورة عائقاً أمام مسعى الائتلاف نحو إصلاح ذاته، ومأسسة بنيته الإدارية والتنظيمية، وتحوّله من كانتونات تتحكم بها النفوذ الشخصية والأطراف الإقليمية، إلى كيان سياسي يخضع للإرادة والمصلحة الوطنية، وكذلك لم يكن هذا الجمهور عقبة أمام أي مسعى للائتلاف في توحيد قوى الثورة السياسية والعسكرية والتئامها تحت مظلة وطنية واحدة، كما لم يفوّض هذا الجمهور ذاته معظم أعضاء الائتلاف ببقائهم في مزاولة مواهبهم القيادية لمدّة تتجاوز ولاية رئاسية من حكم آل الأسد.

لم يكن خياراً شعبياً سورياً انعقاد اثني عشر لقاء في أستانا، وما يماثلها في جنيف، انتهت بتمكين النظام من السيطرة على الغوطة الشرقية ودرعا والقلمون، وتهجير سكانها، ومن ثم الإجهاز القائم على إدلب وريف حماة، ولم يكن خيارهم – أيضاً – هو الحيلولة دون الإفراج عن أي معتقل أو معتقلة في سجون الأسد، ولم يكن استمزاج آراء السوريين هو الذي دفع أعضاء الائتلاف وهيئة التفاوض، للتوزّع وتبادل التموضعات في مجمل مسارات التفاوض ( جنيف – أستانا – سوتشي – وحتى سانتي جيديو قبل أن يُطردوا منها) وذلك على الرغم من التناقض والتباين بين مرجعيات تلك المسارات.

جمهور الثورة السورية، ومن ادّعى قيادته أو تمثيله، من الخاذل ومن هو المخذول؟ لا أعتقد أن الجواب يكمن في السرديات السياسية، وإعادة إنتاج ما فات من عمر الثورة وفقاً لرغبات ومصالح الرواة، بقدر ما يكمن في بواعث قيمية وأخلاقية، ربما تستبطن شيئاً من العواطف والمشاعر، ولكنها تستبطن – أيضاً – الكثير من روائز الثورة.