أزمة كوريا الشمالية واستحالة تعاون الدول الكبرى

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

11/9/2017
العرب القطرية

الدول الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة، لا تريد حرباً في شبه الجزيرة الكورية، غير أنها ليست مستعدة لتوحيد مواقفها من التهديدات النووية التي تراكمها كوريا الشمالية، وتستخدمها في تصعيد التوتر، كما في استفزاز أميركا وحليفتيها كوريا الجنوبية واليابان، وبالتالي فإن الدول الكبرى ليست مستعدة للعمل معاً، وبأجندة واحدة، لردع بيونج يانج. هذا التفرّق في تحليل الوضع ومخاطره يقرأه كيم جونغ أون لمصلحته، فقنبلته الهيدروجينية التي جرّبها لتوّه كشفت عملياً حقيقة المواقف الصينية والروسية. فما الذي يجعل واشنطن قلقة ومستَفَزّة حيال استحواذ كوريا الشمالية على القنبلة، في حين أن بكين وموسكو لا تبدوان بالمستوى نفسه من القلق؟ الجواب المباشر هو وضوح أن تهديدات كيم كانت مركّزة سابقاً على كوريا الجنوبية واليابان، لكنها باتت الآن موجهة تحديداً لضرب الأراضي الأميركية، وهذا في حد ذاته لا يضير روسيا والصين، بل يصبّ عموماً في استراتيجيتهما، فإذا تولّت دولة ثالثة «ردع» أميركا فلا مانع لديهما.

منذ أوقفت الأمم المتحدة حرب كوريا عام 1953 بات الشمال حدّاً فاصلاً بين النفوذ الصيني وكذلك السوفييتي آنذاك وبين النفوذ الأميركي، الذي جعل من الجنوب خطاً أحمر. لا يزال هذا الوضع قائماً، بل جرى تكريسه طوال العقود السبعة الماضية، ويمكن أن تضاف إليه الخلافات بين روسيا واليابان على جزر الكوريل الأربع التي انتزعها السوفييت إثر الحرب العالمية الثانية، فضلاً عن الخلافات على أرخبيل دياويو/ سينكاكو المتنازع عليه بين الصين واليابان، بل إنه تسبّب بحال توتّر دائم في بحر الصين. أي أن المنطقة صراعية إلى أبعد حدّ بين أطراف الحرب الباردة التي تجدّدت في أكثر موقع، ما يلقي ضوءاً آخر على دوافع التوجه الاستراتيجي الأميركي نحو شرق آسيا، بعد الانسحاب من الشرق الأوسط.

بعد تفجير القنبلة الهيدروجينية أدركت موسكو وبكين أن الأمر قد قضي، فالقنبلة من شأنها أن تحمي كوريا الشمالية ونظام كيم، وأن تقلّص هامش الخيارات الأميركية. ومن المشاركة في إدانة التجربة النووية الجديدة، انتقل الروس والصينيون مباشرة للدعوة إلى التفاوض، ولتحذير الطرفين من أي تصعيد أو شرارة يمكن أن يُشعلا حرباً. وفيما حثّ شي جين بينغ على التهدئة خاض فلاديمير بوتن حملة للتقليل من أهمية وفاعلية أية عقوبات جديدة، يمكن أن تُفرض على كوريا الشمالية. لا شك أن بوتن وشي مدركان أن إدارة دونالد ترمب تواجه تحدّياً قاسياً، ولو أنهما كانا مكانها لما قبلا الأمر الواقع، لكنهما مدركان أيضاً أن «قنبلة كيم» فرصة مفيدة لهما، بعدما خسرت واشنطن رهاناً كبيراً لا تستطيع الردّ عليه إلا بضربة شعواء، ربما تزيل كوريا الشمالية من على الخريطة، لكن العالم لا يريد هذه الضربة، لأنها لن تبقى بلا تداعيات إقليمية ودولية.

تكمن معضلة واشنطن الآن في كيفية هضم التحدّي وانعكاساته على هيبة أميركا من جهة، ومن جهة أخرى في تسويغ «التعايش» مع قنبلة في أيدي دولة مارقة، ولو من دون الاعتراف بها كـ «دولة نووية». أما بكين وموسكو فحتى لو لم تكونا قد خططتا لبيونج يانج، إلا أن هذه قامت بـ «الوظيفة» التي توقّعتاها منها. أما الفصول التالية، بعد ثبات «التعايش»، فستشهد استخدام كوريا الشمالية قنبلتها لابتزاز الجميع، بغية التخلّص من العقوبات، واستدراج المساعدات الاقتصادية.;

تعليقات