أسئلة الحراك الاحتجاجي الجزائري

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

4 مايو/أيار 2019
العربي الجديد
المؤلف: 

يواجه الحراك الاحتجاجي الجزائري، مع الوقت، أسئلة حرجة، تطاول صيرورة استمراره وآفاق تحقيق مطالبه في تغيير النظام، إذ بات المشهد الاحتجاجي يكرّر نفسه ويراوح مكانه، في ظل إمساك العسكر زمام الأمور، وقيادتهم المرحلة الانتقالية، بالإضافة إلى استمرار وجود رموز من النظام في مفاصل الحكم، على الرغم من الخطوات المهمة التي حققها الحراك، بدءاً من إسقاط العهدة الخامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة واستقالته، وصولاً إلى تقديم بعض رموز النظام إلى العدالة بتهم الفساد ونهب المال العام، منهم رئيس الحكومة السابق أحمد أويحيى، ووزير المالية السابق محمد لوكال، والمدير العام السابق للأمن الوطني عبد الغني الهامل، ورئيس منتدى رجال الأعمال السابق علي حداد، إضافة إلى التحقيق مع جنرالات في الجيش، وتوقيف رجال أعمال مقرّبين من بوتفليقة، لكن ذلك كله لا يعني إنهاء تحكم المجموعة القابضة على مفاصل السلطة، أو ما تعرف بـ"العصابة السوداء"، الذين يشكلون العصب القوي للنظام الجزائري. 
ولعل استمرار الحراك بقوة وعزم لا يلينان يبعث الارتياح، لكن عدم وجود إطار سياسي ومدني موحد، يجمعه على أهداف محددة، ويضع خطة انتقال ديمقراطي واضحة، يجعل من الصعب توقع تحقق تلك الأهداف من دون تشكيل جسم سياسي واضح المعالم، يُحدّد مطالب الحراك، ويقود عملية الانتقال الديمقراطي المنشود، ذلك أن هذا الانتقال لا يمكن أن تقوده المؤسسة العسكرية الجزائرية التي جرى تشييدها وفق نهج نظام بوتفليقة ومن سبقه، ما يعني أنها لا يمكن أن تذهب بطريق الانتقال الديمقراطي الذي ينشده الشعب الجزائري إلى خاتمته. 
ولدى نشطاء الحراك الجزائري حساسية وتوجس كبيران من الأحزاب السياسية، سواء التي في صف السلطة أم في صف المعارضة، لأنها مثل رصيفاتها في الأحزاب العربية، في كل من مصر وتونس وسورية وسواها، كانت تلهث وراء الثورات، كي تركب موجتها لتصل إلى السلطة، ولم تلتحق بالثورات إلا بعد بعض الوقت. ومع ذلك، يستلزم استمرار الحراك وضرورة الوصول إلى أهدافه في التغيير الديمقراطي ضرورة النظر في الحزب السياسي، لأن العفوية والنشاط الفردي لا يكفيان، كما أن على مختلف أشكال الحراك أن تنظم نفسها في جسم سياسي، كي تلعب الدور المطلوب منها. 
وكانت ضرورة الحزب السياسي قد فرضت نفسها على كل حركات التغيير في العالم، ولعل مثال الحركات التي أطاحت الأنظمة الديكتاتورية، في دول ما كانت تسمى المنظومة الاشتراكية سابقاً، تقدم لنا دروساً مستفادة في هذا المجال، فيما أثر غياب الحزب السياسي على تحقيق طموحات الحراك الاحتجاجي في ثورات الربيع العربي التي انطلقت مع نهاية العام 2010، ففي كل من تونس وليبيا ومصر واليمن وسورية، أثر غياب الجسم السياسي، حزباً كان أم تياراً أم جبهة، على مسار هذه الثورات، وخصوصاً في سورية، إذ كان ضرورياً من قوى الحراك الاحتجاجي فيها تشكيل جسم سياسي، ولا سيما في مراحل الاحتجاج السلمي ضد نظام الأسد الديكتاتوري، وقد أثر غيابه على مآلات الثورة السورية التي دخلت في مساراتٍ فرضت عليها، وأفضت إلى نتائج كارثية. 
والمشكل في الجزائر، وفي سواها من البلدان العربية، أن أحزاب السلطة عرفت أزماتٍ عديدةً  ومتشعبة، وكذلك أحزاب المعارضة التي عانت من الانقسام الداخلي، ومن مصادرة السلطة للفضاء العام، ولم تعش حياة حزبية حقيقية، أي أنها لم تمارس السياسة، بمعناها المدني العام، لكن الحراك الاحتجاجي للثورات أحدث فضاء سياسياً جديداً، أعاد طرح الأسئلة الصعبة عن دور الحزب السياسي ومكانته في قيادة عملية التغيير. وما يساعد على ذلك أن قطاعات واسعة من الجزائريين دخلت بقوة المعترك السياسي، وعادت إلى السياسة، وخصوصا قطاعات الشباب والمرأة، بعد أن كانت مغيبةً عن العمل والممارسة السياسيين منذ سنوات طويلة. 
وأظهرت الثورات العربية دور القوى المنظمة في قيادة عملية التغيير والانتقال السياسيين، وكذلك دور تلك القوى في إحباط عملية التغيير وانتصار الثورات المضادة، والتحكّم في مصائر الدول وشعوبها، وتجسّد ذلك في التنظيمات العسكرية التي تسميها أنظمة الاستبداد جيوشاً وطنية، إذ كان الجيش العقائدي في سورية أشبه بمليشيات منظمة، يقودها أفراد من عائلة الأسد، لذلك لم تتوانَ في توجيه أسلحتها إلى المحتجين السوريين ضد النظام، منذ اليوم الأول للثورة السورية، فيما ساهم الجيش المصري في عودة النظام المصري في أسوأ نسخة منه، ولم يختلف الأمر كثيراً في بلدان عربيةٍ أخرى، لكن ما يفعله قادة الجيشين، الجزائري والسوداني، في أيامنا هذه، يظهر تغيراً في السلوك وفي التكتيك، خصوصا بعد فشلهم في زرع الرعب وإخافة الشعوب بتذكيرها بـ"السيناريو السوري"، ولذلك عمدوا إلى الليونة في الخطاب والوعود بالتغيير وتلبية مطالب الشعوب، بعدما اجتاح الحراك الاحتجاجي الشعبي الساحات والشوارع في الجزائر والسودان. 
وقد ملّت الشعوب العربية من الوعود بالتغيير من فوق، ولم تعد تأبه بالتهديدات والوعيد، وذلك بعدما اكتشفت قوتها على صنع الأحداث، وفرض التغيير السياسي الحقيقي. ولذلك تأتي ضرورة تنظيم قواها في جسم سياسي، أو أي تنظيم قادر على تشكيل قوة ضاغطة للوصول إلى تحقيق أهداف التغيير المنشود.