أسئلة الحرب الوشيكة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

العربي الجديد

 

فترض هذه المطالعة المسكونة بهواجس متطيّرة، وتوقعات متشائمة، والقائمة، في الوقت ذاته، على تقدير موقفٍ مبنيٍّ على كم لا حصر له من الحقائق النسبية، أن حالة التصعيد المتفاقمة على ضفاف الخليج قد وصلت، أو شارفت على الوصول إلى خط النهاية، بقوة دفع ذاتية تغذّي نفسها بنفسها باضطراد، وبمتواليةٍ هندسيةٍ تراكم المزيد من عوامل الجموح، ليس بفعل تصلب المواقف واتساع الفجوة وحدّية الخطاب فقط، وإنما أيضاً بتأثير فيض من الاستعدادات والتحرّشات والتهديدات المتبادلة. 
ومع أن نقطة التحوّل المؤجلة في هذا المسار التصاعدي قد تحدث عند ارتكاب أول غلطة في الحسابات، أو جرّاء سوء تقدير للنوايا، إلا أن المتغيرات الجارية بلا انقطاع، وضغوط الحصار الخانق على إيران، قد تعجلان الأمر، وتُخرجان الموقف عن السيطرة في الحال، وتُمليان منطقهما على التطورات، لا سيما وأن الفاعلين في هذا المسار التصادمي، وفي مقدمتهم قادة الحرس الثوري، ممن يتصرّفون بذهنية المأزوم، يعتقدون أنه يمكن معالجة الصدمة بالصدمة، وتسوية الأزمة المستفحلة بإحداث أزمة أخرى موازية، شرط أن تكون محدودة في الزمان والمكان، وقابلة للاحتواء. وعليه، لم يعد السؤال، في ظل هذه الأجواء الملبدة بغيومٍ سوداء، هل ستقع الحرب أم لا؟ ولا حتى كيف ولماذا ستقع الواقعة؟ وأين سينفجر بركان الحديد والنار؟ وإنما متى يشتعل الأوار، وكم من الزمن يستغرق إطفاء اللهيب، وما هي التداعيات والمضاعفات؟ لا سيما بعد أن ضاق هامش المناورة الضيّق أصلاً أمام جميع الأطراف، وأخذت العقوبات الاقتصادية والمالية تُجفف الزرع والضرع، وفوق ذلك أمست كل الخيارات الممكنة أمام إيران مستحيلة، بما في ذلك خيار شراء الوقت، أو الهروب إلى الأمام بإغلاق المضائق وخطف الناقلات.
يمكن التحفظ على هذا الافتراض المتشائم، والتشكيك أيضاً بمآلات هذا المشهد المتغير بين صبح ومساء، والقول إن المنطقة لم تدخل نقطة اللاعودة بعد، وأن السير على حافّة الهاوية لعبة تفاوضية طويلة الأمد، إلا أن الحقيقة الأكبر تؤكد أن الإقليم النفطي سريع الاشتعال، الذي تحتشد فيه الجيوش والأسلحة الحديثة والادعاءات، قد اجتاز مرحلة الكباش السياسي، والعض على الأصابع والمكاسرة عبر الوكلاء، ودخل عملية إحماء قد لا تكون مديدة، فيما الدروب مغلقة، والأيدي على الزناد، والمتوعدون بعضهم بعضاً بالويل والثبور وعظائم الأمور في وضعية التربّص الكامل. 
نحن الآن في مرحلة إسقاط الطائرات المسيّرة واختطاف الناقلات، وتكوين قوة بحرية لمرافقة السفن في المضائق والخلجان، الأمر الذي يشي بأن خط التصعيد قد ارتقى درجة أعلى من ذي قبل، ويعني أن الطلقة الأولى باتت في بيت النار، وهي لن تكون أميركيةً بالضرورة، حتى لا يحدث مزيدٌ من الانقسام الداخلي حول الحرب، وإنما ستكون على الأرجح شرارة مليشيا تسقط أول الأمر على قوات التحالف في العراق، ثم يتسع نطاقها في هضبة الجولان، أو ربما لبنان، قبل أن تبلغ سنام الذروة ضد البحرية الإيرانية المتحرّشة في مضيق هرمز أو بحر عُمان. 
إزاء ذلك، تبدو أسئلة الحرب الوشيكة أرجح وزناً وفق هذا السياق، المحكوم بإكراهات لحظة توتر هائلة، وبضروراتٍ تتعلق، من جهة أولى، بالذود عن الكرامة الوطنية الإيرانية، وبمزاعم تتصل بالأحقية والرواية والمظلومية، وبالسباق على الفوز بمعركة الصورة، فيما تتجلى، على الجانب المقابل، باستحقاقات الدفاع عن مصالح الدولة العظمى الوحيدة، وتعزيز الهيبة الأميركية، وربما اختبار منظومات الأسلحة الحديثة في الميدان، واستعراض التكنولوجيات الحربية فائقة التطور، لترهيب الخصوم والأعداء والحلفاء معاً، وهي غاياتٌ يتحرّق الصقور، والجنرالات ذوو الأربع نجوم، لتحقيقها اليوم قبل الغد. 
تقتضي الحصافة عدم الالتفات كثيراً إلى ثرثرت دونالد ترامب اليومية المتناقضة، وعدم التعويل على فرضية أن أحداً لا يريد هذه الحرب اللعينة، وتصديق أن الجميع يتخوف من تبعاتها الكارثية، وأن الدبلوماسية قادرة على اجتراح الحلول في ربع الساعة الأخيرة، فما يجري على الأرض من تحضيراتٍ لوجستية، وما يتم حشده من قوة نوعية ضاربة، قبالة استفزازات الحرس الثوري، ناهيك عما يدور في غرف العمليات السرّية، هو ما سيفضّ الالتباسات والتخمينات الرائجة، ويقرّر ماهية حرب مشهديةٍ لا رادّ لها.