أساطير السيسي الاقتصادية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

17/ 03/ 2015
العربي الجديد

 

لا يتوقف منطق أنصار الجنرال عبد الفتاح السيسي ومؤيديه عن الإبهار، ولا تخلو تعليقاتهم من ازدواجية وخلل يكشف حجم الأساطير والفقاعات التي يعيشون فيها، بفعل عمليات "غسل الأدمغة" التي تمارسها الأذرع الإعلامية ليل نهار. وهو ما اتضح بشدة خلال المؤتمر الاقتصادي الذي عٌقد قبل أيام في مدينة شرم الشيخ، وراجت على هامشه كمية غير مسبوقة من الأساطير والترهات.

أول هذه الأساطير أن المؤتمر نجح نجاحاً باهراً، وسوف ينقل مصر من حالة الفقر والفشل الاقتصادي الراهنة، إلى حالة من الرخاء والازدهار، لم تحدث من قبل. ولا يقول لنا هؤلاء كيف سيتحقق هذا الإنجاز، ومصر في المرتبة 119 في مؤشر التنافسية العالمية من أصل 144 دولة، وتدهور أدائها في الركائز الاثنتي عشرة للمؤشر، وحصولها على أقل النقاط في: البنية التحتية، والمناخ الاقتصادي الكلي، والابتكار، والتعليم العالي والتدريب، وحجم السوق، وتطور سوق المال، وتطور الأعمال، والصحة والتعليم الأساسي، وكفاءة سوق السلع، وكفاءة سوق العمل، والاستعداد لتبني وتطبيق التكنولوجيا الحديثة، والمؤسسات. فضلاً عن كساد بقية المؤشرات الاقتصادية كعجز الموازنة الذي وصل إلى 159 مليار جنيه، أي حوالي 6.9% من الناتج المحلي الإجمالي، أو كالدين الداخلي الذي وصل حوالي تريليوني جنيه، بحسب بيانات البنك المركزي المصري، في حين وصل الدين الخارجي إلى حوالي 45 مليار دولار، وهي مؤشرات كافية لابتلاع حصيلة المؤتمر الاقتصادي التي يتفاخر بها أنصار الجنرال.

الأسطورة الثانية أن المؤتمر جذب لمصر ما بين 36 مليار دولار، حسب كلام رئيس الوزراء، إبراهيم محلب، و150 مليار دولار، حسب مانشيتات الصحف وتصريحات خبراء الأذرع الإعلامية. وبغض النظر عن صحة الأرقام، لا يملك خبراء السيسي ورجاله الشجاعة على قول الحقيقة، وهي أن معظم هذه الاستثمارات تتركز في قطاعات محددة، كالطاقة والعقارات، وليست في أنشطة اقتصادية إنتاجية، يمكنها تدعيم الاقتصاد وتوليد فرص عمل حقيقية، كما أنها سوف تعود بالنفع، بالدرجة الأولى، على أصحابها الأجانب من جهة، وعلى رجال البيزنس والسياسة في مصر من جهة أخرى، ولن يكون نصيب المواطن المصري العادي منها، سوى وعود الفضائيات ومقالات الإشادة في الصحف. كما لن يقوى أنصار الجنرال على مصارحة هذا المواطن المسكين، بأنه لا يمتلك الحق فى محاسبة أيٍّ من هؤلاء المستثمرين أو مقاضاته، إذا ما فشلت مشروعاتهم، أو إذا ما تخلفوا عن الإيفاء بها وإنجازها في وقتها، لأن "أسطورة "العاصمة الجديدة" التي تم توقيع عقد بنائها في المؤتمر الاقتصادي. والتي تعد، بحسب دارسين ومتخصصين كثيرين، جريمة سياسية واجتماعية وأخلاقية"  القانون لا يعطيه هذا الحق، كونه ليس شريكاً فيه من الأساس.

الأسطورة الثالثة أن هذه الاستثمارات هي بالأساس من أجل بناء "الدولة" المصرية، وليست لتحقيق مصالح النظام. ويريد هؤلاء أن يقنعونا بأن ثمة فارقاً حقيقياً بين الاثنين. وهو منطق فاسد، ليس فقط لأنه لا يوجد أي فرق بين الدولة والنظام، في بلد مثل مصر منذ الحقبة الناصرية، ولكن، أيضاً، لأن هذا ما صرّح به الجنرال السيسي، حين قال قبل شهور "مفيش حاجة اسمها النظام"، أي أنه هو الدولة والنظام معاً. بيد أن أكثر ما يثير التقزز والغثيان استخدام مهاويس السيسي هذه الأسطورة من أجل الطعن في ولاء وانتماء كل من يعترض على ترويج هذه الأساطير، ويرفض حالة الخداع والتضليل التي يمارسها إعلام السيسي تجاه المصريين البسطاء. يريد هؤلاء أن يقنعونا بأن "الدولة" أهم من الفرد والمجتمع، وأن بناءها يتطلب التضحية من الجميع، ولو بسحق كرامتهم وتكميم أفواههم. هؤلاء "الدولجية" حوّلوا الدولة من مؤسسات مسؤولة وخادمة للفرد بالأساس، إلى "بقرة مقدسة" لا يجوز نقدها أو الاقتراب منها.

الأسطورة الرابعة، وأم الأساطير، هي أسطورة "العاصمة الجديدة" التي تم توقيع عقد بنائها في المؤتمر الاقتصادي. والتي تعد، بحسب دارسين ومتخصصين كثيرين، جريمة سياسية واجتماعية وأخلاقية، لا تختلف كثيراً عن الجرائم التي وقعت في العامين الأخيرين. وهي جريمة سياسية، لأنه لم يجر أي حوار أو نقاش موّسع حول هذا المشروع، ولم يؤخذ رأي أهل المحروسة في مسألة تغيير عاصمتهم ومدينتهم التاريخية، ونقلها إلى مكان مجهول لا يعرف أحد أين هو وماذا سيكون اسمها. وهي جريمة أخلاقية، لأن المدينة المقترحة، حسب تعليقات كثيرين، ليس الهدف منها تخفيف العبء عن العاصمة الأصلية وعن المواطنين البسطاء، خصوصاً الذين يأتون إلى العاصمة من بقية المحافظات من أجل قضاء احتياجاتهم، وإنما هي محاولة للتملص والتهرب منهم، باعتبارهم رعايا، وليسوا مواطنين ذوي حقوق وأهلية. وهي جريمة اجتماعية لأنها تكرس منطق الفصل بين الأغنياء والفقراء، وتخلق "أبارتايد" اقتصادياً واجتماعياً بين من يملكون ومن لا يملكون، وتعزز منطق "جيتوهات الأغنياء". تماماً مثلما هي الحال، الآن، مع الأحياء الفارهة في المقطم والتجمع الخامس ومدينة السادس من أكتوبر، والتي تعج بالتناقضات الاجتماعية والاقتصادية. لذا، ليس غريباً أن الشركة المسؤولة عن تنفيذ المشروع، هي "إعمار" الإماراتية التي وضعت تكلفة مقدارها حوالي 45 مليار دولار، لتنفيذ المشروع بين 5 و7 سنوات.

آخر الأساطير، وأكثرها طرافة، هي قناعة بعض "مهاويس" الجنرال بأن الأموال والاستثمارات، التي تم الإعلان عنها، سوف تذهب إلى جيوبهم، أو جيوب أبنائهم، ولو أن لدى هؤلاء قدراً من العقل والحكمة، لسألوا أنفسهم أين ذهبت الـ 40 مليار دولار التي حصل عليها الجنرال ومدير مكتبه عباس كامل من دول الخليج، في أقل من عامين؟ لكنهم قطعاً لن يفعلوا.